رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

مدن السورأول الرواية هو آخرها،

وأربع نهايات، ولا فصل أخير


منير مطاوع
9/24/2017 1:36:15 PM

هذه رواية مثيرة للدهشة والتأمل!
فالكاتبة تفاجئنا بعالم من ابتكارها، لاوجود له في الواقع، فلا حدود لمكان وزمان هذا النص الأدبي السابح في خيال فانتازي مستقبلي، لكن علي الرغم من كل هذا، وبعد الصعوبة التي ستواجه القارئ لعتبات النص، فإذا تجاوزها، وهذا يتطلب قارئا من النوع المتمرس، سيجد نفسه غارقا في خيالات مثيرة وكون غير الكون، مع أناس غير الناس، وأحوال أشبه بما يجري في قصص الخيال العلمي، لكن الجديد في الأمر، أن هذا النص الروائي القائم في سموات أخري، وخيالات سامقة وأجواء لم يسبق لفن الرواية العربية - في حدود علمي- وصفها ورصفها وتجسيدها، هذا الخيال العالي الرحب، الفريد، لايذهب بنا بعيدا عن واقعنا بل يغوص بنا إلي أعماق هذا الواقع المعاش الآن.
 إنه خيال يتجاوز الواقع ليس هروبا منه، ولا ضيقا به، وإنما لغرض يحققه النص بكفاءة عالية وفنية راقية ولغة سرد منسابة ومبتكرة وإن بدت أحيانا كما لوكانت مترجمة عن لغات أخري، والغرض هو مناقشة وفضح وكشف وتعرية بؤس الواقع الذي يعيشه إنسان هذا الزمان الآن، في مصرومثيلاتها من أمم الجنوب أو ما يسمي بـ»العالم الثالث»‬ من فقر وقمع للحريات وتسلط مافيات وطبقات علي الحكم والثروة، ونفي للسكان »‬الأصليين» من خلال الاستغلال و الازدراء والاحتقاروالتجاهل، بل والقتل والسجن. وتشجيع وترويج فكرة الإنتحار الجماعي من خلال عمليات غسيل مخ تسميها »‬التطهر» أي الموت من أجل حياة أفضل للأجيال القادمة!   
بحذق فني راق نجحت »‬هالة البدري» في سحب القارئ إلي عالمها الهلامي هذا الذي أقامته، عالم فائق الخيال، عالي الحداثة والابتكار والهندسة، لتقوم بعملية تشريح جذري للواقع الأليم، حتي أن الأمر يصل بها أحيانا لصوغ عبارات فضح مباشرة للحال الذي نعيشه.
إجهاد القارئ حتي يتهيأ
كقارئ متذوق للأدب والرواية علي وجه الخصوص.. »‬قارئ محترف» إن صح التعبير، أعترف أنني وجدت صعوبة في دخول هذا العالم، في البداية، وطوال ما يزيد عن 30 صفحة كنت أقول لنفسي أن عليّ بالصبر قليلا.. والاستسلام لرغبة الكاتبة في إجهادي حتي أتهيأ وأتقبل وأستوعب، وأتأقلم ثم أرحب وأحتفل وأندمج مع هذا العالم المتخيل.
لكنني لفترة، كدت أخشي الوقوع في ترجمة عربية لأساليب قصص وروايات الخيال العلمي التي لا أقبل إلا علي أقل القليل منها.
وعندما عبرت هذه المرحلة وجدت نفسي وذائقتي في حال تهيؤ للتجاوب، فقد جاءت لمسات سردية وملامح لشخصيات ومواقفها ومشاعرها لتضعني أمام حقيقة أنني أقرأ عملا خياليا فانتازيا في هيئته وبنائه وأجوائه، لكنه غارق في الواقعية من حيث تناوله للقضايا والدلالات والمعاني والأحوال والأفكار.
والحقيقة أنني في بعض المراحل أشفقت علي الكاتبة من الجهد البحثي المضني الذي بذلته لتطوف بنا في سياق سردي منهمر وسلس وجذاب، علي حضارات وأساطيروتطورات علمية وطبية والكترونية ووقائع تاريخية وشخصيات شكلت رموزا للثائرين علي كل محاولات الطغاة لاستعباد الشعوب.  
ومدن السور التي بنتها »‬هالة البدري» من وحي خيالها الفانتازي البديع، تشعرنا بأن صراع الإنسان من أجل الفوز بحقه في الحرية والكرامة قديم قدم وجوده، ومستمر طالما هو موجود. وأن انتصاراته المتحققة في مراحل مختلفة من التاريخ هي دليله إلي المزيد من الانتصارات، وأن الصراع بين المستغلين (بالكسرة) - وتسميهم الرواية »‬ الفوقيون»- والمستغلين (بالفتحة ) - وتسميهم »‬البدائيون» - هو ملخص تاريخ الوجود الإنساني، وأن الإنسان لاتتحقق له إنسانيته من دون أن يحمي بنفسه حريته ويثورعلي كل من يحرمه منها..
