رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

التوهج الفني في تجربة الشاعر اليمني فتحي أبو النصر


فتحي أبو النصر

فتحي أبو النصر

صلاح الأصبحي
11/11/2017 10:27:25 AM

ما زال الشعر يبحث عن الفارق التقني والأدائي الذي يشعره بمكانته، ويبعث فيه روح النشوة والاحتفاء، كونه يحسسه بوصوله إلي آفاق بعيدة، يَحلم الشعر نفسه لو تمكن من الظهور من تلك الزاوية أو ظهر من تلك النافذة ، لذا تراه ـ أي الشعر ـ لا يأبه بمن يقعده أرضاً متجمدة وصلبة؛ لأنها لا تناسب فطرته المتوهجة، وكينونته المتقدة في مسافات الاتّساع والتشابك مع قفزات غائرة الأعماق ومتصادمة في فضاءات الداخل أو الخارج، الواقع أو الخيال، الذات الفردية أو الجمعية الماضي أو الحاضر، الأهم أن تدنو منا وقد اكتنف شعاعها وجداننا، وطوتنا إليها طي الأخذ والتفاعل والاشتراك الذاتي في المخاض والإتيان للوجود بعد تنازع الظهور أو الخفوت بقدر ما تندفع بممكنات راسخة، تتجاوز بها كلَّ نقاط الاعتراض والاحتجاز التي تمر منها، من أقصي تشكّلها، وهي ما زالت حروفاً تتطاير إلي أن بدت تجربة شعرية ما، تقدم رؤيتها و يتم التعرف علي وجهتها ومن ثمَّ صار التداخل والتطابق النسيجي والعبور معها مراحل التشكّل والتكوين والفحص والاكتمال والنضج إلي أن حزمت إزارها لمرحلة الظهور أمامنا بصورتها الآتية بعد مشقة وحلم ورضي من قِبلها، وقِبل الطرف الشعري المنتج لها، كل هذه التقاطيع لابد لأي نص شعري أن يعبرها، وأي نص لا يأتي من هنا، أراه يخفق أو يسقط قبل أن يصل؛ لضَعف القوة الدافعة لديه قبل أن يصل مداه، وعليه فإن التجارب الحقة تتخلق في هذه الأجواء الشائكة الملتوية حتّي تظفر بتوهج وإشراق، ويكون للشعر معها لونٌ خاص ورائحة مميزة، ولا شك من أنها ستلفت النظر لها، وستجذب دون تسويق أو إطراءٍ قراءً ومهتمين ونقاداً ومعجبين وباحثين؛ للكشف والإِشباع لرغبة المختلف والمتجدد المغاير .
علي هذا النسق سيكون لنا وقفات مع بعض التجارب الملفتة في الأدب اليمني المعاصر من الجيل الشاب ، ولعل تجربة الشاعر اليمني فتحي أبو النصر قد هوتنا وهويناها، واستأثرتُ بتداخل خاص إزاءها، وكشفت سرنا المبحوح وظاهرنا المتخفي وكلَّ المدارات التي تعصرنا كبشر وككيان شعري، استطاعت هذه التجربة الشعرية أن تعيد تشكيلنا؛ لتستخلص عبرنا أنه يمكننا أن نتعدد ونتشكل بهيئات وبنيات وأساليب مختلفة، أزالت عنا الجمود والرضوخ لفوهة الثقب الصغير أو الضوء الخافت من نافذة البرود والترهل والضعف، وعجنتنا في عالم الصخب والتشظي والتجمع والتجزئ  والتداخل والنفاذ والترجي والصد والانتزاع والتصادم والنفير والثورة والرفض والتحرر والتجريب والتجانس والتمثل، لكائنات وكيانات وأفكار وثوابت وصور وأشكال ومعتقدات وثقافات وحضارات وصراعات وجدالات وتقلبات لا تنتهي من تدفقات هذا الموج الصاخب؛ لكن باسم الشعر، وبوهج النص الذي يكتبه، والحالة الشعورية التي يعيشها >>>
عندما ذهبت لتوي لقراءة ديوانه ( موسيقي طعنتني من الخلف) الصادر في العام 2008م، لفتني شيء مهم ومختلف جداً في هذا الديوان، قد يكون متعلقاً بما سماه جيرار جينيت بالعتبات النصية لكن أجده هنا أكثر من اعتباره عتبة نصية بالتحديد، الشاعر كتب ديوانه ليس كنصوص شعرية وإنما كعالم مليء بالأصدقاء، مليء بالنقاء مليء بالحميمية في خضم أوراقه .
