رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

صرخة فرج فودة: دعوة لإيقاظ العقل من سباته العميق!


رضوي الأسود
10/28/2017 10:28:14 AM

»صرخة فرج فودة« عنوان الكتاب الذي اشترك فيه شعبان يوسف مع عزة كامل، والصادر عن دار بتانة هذا العام.
إنه فرج فودة أحد الكتاب التنويريين في الثمانينيات وربما أهمهم، والذي برع في الحديث عن القضايا الشائكة بكتابة ناعمة سلسة، لكنها لم تكن تخلو من الصدامية مع الجهل المتنامي في فئة المتأسلمين الذين منهم قاتله الأميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وصداميته مع اليساريين الطامحين في السلطة.
خمسة وعشرون عاماً مضت علي اغتياله في 8 يونيو 1992، وما زالت صرخته مدوية لإحياء العقل من سباته العميق، خمسة وعشرون عاماً انصرمت «ولا زلنا نعيش الأجواء نفسها، مع تطورات أكثر خطراً، فالتطرف أصبح له داعمون معلنون، وأصبحت له أذرع طائلة». لم يكن إغتياله كلمة النهاية، فبعده بعام واحد تم تكفير د. نصر حامد أبو زيد، وبعدها بعام أيضاً حدثت محاولة إغتيال نجيب محفوظ، ولا نعلم من عليه الدور غداً؟!
استعرض الكاتبان أعمال فرج فودة والتي لا تزيد عن عشرة كتب أصدرها خلال عشرة أعوام،كان أولها «الوفد والمستقبل» الذي صدر عام 1983، والذي أفصح عن باحث عنيد قادم في الطريق،طرح في هذا الكتاب أفكاره وبرنامجه السياسي. في فصله الأول تحدث عن المؤيدين القدامي للسلطة، وكيف تنقلب عليهم بعد ذلك، والثمن المسفوح نتيجة هذا الإنقلاب، وفي الفصل الثاني يتحدث عن مخاوفه من السقوط في «كارثة حرب أهلية لا يعلم إلا الله مداها أو نتائجها .. حرب بين الأغنياء شديدي الغني .. والفقراء شديدي الفقر». وتكلم أيضاً عن فداحة التهرب الضريبي في مصر، مع الإشارة لدول تقيم اقتصادها علي التحصيل الضريبي.
ثم كتابه الثاني، «قبل السقوط» الذي صدر عام 1985، والذي تحدث فيه عن حادث مقتل عمر ابن الخطاب رغم عدله، ليثبت أن الإغتيال السياسي ليس له أي علاقة بعملية تحقق العدالة الإجتماعية ونظافة الحكم. وبعد إستعراض حوادث قتل الخلفاء الراشدين، يتحدث عن أن عهدهم الذي تسعي إليه كل اليوتوبيات التي أقامتها الحركات الإسلامية، لم يكن عهداً خالياً من الجريمة، وأن من يصورون للشباب بأن قيام حكم ديني سوف يحول المجتمع كله إلي جنة، هو من قبيل الخيال.
أتي هذا الكتاب بعد أن انفتح قوس الصدام بقوة مع جماعات التطرف الديني والسياسي، وأصبح للإسلام السياسي حركة واضحة ووجود ملحوظ وأثر بارز، مما دعا دولة مبارك لاستدعاء العقل النقدي خاصة بعد إغتيال السادات، وتم إعادة طبع كتب تنويرية لكتاب كبار، لكنها لم تنجح في عرقلة حمي التأسلم، لأنها لم تؤهل التربة الإجتماعية اللازمة لإستيعاب متون هذه الكتب، فظلت الأزمة علي إشتعالها.ويذكرنا شعبان يوسف هنا بأن فرج فودة كان خارج المنظومة الموالية للسلطة، فكان يمثل نفسه ومشروعه الذي آمن به، حتي أنه كان طبع بعضاً من كتبه علي نفقته الخاصة.
في كتابه «النذير»، الذي يعتبر دراسة لنمو التيار الإسلامي ما بين عامي 1982 و 1987، والتي خلص منها إلي أن نجاح الإخوان خطر حقيقي علي الدولة، وأكد أن التيار الإسلامي نجح بالفعل في تكوين دولة موازية لها إقتصادها وجيشها وكيانها السياسي، ونجح في إختراق الإعلام! أيضاً تحدث فودة عن التشابه بين تيار الإسلام السياسي في مصر، والنازية في ألمانيا من حيث «نظرات الاستعلاء والعنصرية، واستخدام العنف والعودة إلي الجذور».
في كتابه «الإرهاب»، والذي حاول فيه دراسة تنامي ظاهرة العنف الديني، والذي رأي فيه أن حل إرهاب الجماعات الإسلامية يكمن في ثلاثة سبل: إتساع ساحة الديمقراطية حتي للتيارات الإسلامية، سيادة القانون، أن يكون للإعلام خط ثابت مدافع عن أسس الدولة المدنية.
كتابه «نكون أو لا نكون» 1990، ضم فيه فودة عدة مقالات له بعضها رُفِض نشرها، وأمر الأزهر بمصادرة الكتاب.
