رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

إبراهيم أصلان وتحولات السرد

من «بحيرة المساء» إلي »خلوة الغلبان«:


اعتدال عثمان
10/7/2017 10:54:17 AM

المتابع للحياة الثقافية لا بد أن يلحظ ذلك التدفق الهائل لنصوص سردية تتداخل فيها الأنواع الأدبية، بينما تحمل سمات تجريبية واضحة، تنبئ عن تحولات في الرؤي وأدوات التقنية، خصوصا لدي الأجيال الشابة. أما المواكبة النقدية لهذه التحولات، فتحاول تقديم قراءات منفتحة علي هذا التدفق الإبداعي الذي يحتاج إلي مزيد من الدراسات المتأنية التي تستنطق هذه النصوص من داخلها، ومن خلال جمالياتها الخاصة، دون أن تفرض عليها أحكاما مسبقة، مستمدة من أطر معرفية ومنهجية ربما لم تعد ملائمة لتلمس هذا النبض الجديد.
ويبدو لي أننا قبل الولوج إلي عالم التحولات الراهنة نحتاج إلي وقفة نستعيد بها محطات فارقة في مراحل سابقة، لا لكي نتوقف عندها بوصفها المعيار الذي نقيس عليه الجديد، بل بوصفها نقطة انطلاق لما أتي بعدها من متغيرات استجابت لها المخيلة الإبداعية بدرجات متفاوتة.
>>>
لعل من أهم هذه المحطات ما يعود إلي جيل الستينيات الذي قدم بلاغة سردية مغايرة لما قدمه أعلام الرواية والقصة من الرواد والمؤسسين. من بين كتاب هذا الجيل يحظي إبراهيم أصلان بمكانة متميزة، إن لم تكن طليعية ومستمرة،بينما نجد شواهد علي تأثيره الممتد لدي مجايليه، ولدي أجيال لاحقة.
لقد كان صدور مجموعة الكاتب القصصية الأولي »بحيرة المساء»‬ (1971)بمثابة حدث أدبي مهم احتفت به الدوائر الأدبية في مصر والعالم العربي، برغم أن حضور أصلان الإبداعي كان ملموسا منذ منتصف الستينيات. وأصبحت المجموعة منذ ذلك التاريخ إحدي علامات تحول فن القص العربي الحديث إلي نوع جديد وأصيل من الكتابة الإبداعية، أضاف إلي  خصوصية هذا الفن وإلي سجل أعلامه الرواد. في هذه المجموعة القصصية وضع أصلان أسس نهجه في الكتابة الذي يتمازج فيه قصد المؤلف بمقاصد شخوصه القصصية، وتتماهي هموم الذات الكاتبة مع استحضار مشهد أو موقف دال في قلب مكان ما وزمان ما تخيليين، سرعان ما يصبحان امتدادا للمكان والزمان الحقيقيين خارج الكتابة، فيكونا امتدادا للحقيقة وإطارا لها في آن، وكأن المكتوب هو المعاش أو أن المعاش هو المكتوب، لا فرق ولا فاصل بينهما.
 شخوص المجموعة لا تحمل أسماء إلا قليلا، بل تقدم بصفاتها مثل الرجل النحيل أو الرجل الكسيح أو صاحب الطربوش المنحرف، فالقصد هنا ليس تقديم حدث قصصي بمفهوم القص التقليدي من حبكة وشخصيات ولحظة تنوير وغير ذلك، بل التقاط لحظة من مجري الحياة من منظور يلمح دون تصريح إلي ما كان قبل الشروع في الكتابة،وبما يمكن أن يكون بعد انتهاء القصة. فالشخصيات تفصح في حوارها المقتضب، ومن خلال عين الكاميرا الراصدة لتفاصيل دالة، عن حيوات ومصائر يكتنفها البؤس والضياع وافتقاد التواصل الحميم. في قصة »‬رائحة المطر» نجد رجلا يفسر سلوكه الغريب حين هم بفتح ذراعيه واحتضان شخص لا يعرفه في الطريق بقوله: االمسألة في منتهي البساطة. واحد استبد به الشوق لبني الإنسان ويريد أن يعبر عن ذلك تعبيرا لا شك فيهب.