جاء الديوان بتشكيلات أربع لمحتواه علي النحو التالي :
21-138 قصائد لا تأبه
139-162 نص مغلوق
163-196 موسيقي طعنتني من الخلف
197-250 بغريزة ذئب وحيد في غابة ضائعة (نص شفاهي )، مع ما سبقه من مقدمات للشاعر أو لغيره، ولا يهمني أنا هنا التسمية الدعائية الخاصة بقدر ما أسعي للكشف عن التقسيم الفني التجنيسي الذي حرص الشاعر التأكيد عليه، وله في ذلك بعض التأويلات ،سنحاول تتبع ملامحها أو التعرف علي بعض أطرافها طمعاً في التعرف علي توهجه الفني المتقد
يبدو هذا الديوان غريباً في أكثر من ملمح، ومستفزاً في أكثر من منعطف، تقسيمه الذي حرص الشاعر علي تفعيله ونمذجته في إطار رؤيا معينة اتبعها في ترتيبه، وتسميتها (قصائد ونصوص) وبعضها وصمها بالقول: نص مغلق ليتضح الفارق الجوهري الخاص، والدلالة التي تحملها مثل هذه التسمية هذا من جانب، أما الجانب الآخر التي سأعدها بمثابة صورة جديدة لقصيدة نثر جديدة وهي: الرؤيا الفياضة التي جاءت بها النصوص وكيف تأتي ذلك من خلال جزئيتين، وهما : الإهداءات التي ذيلها في مقدمة الديوان وحشده لأسماء كثيرة في المقدمة، ومن ثم نصها وخص كلَّ اسم منها بنص مفتتحاً إياه إهداء إلي فلان، وبعضها لم يكن مذكوراً في إهداء المقدمة للديوان، وهذا له معني خاص ، سنحاول فهم تلك الثيمات من خلال قراءتنا للديوان ككل، وحصرها وفكفكة منظومة النص والشخصية التي أهدي إليها النص علنا نقدم تصوراً مغايراً للديوان الذي سيمثل مفهوماً مختلفاً للشعر من قبل الشاعر، وحجم المغامرة التي خاضها بهذا التجريب الجديد .
علي هذا الأساس سنطفو فوق سطح التجربة الشعرية للشاعر  فتحي أبو النصر، الذي يعد هذا الديوان هو الثاني بالنسبة له سبقه ديوان ولحقه ديوان آخر بعنوان أعناق طويلة لظني ، ومن وجهة نظري من خلال القراءة هذه سنؤكد أن تجربته هنا لها طعم مختلف ونكهة خاصة تكشف عنه كشاعر ثاقب الرؤيا، عميق البصيرة، فائض الدهشة، غارق في كسر الحواجز والقيود النصية المفهومية التي تعيق حركة الشعر والشاعر ، فهو لا يأبه بالحكم الذي سيقال عنه ولا بالتحية التي سيلقيها عليه جمهوره ، إنه شاعر مسكون بالشعر والإنسان ولا شيء غيره .