يرصد الكاتب عمليات التحريض علي قتل فرج فودة، فيقول إنه 14 مايو 1992 صدر بيان ندوة علماء الأزهر، حيث أعلن البيان أن فودة يلعب دوراً بورقة الأقباط، ويري أن نضحي بقضية تطبيق الشريعة كلية حتي لا نخدش مشاعرهم، ويقرر البيان أن أفكار فرج فودة خارجه عن الإسلام وانه من أتباع إتجاه لا ديني وشديد العداوة لكل ما هو إسلامي»! و في 27 مايو 1992 قال الشيخ محمد الغزالي عنه: «إنهم يرددون كلام أعداء الإسلام في الخارج .. ربنا يهديهم .. وإن ما هداهمش .. ربنا ياخدهم»! ثم في 3 يونيو نشرت جريدة النور (الإسلامية) بياناً من ندوة علماء الأزهر يكفّر فرج فودة!ثم يستعرض الكاتب أحداث ما بعد إغتياله، ومنها نشرة الجماعة الإسلامية (السرية)، والتي كانت عناوينها: «لماذا قتلنا فرج فودة؟» «فودة سرطان استأصلته الجماعة الإسلامية». وتحت العناوين، مقالات تنضح بكراهية مسعورة لا تخلو من التفاخر بعملية القتل ذاتها، وتنتهي بتحذيرات وترهيبات لـ «أعداء الله»! وفي اليوم التالي للإغتيال، أعلن مأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان في جريدة الأخبار عن ترحيبه وتبريره للإغتيال! ثم ذهاب الشيخ محمد الغزالي تطوعاً إلي المحكمة الجنائية للشهادة ليبريء ساحة القاتل، فقال نصاً: «إنهم قتلوا شخصاً مباح الدم ومرتداً»، ولم يكتف بذلك، بل كتب ونشر بياناً لدعم وتأييد القاتل وقّع عليه ومعه الشعراوي ومحمد عمارة وآخرون من الإخوان والأزهر والجماعة الإسلامية!
كانت فلسفة فودة تتمثل في أن العدل غاية النص، حارب من أجل دولة علمانية، وقد عرّف فودة العلمانية بأنها نظام حكم مدني يستمد شرعيته من الدستور الذي ساوي بين كل المواطنين، يكفل حرية العقيدة دون محاذير أو قيود. ويقوم مشروعه التنويري علي أربعة محاور رئيسية هي: نقد الإسلام السياسي المعاصر، نقد الإسلام السياسي التاريخي، حتمية الإجتهاد وإعمال العقل، الدفاع عن أسس الدولة المدنية الحديثة.
عارض فودة السادات بسبب المادة الثانية من الدستور، وقال إن «مباديء الشريعة الإسلامية» لا تتنافي مع القوانين المدنية المصرية، وكان يري أن الدولة كيان معنوي، فكيف يكون لها دين؟ توقع أن الصراع العربي الإسرائيلي في طريقه للتآكل بعد معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وبأن صراع مصر في الشرق الأوسط سيتحول إلي إيران، ودعا لتأمين منابع النيل، ونبه إلي خطورة صعود التيار الإسلامي في السودان وخطر هذا التنامي علي أمن مصر.
دفع فودة حياته ثمناً لحلمه بدولة علمانية ديمقراطية، وكان سيفه ودرعه القلم والجرأة، فلم يتردد في أن يكتب مقالاً عام 1988 ينتقد فيه شيخ الأزهر قائلاً: «لشيخ الأزهر أن يحمد الله أيضاً لأن أحداً لم يتعرض له، ولم يسأله عن موقع منصبه من صحيح الدين، ذلك الدين القيّم الذي لا يعرف كهنوتاً، ولا يوسط أحداً بين الله وعباده، ولا يفسح مساحة لرجال الدين، وإنما الساحة فيه واسعة للموعظة بالحسني، تلك التي لم نجد لها في خطابه تأصيلاً، وللعلم قبل الفتوي، ذلك الذي لم نجد عليه في خطابه دليلاً .. وما ضرنا لو يعلو بك البروتوكول فوق رؤوسنا ورؤوس المسلمين، وما ضرنا أن تسكن في قصر منيف، وما ضرنا أن تحصل علي مرتبك من أموال دولة المسلمين، تلك التي تنعتها بأنها ربوية، وتصف بعض مصادر دخلها بأنها آثمة لأنها تأتي من المشروبات الروحية .. لكن الضرّ كل الضرّ أن تتصور أنك يمكنك أن تخيف وأن بمقدورك أن تمنع كتاباً هنا أو تصادر رأياً هناك، وأن تتخيل أن بيدك خزائن الدين، وأن في جعبتك صكوك الغفران، توزعها كما تشاء، فتغفر لمن تشاء، وتكفر من تشاء .. وحاشا لله أن يبلغ بك الظن هذا المبلغ من السوء، وحاشا للإسلام أن يصل فهم البعض له إلي هذا الدرك .. الإسلام يا شيخ الأزهر بخير طالما دافع عنه من يدافع، لقاء إيمانه وليس مقابل مرتبه، ولوجه الله وليس لوجه السلطة أو المال أو المنصب، وأزهي عصور الإسلام لم تعرف شيخاً للأزهر أو لغير الأزهر، وإنما عرفت من عاش بكد يده، وتَعَلم من أجل العلم.
شكل فرج فودة خطاباً جديداً علي كل الخطابات التي كانت سائدة (لا نستطيع إغفال نصر حامد أبوزيد، ومحمد سعيد العشماوي، وسيد القمني، وغيرهم)، وكان صوته يشكل خطراً داهماً علي المتطرفين،مما توجب فتح النار عليه وإسكاته إلي الأبد. ولا نعرف لماذا، أو لمصلحة من لا تعيد الدولة التي تحارب الإرهاب الديني إعادة طبع أعمال نصر فرج فودة؟