>>>
ويتجلي نهج أصلان المراوغ، الحاد مع ذلك كنصل مسنونيخز الوعي ويؤرقه في قصة أخري من قصص المجموعة نفسها بعنوان »‬العازف» وتدور حول شاب ينفذ بدقة متناهية تعليمات تؤهله للعزف علي آلة كمان، لكنها آلة  بغير أوتار يقصد بها استكمال مشهد فرقة موسيقية خلف راقصة. إن عبثية الفعل هنا جارحة وكاشفة عن بعض هياكل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في حياتنا، والتي لا تحمل مضمونا حقيقيا في كثير من الأحيان. ولا تفارق أصلان في هذه المجموعة الأولي، أو ما تلاها من أعمال، تلك الروح المترعة بالحزن الشفيف، والمفعمة بالشجن الممتزج بالسخرية، وهي سخرية مبطنة بحس إنساني عميق وقدرة علي اكتشاف المفارقة المؤسية التي تحزننا فيما تفتر منا الشفاه بابتسام نابع من بهجة الفن الجميل.
ينحو أصلان في عملين من أعماله هما »‬وردية ليل»( 1992) و»‬حكايات من فضل الله عثمان» (2003) إلي  كتابة نصوص منفصلة ومتصلة تظهر علي شكل متتاليات أو متواليات قصصية علي نحو ما نجد لدي إدوار الخراط، ونجدها أيضا لدي محمد البساطي وعبد الحكيم قاسم وغيرهم، مما يشكل تحولا دالا في بنية الكتابة القصصية، لم يكن مألوفا في القص التقليدي، إذ يتواشج مع بعض خصائص الرواية، وإن احتفظ في الوقت نفسه باستقلال الوحدات القصصية المتتالية.
وتتكون هذه البنية السردية في أعمال أصلان من نصوص يتمتع كل منها باستقلاله الذاتي، بينما يتخلق بينها نوع من الحوار الداخلي الذي يبلور عالما متكاملا يتسم بإيقاعه الخاص، ويشتمل علي ذاكرة داخلية خاصة. تقوم هذه التقنية علي تراسل النصوص فيما بينها، فتثري دلالة كل نص علي حدة الدلالة الكلية للعمل، بينما لا تتشكل هذه الدلالة الكلية إلا من خلال إعادة نظر القارئ فيما تلقاه خلال قراءة النص الواحد والنصوص المتتابعة.
وفي الحقيقة تتوافر في »‬وردية ليل» سمات الرواية مما يعد شاهدا آخر علي تداخل الأجناس الأدبية. تتسم نصوص المجموعة المنفصلة المتصلة بوحدة زمنية ينم عنها العنوان، كذلك تدور حول محور مكاني واحد هو مكتب التلغراف، بينما تتحدد حركة الشخصيات بحسب خروجها منه أو دخولها إليه. أما محور الزمان فهو الليل، وبالتحديد الساعات التي تستغرقها وردية الليل في مكان العمل. وبرغم هذه الوحدة إلا أن هناك توترا خفيا في النص ينجم مكانيا عن انتقال الشخصيات من طابق إلي آخر داخل المبني أو من موقع إلي آخر خارجه، علي حين تظل مرتبطة بالمكان في انتظار وردية جديدة. كذلك نجد توترا زمانيا ينتج عن تعدد الورديات عبر السنوات، إذ تظل ساعات الوردية ثابتة بينما تتغير الوجوه أو تتحول ظروف الشخصيات، فتصاب بالهذيان أو الجنون وتأخذ مسارات متباينة تلمس وجدان القارئ ووعيه معا.