وعليه يمكن أن ندرج جزءاً منه في خانة قصائد ،وهو: قصائد لا تأبه(21-138) بحسب اعتماد الشاعر لذلك، والثلاثة الأجزاء المتبقية في صف النصوص، وهي : نص مغلوق (139-162) ، وموسيقي طعنتني من الخلف(163-196 )،  ونص شفاهي
( 197-250)، هذا التشكيل يقودنا إلي نقطتين معينتين : الذات والآخر، فالنصوص الذات (مغلق وشفاهي )،والقصائد آخر، مع أنه في الغالب يحصل بين الذات والآخر اشتراك إلي حد الامتزاج والانسجام ك(موسيقي طعنتني من الخلف)، إلا أنه في الغالب ما ينبئ بإقامة مثل هذه الفواصل لتقديم صورة مختلفة عن الذات وعن الآخر ،وعودة علي ذي بدء فقد اكتشفنا من خلال ما أطلق عليه جيرار جينيت بالعتبات، أن  القصائد ذيلت بالإهداءات الشخصية وتخصيص كل فرد بقصيدة بينما احتجب النص علي ذات الشاعر كلية وتوغلت معه أعماق وخبايا نفسه وتجولت به وبإفراط كل المساحة الشاسعة داخله، التي حاول الشاعر ألا يتوقف عند زاوية معينة ليأخذ نَفَساً للراحة أو يغمض عينيه؛ بينما بقي يحدق يمنة ويسرة وهو يسري داخله، وينبش كلَّ ما كومته السنون، وطبعته عوامل التعرية والجليد، وعلي نفس الوتيرة فقد ظل يواصل مكاشفاته في كلِّ القصائد، وهو يستقرئ ويستمرئ عوالم أصدقائه وأحبابه الذين يعدون بالنسبة له ممثلين لهذا العالم، بهم يري ويبصر، وعليهم يتوكأ في سيره الخارجي، وطوافه المتدفق نحو غايات ليس لها نهاية، ومآلات لا تحد بزمن ولا بمكان، فهو الشاعر الذي يتوهج ويسطع نوره أينما وطئت قدمه، لا يخفت ولا يتصنع ضبابية الرؤية أو سوداوية الرؤية بل علي النقيض من ذلك، يثبت بحذر جمالية الاتساق مع هذا العالم لو أحسنت قراءته كما يجب.
من هذا الأمل الذي التزم به في  كافة التناوبات المستديمة للإيفاء بوهج روحي بآلية التوهج الشعري  الذي جاء علي منوالها غالبية اللوحات الشعرية، التي حملها في جعبته هذا الديوان الشعري الكاشف عنا خارجه والباحثين عنه داخلنا، سنحاول هنا بقدر المستطاع أن ننتقي بعض النماذج لإيصال ما نريد إيصاله من أسس مفاهيمية للروح وللفن،  أحيلت إلينا خلال قراءتنا لهذا الديوان .
من جانب آخر شكلي فإن الديوان توزعت قصائده ونصوصه بين قصيدة نثر وتفعيله وومضة وآخر ابتلع كل هذا وجاء بواحد جديد سمته الشعرية وغايته التوهج، ولسنا بصدد التموضع الشكلي بقدر ما هو تلميح ليس إلا، الأذكي من ذلك هو التأكيد علي الجذر الإنساني والرؤية الاجتماعية والمشترك الوجودي الرابط بين نوافذ التجربة الشعرية ككل، وكأنها تقدم صفيحة متعددة الأوجه والألوان والمذاق واحد .
في القصائد التي صورت الآخر, وتمادت معه, وتداخلت به, وحكت عنه مالم يحك الآخر عن ذاته؛ كشفت حجم اتساع الرؤية ويقظتها, وحسية نظراتها, وروحية معناها, ففي نصه
( دون لغز أو استعارة), إلي علي سالم المعبقي ,يقول :
دون لغز أو استعارة
هذا الأعزل من فرط محبته
مثل ارتعاشات أخيرة لمقتول
يؤاخي بريق أعيننا بفراسته المخيفة, وحين يقع المطر عليه تَخضر قصائدي
لكأنما هبة الروحِ للروحْْ
لكأنما الغيبوبة في زهاء استنارتها
لكأنما عرش الأعماق منثور ومحترق في سحيق الأعالي
يا لحظه هذا الغريب الغامض
يذل الأفاعي وتلتاعه اللذة الهائمة( الديوان ,ص 39) .
وفي نص( هي ذي أصابعه أحرُ من ثلج) إلي محمد النبهان, يقول:
يستيقظُ وهو يحدق في موته
ينام وهو يحدق في موته
لا تسألوه من هو؟
منذ ألف سنة يحفر قبره العالي لكنه لم يصل
في نظراته فزعٌ خاطفٌ وثمة عناكب مطفأة تنام تحت جلده يسميهم الأصدقاء
علي الطاولة يلمع كأسه
علي الطاولة يذرف الوطن (نفسه :ص 52).
