رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

خلل المنافي في مترو حلب


هند سعيد
10/28/2017 10:33:20 AM

بالرغم من أنني قرأت الكتابين الأخيرين للكاتبة مها حسن مترو حلب  و»عمت صباحا أيها الحرب»‬ وهو كتاب روائي وغير روائي في نفس الوقت، ينقلنا بين الواقع من خلال الشخصيات الحقيقية وبين خيالات الكاتبة  في فصوله الأخري  بأسلوب متميز وعميق  ولكن رواية  مترو حلب  استوقفتني بما فيها من عمق في الأحاسيس الانسانية.  فالكاتبة مها حسن لا تتحدث عن الحرب وتأثيرها وما تحدثه من خلل في حياة الناس فقط بل تغوص عميقا في الإنسان، في الذين قد يحدثون خللا في حياة الآخرين كما تحدثه الحرب، فكما تأتي الحرب وتغير مجري الحياة وتقلب ترتيب الحياة للناس وتفرقهم عن أحبتهم وتشردهم وتقتلهم في بعض الاحيان، هنالك بعض الاشخاص يشعلون حربا ويحدثون زلزالا في حياة الآخرين ويمضون في حياتهم بينما  تتوقف حياة الآخرين علي ما حدث.
 فأمينة التي لم تكن تؤمن بالحب والعائلة والصداقة،  ضربت عرض الحائط  بكل ما يتعلق بحياتها، الزوج الذي أحبها وابنتها ذات الشهور القليلة وأهلها ومجتمعها الذي لا يغفر لأهلها تصرفاتها، المجتمع الذي لا ينفك أن يتهم الأهل جراء تصرفات أبنائهم الرشد. تركت كل شيء وهربت مع جيرار إلي فرنسا لتحقيق حلمها في المسرح.
أمينة السورية الدم، »‬ تري نفسها فرنسية ومكانها الحقيقي المسرح. تقول أمينة  "أنا فرنسية، أشعر بهذا بعمق ويخيل لي أن ثمة من سرقني من فرنسا وأخذني إلي سوريا. استعدت حياتي عندما غادرت"  استعادت أمينة  حياتها في فرنسا بالرغم من المصاعب التي مرت بها ولكنها حققت النجاح الذي كانت تحلم به » .
تعود أمينة إلي حياتهم مرة أخري وهي علي وشك الرحيل من هذا العالم وكما غادرت وأحدثت زلزالا في حياتهم، عادت  تبحث عن ابنتها سارة، ابنتها التي لا تعرف بوجود أم أخري لها غير هدهد (أو من كانت تسميها أمينة).  فسارة لم تفهم لمَ خالتها أمينة التي تحمل اسم أمها دعتها لزيارتها في باريس هي من دون أختها ولمَ تر نفسها في صور خالتها المعلقة علي حائط شقتها. تقول لها والدتها اسألي خالتك و لكن خالتها تطلب منها  أن تدون تسجيلاتها الصوتية والتي تحمل قصة حياتها.
تشتاق سارة إلي حلب وأهلها وهي التي اعتقدت أنها ستقضي شهرين في فرنسا مع خالتها ثم  تعود إلي حلب لكن أمنياتها بالعودة تتضاءل مع بدء الحرب في سوريا مما يدفع بأهلها  إلي إقناعها بالبقاء في باريس. يشتد المرض علي أمينة وتتوفي  قبل أن تنهي سارة توثيق السجلات الصوتية. تكتشف سارة من خلال التسجيلات الصوتية أن أمينة هي والدتها.
ترتبك سارة فهي معلقة بين باريس وحلب و بين أمها وخالتها ومن تكون أمها الحقيقية؟  
تقول سارة "أصلا أنا لا أعرف أين أعيش ولست متأكدة من أي شيء في حياتي، أحاول التأكد في كل يوم أنني في باريس وأن أمي تعيش في حلب وأن خالتي التي ماتت وليست أمي. أن أظن أن أمي ماتت وأبي وحده في حلب، أضيع الحوادث"
إن التي ماتت هي أمها وليست خالتها. تكرهها ولا تشعر بالشفقة عليها لكنها تعود لتعيش ذلك التناقض بين أن تعيش حياة أمينة وهي التي تحب الغناء مثلها وتترك حلب وأهلها أم حياة هدهد التي ضحت بكل شيء من أجلها، هدهد التي لازلت ملتصقة بأرض حلب.
أمينة التي أخبرتها يوما ما "أن المكان الحقيقي هو الذي يأتيك حين تغمضين عينيك" وبينما كانت أمينة تري المسرح فإن سارة كانت تري حلب  فهي تحمل أمينة وهدهد في داخلها.
***
 تعاني سارة من خلل المنافي،ترتبك في موقعها يوميا فهي تعيش في صراع داخلي مستمر بين المدينة التي تعيش فيها وبين حلب  حيث تقول “ باريس تنزلق محل حلب في كلامي، حلب تأخذ مكان باريس، أكرر هذا كل صباح لنفسي كي أنتبه إلي مكاني”
ولكن عصام وهدهد عانيا من ذلك منذ هربت أمينة  فبعد أن تنازلت هدهد عن حياتها وعن حبها لعادل لتتحمل مسئولية هروب أختها وتتزوج من عادل وتحتضن سارة ابنة لها، عاش الاثنان منفيين من حياتيهما اللتين كانا يحلمان بها وتحت ظل أمينة التي بالرغم من عدم وجودها فهي موجودة بقوة في حياتهما.  فعصام الذي كان يغلق علي نفسه باب الغرفة بعد عودته من العمل  ليكتب لأمينة عن حياته وعن سارة لم ينس ولم يتوقف حبه لأمينة وهدهد التي كانت  كل يوم جمعة عندما تختلي بتلك الحقيبة التي جمع فيها عصام كل حاجيات أمينة وقال لها تصرفي فيها لم تتمكن هدهد من التخلص منها ولكنها احتفظت بها وباتت تحكي لها حكايات عن سارة  وعن حياتها. هدهد التي  لبست فستان أمينة  لزيارة أمها التي تحتضر وماتت الأم فرحة ظنا منها أن أمينة قد عادت لزيارتنا.
***
كما تتحدث الرواية عن الإعاقة الروحية لدي كل الحرية لأفعل ما أريد لكن إعاقتي الروحية حيث تجلس أمي والماضي تمنعني من تحقيق أحلامي حتي في هذه السن التي وصلت إليها
 الإعاقة الروحية التي تمنعنا في بعض الأحيان من أن نخطو خطوات أكبر من خطواتنا المعتادة بسبب تاريخ لم نعشه ولكن عواقبه تعود علينا فهي التي كانت تمنعها هدهد من الغناء وتعاقبها إن غنت علمت اليوم لمَ كان ذلك الخوف الذي عاشته هدهد في حياتها.
تتركنا شخصيات الرواية لنغضب منها أو نعطف عليها فهل نغضب من أمينة أم من عجز الآخرين عن نسيانها؟