رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

الرقص علي أرغن الرب:

مستقبل قاتم بإيقاع بوليسي!


أماني خليل
10/28/2017 10:27:09 AM

تعتمد رواية مارك أمجد الأولي »الرقص علي اُرغن الرب»‬ الصادرة حديثاً عن دار الثقافة الجديدة أسلوبًا يمزج بين التنبؤية والحس البوليسي من جهة والفانتازيا والمشهدية السينمائية وأسلوب التقطيع السينمائي من جهة أخري،كذلك يعمل علي الانتقال في السرد بين الماضي والمستقبل في سلاسة مطلقة. الرواية تحمل أيضاًالكثير من الصور لأشخاص وأماكن ورسوم فك شفرات ترافق القارئ وتثير مخيلته.
تبدأ الأحداث بنبوءة مستقبلية عن خطف واحتجاز بابا الإسكندرية في مقره سنة 2054، الحادث الذي اختاره أمجد بداية للرواية ومفصلاً مركزيا ومن خلال السرد ينطلق في وصف التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة المصرية خلال الخمسين عاماً القادمة، النبوءة التي اعتمدها تشير إلي تآكل شريحة الطبقة الوسطي مع تنامي التيارات الجهادية المتطرفة أما المسيحيون فقد شكلوا تنظيمات مسلحة لحماية أنفسهم في كنائسهم حين عجزت عن حمايتهم الدولة.
هذا الواقع المخيف الذي تحمله الرواية يقدمه “أمجد”من خلال مجموعة من الشخصيات والمنظمات التي ستحملها رياح المستقبل والحاضر”باسيلي”مؤسس جماعة “الأمة القبطية” وحفيدته “ايزيس المصري” التي قامت بإحياء التنظيم لاحقا بعد اندثاره برمزيه اسمها المرتبط بـ أسطورةالربة الفرعونية وبالوطن كحيز جغرافي ومنبع عاطفي. إيزيس المواطنة المصرية التي تواجه العسف من الكنيسة ومن أسرتها ويتم التعتيم علي مصيرها وسيرتها ويتم اتهامها بالخيانة والهرب مع غريب بل وتُطمس آثارها_العادة المصرية في الخلاص من آثار الأعداء والمهرطقين_ وماركوس ابنها الوحيد الذي يمثل شريحة الشباب المسيحي المثقف الذي يتململ تحت وطاة أسئلة اجتماعية ودينية ووجودية متعلقة بهويته ودينه ووضعه الحقوقي والسياسي. الشاب الذي لا يجد حرجاً في التساؤل النقدي والتفكير ومراجعة موروثه الديني والثقافي. ماركوس يحمل اسم القديس الذي حمل المسيحية إلي مصر وتتشكل هويته من دينه وارضه، الشخصية الثالثة “نينيتي” ابنة السكرتير البابوي ذات الاسم السومري بمعني (المرأة التي تصنع الحياة). نينيتي ينذرها أبوها للقداسة لكنها المعادل الأنثوي لجموح ماركوس الفكري في الرواية، يحاول الأب يوحنا أن يدفعها لطريق العفة والقداسة، لكنها تعرف طريق الجسد يحذرها أبوها من أن تتخلي عن طريق الرب لتسقط في حبائل غواية المرأة المنطرحة بداخلها، وساعتها سترقص علي أرغن الرب كعمة فاتها شبابها.