وفي مقطع : أبو بكر السقاف:
لبسمته المتهورة أفقٌ مفتوح
وفي مواثيق زرقته تتمكن الدلافين من الاهتياج
يحدق في الجبال ويصيبها  بالحمي
وروحه معللة بمفاتيح البيانو
كأنَّه نص أخير في دفتر شاعر مات
أو حرير علي صخرة
ينتفضُ ويتهدجُ ويبتلُ
وعمَّا قريب سيتحول إلي طير (نفسه 75).
يروم لنا من خلال هذه المقتطفات, كيف ينال الشاعر من أصدقائه؟ وكيف يقرأ فناجين مسيرتهم الوجودية, ويتفحص خلايا أحاسيسهم بكياناتهم التي مثَّلها بغبطة واشفاق, وكأنه يسبح في ظلهم ويتطلع من صُبحهم, ولذا فالأصدقاء هم الموسيقي التي تأتي من الخلف طاعنة في الظهر وهي ترفد المرء.
وفي النصوص التي مثلت الذات والآخر ,سنجد أن الشاعر استغني عن وضع عنوان معين في بدء النص, واكتفي بوضع أرقام كنظير لها , وهذا له دلالة ذات وجهين, فهو لا يريد تقييد نصه, أو حجب ماهيته؛ وإنما منحه الخيار في هذه المهمة بقدر ما تقدمه هذه النصوص من تأملات, وتفتح شهية البحث في آفاق شتي للقارئ وللنص نفسه, تحت الرقم (1), يقول :
الحيرة شفافيتي, والرخام حالتي السابعة, والرماد خادم المطلق
الأمر الهام في هذا كله, ضحكةُ حبيبتي تحت غيمة صيفية
أري مديحاً في العمي, وروحي مشطورة علي عزلة جيتارٍ شقي
فهل يمكنني أن أتدبر متعة الحديث مع اللأحد؟. (نفسه 164).
وتحت الرقم (30),يقول:
تدمع عيناه حين يبتسمون له
لاينام من رائحة وردة في غرفته, وبأعصاب نافرة يذود عن مركز الرعشات
برتقاليُ الوجع/شديد المغفرة/ يدغدغ طيوراً محنطة
بمجرد ما ينتهي دائماً يقول: سأبدأ الآن
وحيد قلبه المعلق /أحمق الرغبات /بقايا خيال منفلت
يخدش النبيذ بمفارقاته, وعلي ضوء الشموع يحرس نفسَه من نفسِه
حين يبتسمون له تدمعُ عيناه. (نفسه 175).
يلحظ القارئ التغاير والاختلاف في هذه المقاطع من حيث سبر أغوار جديدة تشمل ذاتين متداخلتين لا فصل بينهما, بطريقة فيها من استئناس وتودد يدفع بالمقصود فيها إلي منطقة مضيئة وبكلمات رؤوفة يفكّك شفرات التعتيم المتبعثرة ؛ليلملم بها تناسقاً مستكيناً لهما معاً, كما لو كان سديمهما واحداً .
وإذا انتقلنا إلي الجانب الآخر من هذا الديوان, جانب الذات الذي مثَّله النص المغلوق المعنون ب»‬الممرات» والنص الشفاهي, فسنقترب عن كثب من الشاعر وبناء نصه, ومرتكزات وعيه الشعري, وأنماط وتشعبات ذاته المتفرقة التي حوّط عليها بنص مغلو ق حتي لا تتجاوزه, أو تُحدث ثقباً في جداره؛ فتتمرد ذاته عليه بعد أن حشرها بين أقبيته المرصعة بالنظر إلي الداخل, ولا تتيح بالتفوه, وهناك رابط أكثر تأكيداً في العلاقة بين شطري الذات: النص المغلوق والنص الشفاهي , وهو أن أجزاء كلِّ منهما تحمل الرقم (11)لكن الأول اعتمد الأرقام كعناوين؛ بينما اتخذ النص الشفاهي الكاسيت مع الترقيم, من الكاسيت الأول حتي الكاسيت الحادي عشر, نص مغلق بأحد عشر باباً, ونص شفاهي بأحد عشر كاسيتاً,التماثل ينبئ عن الوتيرة المتناسقة التي عبرها الشاعر بنفس المسافة وبنفس عدد المحاولات التي قطعها يتجول في ذاته, ولنقترب أكثر من خلال نماذج كلِّ منهما, ففي الرقم (1) من النص المغلق ,يقول :
ما من شيء له المجد حتي الشيطان
كان الحيوان أستاذي ولم انزعج
وسط الجمع الراكد سأظل أزمنة .قالها حجري ونسيت أن أسمعه
>>>
إن ابتسامة الحظ ماكرة دائماً, ولذا أتجنب أن أعيرها أي اهتمام
أيتها السذاجة قفي عند حدك, فالعتمة تستيقظُ
في العتمة تتدلل الكتابة وبغنج تفتح أزرارها
هذه الشمعة تنهيدةٌ للقصيدة المسافرة
أيتها المأساة إننا ننهار... نرفرف فوق هاوية الأمل
والعزلة صراخٌ يحترقُ, وبشرة النداء مهمة وقاسية . (141).