>>>
وبرغم الخصائص الروائية البارزة في هذا العمل إلا أننا نستطيع أن نعد كل وحدة منه قصة قصيرة لها استقلالها علي مستوي الحدث والشخصية، حتي وإن تكرر ظهور بعض الشخصيات في أكثر من نص واحد، لكن في مرحلة زمنية تختلف بين نص وآخر. قد يبدو علي السطح أحيانا غياب علاقة ترابط بين المتواليات القصصية. لكن نظرة أعمق تقود القارئ إلي تبين أن علاقات التجاور بين وحدات العمل ليست عشوائية، لا يجمعها سوي الرابط المكاني والزماني، بل إنها تقوم علي تنظيم داخلي دقيق يفضي إلي جدل داخلي بين عناصرها المختلفة يضفي علي العمل وحدته وتكامله، بدءا من وحدة الزمان والمكان، ومرورا بوحدة البنية السردية ووحدة الرؤية، إضافة إلي ترابط الجزئيات والتفاصيل الموحية والمثقلة بالمعاني والدلالات. من الأمثلة الدالة ما نجده في النص الخامس »‬مصابيح» إذ يذكر الراوي في حوار يبدو عابرا أن الحريري، زميل العمل في هيئة البريد، جرح في حرب 1967 وأنه يدعي نسيان وقائع المعركة، وفي  الفصل ( الوحدة السردية)  الرابع عشر، وهو بعنوان »‬دموع»، يظهر الحريري مرة أخري وهو يؤذن في منتصف الليل، مما يشير إلي ما أصابه من ذهول ولوثة ظلت كامنة. وما بين النصين تتوالي وثبات زمنية تؤكد تفتت زمن بداية الحدث، وهو الزمن الذي يرصد فترة من شباب الراوي عندما كان في مرحلة التأهيل والتدريب علي أصول العمل، كما تتوالي أشكال التدهور الذي أصاب شرائح واسعة من المجتمع خلال السبعينيات.
وفي »‬حكايات من فضل الله عثمان» (2003) ، وقد صدر بالتزامن مع »‬خلوة الغلبان»، يحرص الكاتب علي إرهاف علاقات مفرداته القصصية، فيصبح علي القارئ التقاط دور هذه المفردات في عملية توليد الدلالة الكلية في العمل كله، وفي كل نص من نصوصه المستقلة. هنا تنبني علاقة الجدل الخلاق بين النصوص المنفصلة المتصلة علي أدوات أكثر رهافة ولا مباشرة من تلك التي تتولد من وحدة الزمان وتتابع الحدث، إلي جانب تواتر ظهور الشخصيات في الوحدات القصصية. وبرغم اعتماد النص وحدة مكانية أثيرة لدي الكاتب هي شارع فضل الله عثمان بحي إمبابة، إلا أن الخيوط الخفية الحاكمة لنسيج النص تُظهر المقابلة اللافتة بين الأشياء في وجودها الصلب من جانب، ومصائر البشر الهشة المتأرجحة علي خط الزوال من جانب آخر. ومن بين حدي المفارقة تنسل قدرة الإنسان علي المقاومة والتشبث بحب الحياة، ونموذجها الأبرز في العمل قصة االرجل والأشياءب.
إن اختلاف طرق القصص في المجموعة لا يمحو السمات المشتركة التي يجمعها فضاء النص الذي يتشكل من صخب الحياة في شارع فضل الله عثمان، فالحياة في هذا الشارع تضج بالمفارقات والتناقضات والمشاعر المتضاربة والكلام المعبّر.  وبرغم الفقر والمرض والصخب والعنف وشروط الحياة المتردية إلا أن تجربة الحياة فوق هذه التربة الغنية تصبح المادة الخام التي يلتقط منها الكاتب المشاهد الدالة والتفاصيل الموحية، وينقل عنها الحوارات الكاشفة في احتراس وكتمان.
 يتراوح السرد في المجموعة بين جانبين يمثل أولهما السرد الموضوعي الذي يبرز الطابع الجماعي للحياة في الشارع الشعبي في فوضاها وتشابكاتها وتآلفاتها، علي نحو ما نجد في قصص مثل»‬ سبيل للصغار» و»‬قطرات من الليمون» واطرف من خبر العائلة». أما الجانب الثاني فينحو فيه السرد إلي إفساح المجال أمام الصوت الفردي، النابع من قلب الجماعة ذاتها، لكنه يحمل أيضا قلقه الخاص ورغائبه المتفردة، وذلك علي نحو ما يظهر في قصص »‬هروب» و»‬صمت» و»‬شتاء» و »‬الستحمة».
