رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية

أنا من أهوي


د. محمد الشحات
10/7/2017 11:17:50 AM

في كتابه الأخير »أنا من أهوي: 600 طريق إلي العشق»‬ الصادر عن الدار المصرية اللبنانية عام 2017، وبعد تتابع كتبه السابقة في المضمار ذاته، مثل »‬ركعتان للعشقب و»‬أحوال العاشق» و»‬الوصايا في عشق النساء»، .. وغيرها، يسعي الشاعر المصري المعاصر أحمدالشهاوي إلي تدشين كتابة نثر-شعرية تقع في تلك المنطقة البينيّة، الرمادية، الفاصلة جماليًا وثقافيًا بين جنسي الشعر والنثر العربيين اللذين حالت بينهما طبقات مؤدلجة من القطيعة المعرفية المجحفة كانت سببا في تعثّر مركبة النقد العربي وتخلّفها الذي لا نزال نعانيه إلي الآن. في هذا الكتاب، يرصد -أو يسلك- المؤلف معالم تجربته الصوفية التي يراهن علي الكثير مما أفرزته من جماليات ومقولات تحاول رأب المسافة بين »‬التصوّف بوصفه سلوكًا إنسانيًا» وبالتجربة الصوفية بوصفها تجربةًجمالية لغويةً» تمتاح من طاقة المجاز ومفردات البلاغة العربية من رموز وتشبيهات واستعارات وكنايات، .. وغيرها. يدرك الشهاوي مدي خطورة تلك اللعبة الجمالية المراوغة التي قد يقع فيها في أية لحظة عن امتطاء ناصية الكتابة، خصوصا عندما تقتات علي روح شعرية النثر الفنّي القادم من أعماق مدوّنة النثر العربي ومرويّاته التي ترتكن إلي بلاغة أبي حيان التوحيدي ومحمد بن عبد الجبار النفري والحسين بن منصور الحلاج ومحيي الدين بن عربي. ويا لها من مغامرة. لذا، فإنه عبر هذا التصور النفس-لغوي يبني كتابه/تجربته علي ستة فصول/ فصوص (هي: »‬آية الكهرمان»، »‬نثر الماس»، »‬شذور الذهب»، »‬سورة اللؤلؤ»، »‬بهجة الياقوت»، »‬زمرد الجنة»). وكل فصل، أو فصّ، منها يتكون من مئة مقطع أو شذرة متباينة في الطول والكثافة، متأرجحة ما بين ملامح غنائية هنا ودرامية هناك وسردية موجزةما بين الحالين؛ فيكون مجموعها ستمئة شذرة في العدد الكلي، لكنها ستٌّ في الأصول الكبري.
يسعي كتاب »‬أنا من أهوي» إلي التعامل مع مقولة »‬العشق»، لا الحب، حسبما يتبنّي المؤلف بقصدية واضحة منذ العنوان الأول، بوصفه كائنا حيّا يمتاح من صورة الإنسان الكامل عن ابن عربي مثلا.من هنا، تنهض تسميات الفصول الستة علي استدعاء طاقة الأحجار الكريمة من كهرمان وماس وذهب ولؤلؤ وياقوت وزمرد، بكل ما تستدعيه ألوانها الصفراء أوالحمراء أوالخضراء أو الزرقاء، وبكل ما تشكّله مكوّنات فصوصها من استعارات لونية تُلهب مخيّلة القارئ وتحثّه علي ممارسة التأويل الحرّ الذي قد يحفّز فيه روح المحب العارف الذي ربما يكتفي من محبوبه بمحض نظرة خاطفة أو ضمّة عَجْلي أو قبلة هي وميض برق لا يستقرّ أمام أعين الناظرين. ولعله من اللافت للنظر أيضا شعور القارئ فيما بين ثنايا المقطوعات والفصول، خصوصا في المقاطع الطويلة نسبيا، بحضور أرواح ابن حزم الأندلسي بتوتّره من الرقباء ومراوغة مقطوعات النفري واسعة الرؤيا ضيّقة العبارة وقدرة التوحيدي الهائلة علي دمج الأصوات واللعب بالبِنَي والتراكيب المغوية كنصوص السحرة أو سجع الكهّان.
يدرك المؤلف جيدًا كون تجربته في هذا الكتاب تجربةً لغويةً صرفًا، تنطلق من رؤية خاصة للمجاز باعتبارها بابًا لفهم الوجود، وبوصفه -أي المجاز- قادرًا علي تجسيد المجرّدات أو تجريد المحسوسات. وهنا، بالضبط، تكمن خطورة مثل هذا النوع من الكتابة التي لا ترتمي في أحضان الشعرية المباشرة، ولا تركن إلي استرسال النصوص السردية التي تنشأ فضاءاتها حول جدل الأحدث والمواقف والشخصيات. وجنبًا إلي جنب مثل هذه الرؤية المعرفية للتجربة الصوفية التي ينتجها الخطاب النثر-شعري في هذا الكتاب، تحضر أعضاء المراة بحسيّتها المتوهّجة، وبطاقتها الجنسية التي يحاول المجاز توريتها. فالفم واللسان والشفتان والعين واللحظ واليد والخصر والنهد والنهدان، بكل تداعياتها الحركية من لمس وبوس وهرس .. إلخ، حاضرة في ثنايا السطور دون مواربة.
في هذا السياق، يعيد المؤلف صياغة عدد كبير من العبارات التراثية، والدينية بصفة خاصة، وبعض مفتتحات المرويات العربية المتواترة، وعدد غير قليل من اصطلاحات المتصوفة، في نسيج كتابه الثريّ، سعيا إلي إضفاء دلالات جديدة عليها. كتاب »‬أنا من أهوي: 600 طريق إلي العشق» تجربة أدبية وجمالية مهمّة وجديرة بالقراءة والتأمّل والتحليل النقدي، سواء اتفقنا مع هذا اللون من ألوان الكتابة المراوغة أو اختلفنا.