والرواية، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، لاتقول هذا الكلام، بلغة مباشرة وإلا أصبحت خطابا أو مقالا، وفقدت جماليتها الفنية، لكن القارئ هو الذي يصل إليه، فهي فقط تضئ له الطريق وتنشط فكره ومشاعره.
ومع أن الروايات لاسبيل إلي اختصارها في كلمات قليلة، ومع أنها ليست مجرد حكايات، إلا أن شخصيات »‬مدن السور» علي غرابتها في كثير من الأحوال، و»‬بلاستيكية» بعضها أحيانا، تجذب القارئ وتثير اشتيافه إلي متابعة أحوالها ومصائرها، والإندماج معها في معاركها وأحلامها.
طبعا لن نحكي الحكاية، فهي ليست موجودة أصلا، لكن تستوقفنا إشارات واضحة إلي ثورة25 ينايروالحاجة إلي حركة وطنية شعبية متماسكة تواصل الطريق.
عودة »‬جورج أورويل»
ولا أقلل من شأن »‬مدن السور» ولا أزيد من شأنها أيضا، إذا قلت أنني خلال استغراقي في فصولها شعرت أنني أقرأ كتابات جديدة لـ»‬جورج أورويل» أو»‬الدوس هكسلي».         
وقد تعمدت الكاتبة ألا ترقّم فصول الرواية، بل أعطتها - عن قصد - ترقيمات مرتبكة، ربما لتوصل لنا الإحساس بإنعدام الوزن، أقصد انتماء ما نتابعه إلي عصور وأزمنة متداخلة ومركبة وبلا تراتب منطقي.  فنجد عنوان فصل البداية: تقسيم غير معروف للرواية ربما الفصل الألف يليه :تقسيم غير معروف للرواية ربما الفصل الثاني بعد الألف   ثم : فصل جديد قريب من الفصل السابق، نظرا لقرب الشخصيات يليه، فصل يأتي منطقيا في تطورشخصية آدم، ربما الخامس بعد الألف وبعد فصلين  نقرأ:    »‬جزء آخر من الرواية غير معروف ترتيبه أو زمنه   لكن من المؤكد أنه بعد سنوات طويلة..ربما»   وهكذا.. مع ملاحظة وجود عبارتي »‬من المؤكد» و»ربما» في جملة واحدة ولأننا في زمن غير محدد، فسنجد أيضا أن »‬الفصل قبل الأخير غير معروف رقمه ولازمنه» لكن »‬من المؤكد أنه بعد زمن طويل غير محدد» ثم لانجد فصلا أخيرا!
فكيف كانت النهاية؟
ليست هناك نهاية واحدة لرواية »‬مدن السور».. هناك أربع نهايات!.. آخرها ماكنا قرأناه في الصفحة 13 العتبة الافتتاحية التي دخلنا منها النص وتختتم بكلمة »‬انتهي» ونجده يتكرر كما هو في ص 286   ثم صفحة بعنوان »‬لايوجد فصل أخير للرواية»
 هل تريد الكاتبة أن توحي لنا بأن الصراع مستمر بلا نهاية؟
 عمارة مدن السور
ولو سألني سائل عما جاءت به »‬مدن السور» من جديد علي مستوي العمارة والبناء الروائي، فسوف أجد نفسي كقارئ، أشير إلي عدة ملاحظات:  
أولها: إلغاء الحكاية، فنحن وإن كنا نتتبع بعض الشخصيات، وتطور أفكارها وعلاقاتها ومواقفها، إلا أننا نعيش أجواء عامة أقوي من الشخصيات.
وثانيها: استخدام النصوص المستمدة من كتابات وأقوال ومصادر تاريخية، ودخول هذه العناصر كوحدات أساسية في البناء السردي، تدعم فكرة أو تلقي الضوء علي معني أو تستند إليها إحدي الشخصيات. كل ذلك في نسيج سردي ضفرته الكاتبة بعناية وإن زاد عن حده في مناطق من النص.
ثالثا: اللغة، جاءت فصيحة سهلة في الغالب، مطعمة بعبارات دارجة أحيانا بدت كلآلئ. ومع ذلك فأنت أحيانا تجد حوار الشخصيات أقرب مايكون إلي الترجمة العربية علي شريط الفيلم الأجنبي. هل لأنها شخصيات من خارج الزمان والمكان، شخصيات لانعرف لها عنوان؟..
ربما، لكن المؤكد أن قارئا مثلي تحققت له المتعة والدهشة يريد أن يحيي هذه الكاتبة المبدعة علي قفزتها المتمكنة رغم ماعانه في الصفحات الأولي من إجهاد ربما تكون قد تعمدته.