>>>
قادمٌ من ارتباك الانتظار, أفضح خيانتي فيك
الموسيقي غيوم غريبة
أيها الصديق العائم في نشرة الأخبار ..كيف لم تسمع يُتمك؟
علي قامتي وهمٌ شهيٌ يحدقُ في الأعضاء المحنطة طرفَ السرير
أول الصحو انكسارٌ ملتاع
دوائرُ التلاويح تلوك خذلاناتنا  العصماء
ليتنا اتسقنا مع خلاصة الأشجار, وركلنا الوجوديةَ جانباًَ
الفاصلةُ تتربع بلا رغبةٍ في الرغبة
كلُّ صندوقٍ وأنا لونهُ الكثيفْ. (نفسه 144).
>>>
في داخلي يمرض الوقت بلا أسباب
هذا الغطاسُ الأسمرُ يتصارع ُ وأفكاري في الماء
هنا حيث لا وجود لكِ مطلقاً, يمكنني أن أعشقكِ أكثر يا حبيبتي
القيمة هي تباين الرائي في رؤياه فقط (نفسه149).
>>>
الزكام دليلي إلي المعرفة
الأنفاسُ الذاهلةُ تخربش الهواء
من وجوم ساهم تتكسر الحريةُ متحجرةً في عيوني
العبورُ هو الشكل ُالطبيعيُ للأبدية
التطورُ أنانيُ أيها السمو
الكأسُ الفارغةُ نهايةَ السهرة: ظنٌ نحيبٌ تموه في ميراث المصبات
في أعالي وحشتي تتنططُ كلماتٌ صغيرةٌ بلا أمزجة أو رؤوس
المرايا توأمةُ الأخطاء
أصلُ الأبجديةِ رهانُ يقتل. (نفسه 150).
في نص مغلوق يبدو الشاعر فتحي أبو النصر بشكل مفزع وحلة متسائلة, وفلسفة تتفاقم أسئلتها فوق بعضها, ينزع الغطاء عن سكون اللحظات, ويفرض تصورات تستقيم مع رؤياه التي ينظر بها للكون والعالم والفناء, يأتي  نصه هنا بتراتبية دلالته, واتساع تأثيره الذي يرغب من خلاله بزعزعة الذبول المتجرد عند المتلقي, ويأخذه معه إلي حيث يظهر الشكل الأجد في لون القصيدة وشكل الوجود بالاستناد علي اسقاط الجذور الأولي والأساسية في وعي المتلقي إذا انغمس في وهج النص ووهج لغته المتظافرين؛ لتقديم كأس من اللمعان الروحي والوهج الفني الثاقب لذائقته؛ لتتعود علي ارتشافه أكثر من اللازم؛ فتجعله يعيش اللحظة المتقدة التي جاء منها نص الشاعر, وهذا ما يحرص النص بشكل كبير علي بلوغه في ذات المتلقي, وفي نص مغلوق أغلق الشاعر  مسمي نصه, وفتح آفاقه في التساؤل وفي طرح سياقات مختلفة كطرق آلية يعبر منها قارئ ومتلقي النص؛ ليعود منها وقد تغيرت هيئة وجوده واتسعت المساحة التي يقف عليها, وتشعب الزمن داخله؛ لأن ذات الشاعر ذاتٌ كونية, ذات لها أقاصي في أعماق الوجود وفي غايات التساؤلات التي انشغل بها الإنسان منذ وجد علي سطح هذا الكوكب .