أما السمة الأخري المبثوثة في نصوص المجموعة كلها فتتضح في تلك الآنية الزمنية التي يضفيها الكاتب علي العمل، فجل الأفعال عنده مضارعة، كأنها تروي عن عالم أبدي الحضور. وحتي لو تصدر فعل »‬كان»أو بعض الأفعال الماضية بدايات القصص أو أوائل الفقرات، فإن سائر الأفعال الأساسية التي تتبعها تكون مضارعة، ترمي إلي خلق حالة دائمة من التوهج والاستمرارية التي ينافح بها البشر عن وجودهم المهدد المهمش المسحوق. إن هذا الاختيار في الكتابة يكشف استراتيجية الصوغ الفني عند أصلان، وهي استراتيجية ترمي إلي إدراج حكاياته ضمن زمنية تعلو علي الوقت المحسوب بالأيام والسنوات. والكاتب لا يتقيد هنا بنموذج ثابت للقص، بل تتراوح القصة عنده بين نص ذي حبكة ونص شذري مكتوب وكأنه جملة واحدة مثل قصة »‬صمت»، وكأن هذا التنويع نفسه في طرق السرد إنما يعلن - بغير إعلان - عن تمرد الكاتب علي الأشكال الجاهزة  والقوالب الجامدة.
وأخيرا نأتي إلي »‬خلوة الغلبان» ( 2003) فنجد أصلان في أصفي حالاته الإبداعية حيث ينفلت الكتاب من قيود القصة المعهودة لينتمي إلي اليوميات القصصية أو إلي المحكيات التي توظف أحداثا ومواقف عاشها الكاتب ويحيل إلي مرجعيتها في ثنايا الحكي، يصور فيها الكاتب  شذرات من حياته وأسفاره في مؤتمرات أدبية وعلاقته بزملاء القلم والعمل الصحفي في لقطات بالغة الذكاء، عميقة الدلالة، تكشف الكثير عن أصلان نفسه وعن مشروعه الإبداعي. وفي هذا الكتاب يحول أصلان الواقع المألوف إلي إضاءات باهرة لواقعنا الأدبي، محتفيا بالقيم والقامات العالية في حياتنا الثقافية، وكاشفا عن أنواع الزيف والنفاق والظلم والقيم المغشوشة في آن، فنكتشف أن الفجوات الزمنية بين أعماله لم تكن انصرافا عن الكتابة، بل غوصا في أعماقها، وأن صمته كان اكتساب معرفة، وهدوءه كان احتشادا وانتظارا للحظة اختمار الرؤية. وهو في هذا كله لا يكتب إلا ما يقع في دائرة إدراكه، وما يعمل فيه وعيه، فإذا ما اغتني بالإدراك والمعرفة والوعي خرج إلي قارئه ليحدثه حديث الصديق، محترما ذكاءه، ومسلحا بالثقة في قدرته علي الدخول إلي ذلك العالم البسيط الثري معا.
علي المستوي التقنية الفنية لا تنتمي هذه النصوص إلي النوع الأدبي المعروف بالسيرة الذاتية بقدرارتباطها بتحولات القصة القصيرة من ناحية، كما تتميز من ناحية أخري ببنية قصصية  تعكس خصائص الكتابة عند أصلان، ومن أهمها الاقتصاد في التعبير والرصد البصري المدعم للتذكر والسخرية، وذلك المزاج  المصري الصميم المحب للنكتة وخفة الدم.
 إن »‬خلوة الغلبان»، المكان الفعلي علي خريطة الريف المصري، يتحول إلي استعارة للكتابة المتلمسة لمسالك قول ما لا يقال في زحمة الكلام الجاهز، إنه الكلام الآخر المختبئ وراء صلافة أولئك الذين يحترفون الفهلوة والتعالم، وكأنما تتحول الخلوة بالنسبة للكاتب الغلبان - وكل كاتب صادق غلبان- إلي فضاء يعادل الكتابة النابعة من الأعماق والتي تظل دوما مقيدة بأغلال الغربة واليتم في هذا الزمن العربي الموحش. لكنها أيضا تسعفنا بالقدرة علي الاستمرار ونحن نتسول علي بوابة الكتابة ضوءا يبدد بعضا من هذا الظلام البهيم.
وإذا كانت المادة الخام لنصوص »‬خلوة الغلبان» مستقاة من مواقف وأحداث عاشها أصلان واختزنها في ذاكرته، فإن موهبة الكاتب تظهر واضحة في الارتقاء بهذه اللحظات المستعادة إلي مستوي التخييل الفني الذي يوظف نهج أصلان في الحوار المقتضب والسرد والوصف والسخرية والتكثيف والإضافة والحذف والاستبطان، بما يرسم أمام القارئ لوحة حافلة بألوان الطيف، مقتطعة من قلب الحياة.