الجماعة القبطية التي تحمل شعار”الانجيل شريعتنا، والصليب علامتنا والقبطية لغتنا”مستلهمة شعار جماعة الإخوان المسلمين المتطرفة. أحداث العنف ضد الأقباط تتوالي وتستمر في مستقبل الرواية وأهمها حادث كنيسة السمائيين الذي يحصد حياة خمسين مسيحيا في أحداث تفجير كنيسة في عيد القيامة وتاريخ طويل ممتد من المعاناة والألم تتنبأ به رواية “أمجد”
 لدي الأب يوحنا السكريتر البابوي شكوك كثيرة حول حادث السمائيين فهو يتهم الدولة نفسها بتدبيره للخلاص من مجموعة من الرهبان الذين شكلوا مدرسة للعلوم والفلسفة في الإسكندرية_المدينة ذات الإرث الفلسفي وتاريخ التمرد_ هذه المدرسة صارت صوتا مقلقا للدولة، الدولة هنا حامية للاقباط وزعيمهم الروحي بجيشها وأسطولها، أما حراس أورشليم فهي الجماعة الأخري التي تتولي حماية الكنيسة والبابا، أحد أعضائها “يواقيم” فراش الكنيسة الذي نكتشف لاحقاً أن لديه إيمانا قلقاً والذي تقضي زوجته بالسرطان وابنتيه في حادث كنيسة السمائيين المأساوي.
في منتصف الرواية يهدأ الإيقاع البوليسي والتنبؤي ليبدأ الجزء الفلسفي والتساؤلي والفكري ليفرد “أمجد” لماركوس بطل الرواية المجال ليطرح أسئلته اللاهوتية والفلسفية إما عبر مقالات أو مناقشات مع رجال الكنيسة أثناء محاولة فك شفرة رسائل جماعة “الأمة القبطية” التي تحتجز البابا.يقدم ماركوس تصورا نقدياً من خلال نقاشاته ومقالاته عن نظرة المسيحية للمرأة ووضعها الأدني من الرجل, والذي لا تبتعد فيه المسيحية عن بقية الديانات السماوية اليهودية والإسلام. يجمع ماركوس النصوص التي تعتبر المرأة مركزا وأصلاً للشرور والغواية، ثم يطرح أسئلته بشكل حاد وصادم عن طبيعة السيدة العذراء كوالدة للإله وعلاقتها بالروح القدس خالق المسيح، وضع المرأة ووصمها بأنه أصل الشرور والغواية هو موضوع غلاف الرواية حيث امرأة مدبرة للقارئ يستلقي علي صدرها ثعبان كبير رمز الغواية علي شكل صليب وكأن المرأة - في المطلق - تحمل صليب اتهامها بالغواية في أي مكان ودين وأينما حلت من بدء الخليقة للآن.
تدور الأسئلة بين الأب يوحنا وماركوس عن محاولة تفسير شفرة رسالة جماعة الأمة القبطية ( أنتم تستهينون بالرب، أنقذوا خادم البابا، هناك في رحم الكاتدرائية تجدونه. المرأة التي أتت من ضلع آدم صارت أخيراً حجر الزاوية! ولن يحررها سوي الأسد).
ثم تنتقل الرواية إلي الجزء الأكثر بوليسية في البحث عن رموز الرسالة ومحاولة ربطهابالرموز والتراث الفكري للمسيحية، والعمل علي فك الشفرة والأكواد يحيلنا إلي روايات عالمية ومحلية مشهورة اعتمدت هذا اللون المحرك للأحداث والدافع لها وعلي رأسها شفرة دافينشي لدان براون.رواية براون تدور حول استدعاء العالم روبرت لانغدون استاذ علم الرموز الدينية لمحاولة كشف غموض جريمة قتل حصلت في متحف اللوفر بمساعدة الفرنسية صوفي نوفو والذي يقوده إلي اكتشاف أثرلمنظمة سرية من أعضائها العالم اسحاق نيوتن والرسام ليونادودافنشي. يعمل لانغدون وسط مطاردة جماعه كاثوليكية تسعي لفك الشفرة أيضاً،رواية دان بروان طاردتها ومنعتها الكنيسة الكاثوليكية، ورواية ارغن الرب أيضا واجهت صعوبات في نشرها حيث رفضتها خمس دور نشر حتي ظهرت مع دار الثقافة الجديدة.