ختاماً, سنحاول استدراج بعضا من كاسيت النص الشفاهي, التي تبدو كفضفضة في لحظة مسهبة حملت معها الرسائل التي لا تكتب, والمعاني التي لها خصوصية, وبها سيكون الشاعر قد تلون مع المتلقي أكثر من مرة, ولم يحشره في زاوية ثقيلة الظل, وإنما بعث فيه الأمل من أكثر زاوية, مع العلم أنها اتخذت طابع التسجيل الشفاهي, والوصف المتقن للإطار الكلي للشاعر, كما في قوله :
تعلوني ريشةٌ والنعاسُ حيويتي؛ لأتواصل مع الديمومة في صوت الموج الواثق هذا
وأغنية قرصانٍ أخير كان يطل من كوابيسي ولا يعتذر
إن الحب مواجهةٌ
والقصيدة استمرار نهاية
ومع الانتقال فإن حاجتي لابد تتجدد
غير أنني مصاب بنظرات ذلك النورس المجنون (نفسه 198).
>>>
لم انتبه للموسيقي
كيف لم انتبه للموسيقي؟
لمن هذه الرأفة القاسية؟
لماذا أتجرأ علي نفسي ؟
ما هو مفهوم استعادة الروح؟
بدون شك أنا جزء من الذي لا انتبه له
سأرافق حقيقتي الغائبة
سأدْلكُ آثاري وأنا أميلُ باتجاهي
انظر في المرآة كأنني أنظرُ للمارة
أنا ذاته المحايد التام
لستُ حزيناً أو مبتسماً
دعوني واضحاً معي فقط ولا تلوثوني بأخلاقكم
الأخلاقُ دهاءٌ
الأخلاقُ قناعٌ
الأخلاقُ تدهورٌ
الأخلاقُ زيفٌ
أنا أخشاني وأنا لا أخشاني
أنا أتلعثمُ وأنا أتماسكْ. (نفسه 229).
من الكاسيت الأول والخامس في الديوان اجترحنا هذه التدفقات والانثيالات اليقظة, والتي حاولت ارغامنا علي مزاولة عبثنا في عالم يعبث بنا, حرصاً منها علي تخفيف إحساسنا بعبثيته وعشوائيته كسراً لحاجز اليقنيات والثوابت المنغلقة أمام أعيننا مما يحجب عنا الرؤية الحقيقة لكل ما تقع عليه بصيرتنا .
بعد هذا الاحتكاك الضئيل, والتحرش الإجرائي مع تجربة الشاعر  (فتحي أبو  النصر) لاستخلاص سمات التوهج الفني والروحي عبر ديوانه (موسيقي طعنتني من الخلف), والذي في حقيقة الأمر يمتد إلي أربعة أجزاء مختلفة في التوجه والبناء والرؤيا واللغة والأُثر التلقائي في المتلقي, تلتم  هذه السمات كالوعي الشاسع بمدركات الشعر ورسالته الأساسية, وبمعطيات كثيفة من الإيحاء والترميز والسرد والتجانس والتناغم, واللغة الحيوية والألفاظ الشجية ذات الحمل الدلالي الروحي, وبموسيقي شاملة تعدد أنماطها في التضاد والجناس والانزياحات والاختزال والتكرار اللفظي المتجدد, وتدفق النص بشجن غزير المنبع, وبموجات حركية للنص كشلال لا ينضب, كلُّها تجعل للنص موسيقي فائضةً علي حاجته لها؛ مما يظهر النص كشعلة نيرة, ووعي مستنير, ولغة رشيقة لا يمل المتلقي من سماعها أو يمانع في ارتشاف أكبر قدر منها, أخيراً لا أجزم أنني قد وفيت هذا الشاعر ما يستحق, ولكني بذلت ما بوسعي لكي أمنحه نتفاً من حقوقه عليَّ كمهتم ومتلقي, كي أنجو  بنصه منه, وأظفر  بأمله تحت يافطته العابرة للزمن »سننجو» , لنفعلها معاً يا فتحي وللأبد .