رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية: مدخل إلي الدراسة النفسية للأدب


د. محمد الشحات
10/28/2017 10:32:15 AM

في كتابه الأخير »مدخل إلي الدراسة النفسية للأدب: نظريات وتطبيقات»‬ (الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، 2017)، يستأنف شاكر عبد الحميد مقارباته النفسية للأدب (أو »‬للإبداع» بصفة عامة) التي كان قد بدأها في كتبه السابقة، مثل »‬العملية الإبداعية في التصوير» و»‬الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة خاصة» و »‬الأدب والجنون»، .. وغيرها مما يُعَدّ في عمومه امتدادا أصيلا لجهود مصطفي سويف الأب الروحي للتيار النفسي في دراسة الإبداع الفنّي في العالم العربي، حيث كرّست بحوثه ومحاضراته وعيًا معرفيًاحادّا بضرورة تدشين ملامح عامة لمدرسة مصرية في علم نفس الإبداع. لذا، أصبح من بدهيات تاريخ الدراسات النفسية العربية القول إن كتاب سويف »‬الأسس النفسية في الإبداع الفني في الشعر خاصة» (الصادر في طبعته الأولي عام 1951، وليس في السبعينيات كما قد يتوهّم بعض الباحثين المتعجّلين) هو الكتاب الرائد في عالمنا العربي دون منازع. ومن جهة مقابلة، ثمة كتاب رصين لا يُنكَر أثره في تعميق مثل هذا الطرح الذي يقارب بين الأدب وعلم النفس هو كتاب عزّ الدين إسماعيل »‬التفسير التفسي للأدب» (1963) الذي لا أري مبرّرا علميا لإقصائه من لدن بعض الباحثين اللاحقين، والذي لم يأخذ وضعه العلمي اللائق من الذيوع والانتشار رغم قيمته العلمية الباكرة، ربما بسبب انطلاقه من أرضية الأدب والنقد وتحرّكه نحو المقاربة النفسية للأدب العربي من زاوية الناقد والمؤرِّخ الأدبي لا من زاوية المحلِّل النفسي، مثلما فعل سويف أو حنورة أو حتي شاكر عبد الحميد. أما كتاب شاكر عبد الحميد الحالي فهو مُتمِّم هذه الحلقة المعرفية بعد كتاب مصطفي سويف ثم كتاب تلميذه المباشر مصري عبد الحميد حنورة الذي واصل الفكرة ذاتها تطبيقيا في كتابيه »‬الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية» (1979) و »‬الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر المسرحي» (1986).
يسعي كتاب »‬مدخل إلي الدراسة النفسية للأدب: نظريات وتطبيقات» (الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، 2017) إلي استئناف الحلقة البحثية المصرية التي بدأت في أواخر أربعينيات القرن الماضي علي يد مصطفي سويف، ثم مصري حنورة ثم شاكر عبد الحميد ذاته بكتابه الذي كان في الأصل أطروحته للماجستير »‬الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة». وبعيدًا عن هذا السياق التاريخي، رغم أهميته البالغة في تأطير المشهد، فإن جذور مثل هذه المقاربات البينيّة Interdisciplinary تعود إلي بعض الشذرات الثاقبة التي ضمّنها أرسطوطاليس كتابه المُلهِم »‬فنّ الشعر»، خصوصا عندما كان يتحدث عن ضروب المحاكاة، وكيف أن المُحاكين قد يكونون أخيارا أو أشرارا؛ لأن وظيفة الفنون علي اختلاف أجناسها تتمثل فيما أطلق عليه التطهير »‬atharsis». أما في سياق النظرية الغربية الحديثة، فتُعدّ جهود كل من فرويد ولاكان ويونج وساخس وجونز هي المقاربات المفصلية في تدشين مثل هذا المجال المعرفي الذي أعقبته دراسات شتّي في عدّة لغات، لعلّ من أهمها كتاب جان بيلمان نويل »‬التحليل النفسي والأدب» الذي ترجمه الباحث المغربي المعاصر حسن المودّن في المشروع القومي للترجمة (1997) الذي يُعدّ واحدا من أهمً الباحثين العرب في هذا التيار، سواء عبر ترجماته أو بحوثه وكتبه المؤلّفة »‬من بينها كتاباه »‬ لاوعي النص في روايات الطيّب صالح: قراءة من منظور التحليل النفسي»، و»‬الرواية العربية: قراءات من منظور التحليل النفسي») التي أسهمت كثيرا في الكشف عن مناطق طازجة لنظرية التحليل النفسي للأدب، نافيةً ما قد يظنّه البعض مجالا معرفيا ضيق الرؤية أو محدود التأويل.
ينهض كتاب شاكر عبد الحميد علي محاولة التوازن بين الشقّين النظري والتطبيقي، لكنّ الغلبة في عناوين الفصول للمداخل النظرية بالطبع (فرويد والأدب، يونج والنقد النماذجي والأسطوري، المنحي الموضوعي في الدراسة النفسية للأدب، ...). ولعل قارئ الكتاب يُدرك سريعاسلاسة انتقال المؤلف من المفاهيم النظرية إلي الممارسة والتحليل شيئا فشيئا، رغم كون الكتاب في واقع الأمر يفتقر إلي تعميق بعض الأفكار والرؤي التطبيقية المبثوثة في ثناياه، سواء المتعلّقة بإبداع نجيب محفوظ صاحب الاهتمام الأكبر، أو عبر استدعاء بعض البحوث والمقالات التي أنتجها المؤلف سابقا علي مدار السنوات العشرين الفائتة (عن: بهاء طاهر، محمد البساطي، إدوار الخراط،.. وغيرهم)، ولم يضمّنها كتابه الحالي!ولربما احتفظ بها لإصدار جزء ثانٍ من الكتاب.لكنّ الدلالة اللافتة، في هذا السياق، أن المدرسة المصرية في التحليل النفسي للإبداع الفنّي (أو الأدبي) التي تحدّث عنها المؤلف في مواضع عدّة من كتابه قد تعثّرت أو تعطّلت منذ سنوات، وبفعل عوامل كثيرة، بعضها سوسيو  ثقافي  وبعضها الآخر يتصل بترهّل المؤسسة الأكاديمية المصرية بشكل لافت، خصوصًا في السنوات الأخيرة.