تتطور الأحداث وتظهر إيزيس المصري في الكنيسة في زي مُكرّسة دون أن يعرفها ماركوس لتقتله في مفاجأة كبيرة للقارئ.وفي اللحظات الأخيرة تخبره أنها تنقذه بقتله حتي لا يخرب إبليس هيكل الله الكامن في أعماقه وأنها ترسله عريسا للمسيح.. تقتل إيزيس ابنها بطريقة ذؤابة الشمعة لتحميه من الألم. تقتله لتطهره ولتنقيه ولتحافظ علي إيمانه وطهارته تقدمه للموت لتحفظ روحه في حين تجمع إيزييس جسد زوجها أوزوريس في المصرية القديمة تقدم ايزيس القبطية ابنها للموت وللإيمان الخالد.
كانت إيزيس تستقطب يواقيم خادم الكنيسة لفكرتها بخطف البابا وأسره أخبرته برغبتها في تطهير الكنيسة من جماعة “حراس أورشليم”. تتم عملية الخطف في الكاتدرائية التي نجد لها خريطة متخيلة حيث تواجه البحر وهو ما يفسره “أمجد” لاحقاُ بتعديلات متخيلة رأي أنها تخدم حبكة النص. تبدأ عملية الاقتحام وينتقل السرد بسرعه شديدة بين حادث خطف البابا وحادث كنيسة السمائيين الذي قضي فيه مسيحيون كثيرون منهم ابنتا يواقيم خادم الكنيسة الحالي، بتقطيعات الحكي بين الحادثين يرتفع مستوي السرد كثيرا ويأخذ شكلا سينمائيا وكأن القارئ يري ما يحصل أمامه من خلال كاميرا سينما محمولة، أسلحه الجنود أثناء عملية التحرير والاقتحام والمفاوضات مع الخاطفين، الرايات البيضاء جثث القتلي لاحقا، مع تواتر الشرح عن علاقة البابا بيواقيم. العلاقة بين عالمين عالم محافظ يمثله البابا وحراس أورشليم وجموع من المسيحيين الذين لا يملكون غير حياتهم وإيمانهم لا يملكون أي مقدرة نقديه أمام رجال الكهنوت ومايقدمونه لهم من إيمان ومن تراث فكري ولا رغبة حتي في ذلك، وبين عالم ماركوس وأمه إيزيس المصري ومعها يواقيم وكل من يرغب في محاسبة حقيقية ومراجعة لمسيرة الكنيسة المصرية سياسيا ودينيا ويرغب في عمل إصلاح حقيقي لدورها ومسيرتها. عالمان ينهدمان بنفس القوة والقسوة مع مقتل البابا علي يد خادمه في النهاية، لتقدم رواية “أرغن الرب” روشتة لعلاج الوضع المرتبك في المجتمع المصري المسيحي لا توجه الاتهامات بشكل مباشر لجهة أو مؤسسة بل تقدم رؤيتها الخاصة لمستقبل هذا المجتمع وعلاقته بكل من الدولة والكنيسة، المجتمع المكون من شباب غاضب يحمل أسئلة وجودية، وشرائح ثورية متمردة ترغب في الحفاظ علي طهارة كنيستها، شهداء يضيئون بأرواحهم ووجودهم الرمزي مسيرة وتاريخ ذلك المجتمع المسيحي منذ خلقه وإلي ما لا نهاية. يقول “أمجد” في نهاية روايته أن نهاية روايته تزامنت مع حادث الكاتدرائية حين فجر انتحاري نفسه في الكنيسة بينما كانت أسرته هناك. وأنه لم يكره أحدا مثلما كره نفسه ساعتها، حين رأي جثث القتلي ممن قضوا في معركة فرضت عليهم ولم يختاروها، ولجثتي شهيدين في حادث الكاتدرائية يهدي مارك روايته فتاة ورجل قتلا وتقابلت جثتاهما علي شكل هلال كمفارقة ليست أغرب من الواقع نفسه.