رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

لا حواء ولا آدم:لقاء ثقافتين


حمدان عطية
11/11/2017 10:31:19 AM

بعد روايتها ذهول ورعدة التي تناولت فيها حياتها العملية قريبا من السيرة الذاتية لبطلة تشبهها تماما ترحل لليابان؛ تأتي روايتها لا حواء ولا آدم الصادرة بالقاهرة (الهيئة العامة للكتاب) بتوقيع من المترجمة دينا رفعت سلام لتكشف عن جوانب من الحياة العاطفية تقريبا لنفس البطلة إميلي الذي هو اسمها الحقيقي، تقع في حب رينري الطالب الياباني الذي يتعلم الفرنسية  أثناء تَعلّمها هي اللغة اليابانية، ونري في الصفحات الأولي محاولة اكتشاف كل منهما للآخر، فهو مولع باللعب، ويحب الأدباء الفرنسيين أمثال ستندال وسارتر وتري هِيَّ البطلة أن هذا البلد (اليابان) مولع أيضا بالتكنولوجيا،فحين تنتقل لشقة صديقتها كريستين التي ستغيب شهرا في مُهِمة خارج اليابان تنتقل البطلة للعيش بشقتها فتري أن كل شيء يعمل بالحاسب الآلي من برمجة جهاز الموسيقي وحرارة الغرفة حتي غلق الستائر..والعبادة التي يوليها اليابانيون للأدوات المخصصة لكل عمل بالحياة فنجد أدوات للجبل، للبحر؛ إنه مجتمع يُقدس العمل حتي هيروشيما التي سقطت عليها القنبلة النووية دبت فيها حياة جديدة وتفاؤل بالمستقبل تتعمق هي في فهم ومحبة اليابان حتي تتسلق جبل  فوجي المقدس الذي يُغرم به اليابانيون ويحجون إليه وهي في منتصفه تتحول لطاقة خالصة وتستدعي أصلها؛ الفرع اليوناني حيث هرقل وآلهة الأوليمب: أراد القدر المشهور بمرحه أن أولد بلجيكية وكوني من بلد مسطح أنتمي فيه للسلالة الزرادشتية، سخرية أن تحكم عليك أن تكون عميلا مزدوجا!
تحاول الروائية المزج بين ثقافتها الأوروبية وبين تجربتها في اليابان؛ كم نحن قريبون لكن الجغرافيا والحدود تبعدنا عن بعضنا البعض، نحب ونكره، نحل ونخفق، نتوه أحيانا ثم نعود لمقراتنا ونحن نحمل خبرات جديدة بالحياة ودروبها.
يقول رينري حبيبها الياباني: أنا يسوع محارب الساموراي؛ أنا الساموراي يسوع.
وتقول هي: سيكون هناك أيضا زرادشت راقصا مع فوجي (جبل فوجي) علي الحافة سأكون دائما كل هؤلاء بالإضافة لمِا كنت عليه. لم تنم هواياتي المتعددة منذ أمد طويل، بل لم تنم أبدا. يبتلعني النعاس الذي يوحدها داخلي.
تُدين الرأسمالية في أي مكان فتقول: كنت أعيش حياة مزدوجة؛ عبدة بالنهار خطيبة بالليل، تختفي عطلات نهاية الأسبوع في هوّة لا تترك فيها أية ذكري، ولها وجهة نظر في مسألة الزواج، فهي تري نفسها صُنعت من ماء؛ الماء بسيولته يتدفق،يروي؛ نعم سأرويك لكن لا تعلم إلي أين يمضي نهري فلا تتحجر أمامي لأنك لن تستحم في نفس الخطيبة مرتين! لقد كانت تتوق لتحقيق حلمها بالكتابة وألا تتوه في تفاصيل الحياة والخطيب لا ييأس من طلب الزواج حتي وصل عدد مرات طلبه لاثنتين وأربعين مرّة! لكنها في واد آخر، إنها تفضل أن تكون حرّة حتي تحب، فتحصل علي تذكرة عودة لوطنها حتي تتحرر من هذه العلاقة وتعمل لدي أختها مدبرة منزل وتكتب روايتها (نظافة قاتل) ومع نهاية الرواية يشف السرد ليكشف لنا عن روائية من طراز فريد لها فلسفة في الحياة (من النافذة، سيبيريا اللانهائية، كلها بيضاء من الشتاء سجن مثالي بسبب الضخامة؛ من يهربون يموتون تائهين في فضاء مفرط الشساعة إنها مفارقة اللانهائي ...العار الوحيد ألا تكون حرا!
ومن هذا المفهوم لحريتها ستكتشف طريقها وتكتب، وتأتيها دعوة مزدوجة من ناشرها باليابان لحضور حفل توقيع روايتها نظافة قاتل ودعوة من والديها لحضور حفل زفاف رينري حبيبها السابق الذي سيتزوج من فرنسية! الشيء اللافت هذا الدمج الجميل بين حياتها وكتابتها ببراعة فهي التي بدأت تُنظف الحمامات لتنتهي كاتبة فتعتبره نجاحا باهرا وتعديل رائع للهوية، ناهيك عن الصعود الاجتماعي، وتضع في نهاية الرواية عناق رينيري الساموراي الأخوي تطورا إيجابيا لنظرة الياباني للحب الذي كانت تتوق له في بداية معرفتهما
الرواية اعتمدت تقنية السيرة الذاتية في الحكي والبوح حيث البطلان يتنقلان، ويتضح مع الحكي خلفية كل منهما الثقافية ونظرته للأمور، وجاء حوارها خفيفا، دقيقا، غير مُرهق للقارئ مع جديته لاسيما مع الاقتراب من نهاية الرواية حين يتجلي صدقها في عرض تجربتها هي لِتتوجها في النهاية حتي تكون بمثابة نجاح لاختياراتها، مما يجعل القارئ يبحث في نفسه: أي خياراتي صائب، ويعيد ترتيب رؤاه لوضعه ووضعيته، والسرد جاء بلا تكلف، وصادق حتي تفاجئنا بفلسفة آمنت بها حتي تحقق لها ما تريده وتتمناه.