رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

هوامش ثقافية نظرية القراءة


د. محمد الشحات
11/18/2017 10:31:13 AM

لا‭ ‬تتشكّل‭ ‬صورة‭ ‬الراوي،‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نص‭ ‬سردي،‭ ‬قصيرا‭ ‬كان‭ ‬أم‭ ‬طويلا،‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬تام‭ ‬من‭ ‬العزلة،‭ ‬بل‭ ‬ثمة‭ ‬صورة‭ ‬أخري‭ ‬تتخلّق‭ ‬بالتوازي‭ ‬معها،‭ ‬وبتتابع‭ ‬أجزاء‭ ‬الحكاية،‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬المروي‭ ‬له،‭ ‬أو‭ ‬المروي‭ ‬عليه،‭ ‬كما‭ ‬تطلق‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬العربية‭ ‬مقابلا‭ ‬للمصطلح‭ ‬الإنجليزيNarratee‭. ‬إن‭ ‬صورتي‭ ‬الراوي‭ ‬والمروي‭ ‬عليه‭ ‬صورتان‭ ‬خاصّتان‭ ‬بكل‭ ‬عمل‭ ‬تخييلي؛‭ ‬لأن‭ ‬وعينا‭ ‬بأننا‭ ‬نقرأ‭ ‬رواية،‭ ‬وليس‭ ‬وثيقة،‭ ‬يدفعنا‭ ‬إلي‭ ‬القيام‭ ‬بدور‭ ‬هذا‭ ‬القارئ‭ ‬الخيالي‭. ‬إن‭ ‬الراوي‭ ‬والمروي‭ ‬له‭ ‬صوتان‭ ‬سرديان‭ ‬يُقَدَّمان‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخطاب‭ ‬السردي‭ ‬حتي‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكونا‭ ‬محدَّدين‭ ‬بشكل‭ ‬تشخيصي‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬للقارئ‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬للمروي‭ ‬له‭ ‬بواسطة‭ ‬تجميع‭ ‬الفقرات‭ ‬السردية‭ ‬ذات‭ ‬الضمير‭ ‬المخاطب،‭ ‬بتجلياته‭ ‬أو‭ ‬تمظهراته‭ ‬المتعددة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬فقرات‭ ‬سردية‭ ‬أخري،‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬يُستخدم‭ ‬فيها‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬الجمعي‭ ‬مثلا،‭ ‬أو‭ ‬تساؤلات‭ ‬الراوي‭ ‬وتعليقاته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬ملفوظات‭ ‬الشخصية،‭ ‬ولا‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الراوي‭ ‬صراحة،‭ .. ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬تعمل‭ ‬علي‭ ‬تعيين‭ ‬ملامحا‭ ‬المروي‭ ‬عليهب‭. ‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬المشغول‭ ‬بنظرية‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬مظهرها‭ ‬التِّقَني،‭ ‬يأتي‭ ‬الكتاب‭ ‬المهمّ‭ ‬لعلي‭ ‬عفيفي‭ ‬نظرية‭ ‬القراءة‭: ‬روايات‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭ ‬نموذجاب،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلي‭ ‬للثقافة‭ ‬2017‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬يُقارب‭ ‬المؤلف‭ ‬روايات‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭ (‬أيام‭ ‬الإنسان‭ ‬السبعةب،‭ ‬االمهديب،‭ ‬امحاولة‭ ‬للخروجب،‭ ‬اطرف‭ ‬من‭ ‬خبر‭ ‬الآخرةب‭)‬،‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬نظر‭ ‬تقنية‭ ‬متعددة،‭ ‬تسعي‭ ‬إلي‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مكوّنات‭ ‬النظرية‭ ‬السردية،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬جيرار‭ ‬جينيت‭ ‬البنيوي،‭ ‬وآخرين،‭ ‬بناء‭ ‬علي‭ ‬تصور‭ ‬دقيق‭ ‬لطبيعة‭ ‬المروي‭ ‬عليه،‭ ‬ومدي‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السردية‭ ‬برمّتها‭. ‬وأتصور‭ ‬أن‭ ‬أطروحة‭ ‬الباحث‭ ‬للدكتوراه‭ ‬التي‭ ‬ناقشها‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬أثر‭ ‬زاوية‭ ‬الرؤية‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬السرد‭ ‬عند‭ ‬روائيي‭ ‬الستينيات‭ ‬تسلك‭ ‬المسلك‭ ‬ذاته‭. ‬فالبحثان‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬أقرب‭ ‬كثيرا‭ ‬إلي‭ ‬البحوث‭ ‬المعنية‭ ‬بتقنيات‭ ‬الكتابة‭ ‬وآثارها‭ ‬الأسلوبية‭ ‬والجمالية،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عنايتهما‭ ‬بالتحليل‭ ‬والتأويل‭ ‬النقدي،‭ ‬رغم‭ ‬كونهما‭ ‬بالفعل‭ ‬ينطويان‭ ‬علي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬والطموح‭ ‬المعرفي‭. ‬لذا،‭ ‬أري‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬التقنية‭ ‬والوصفية‭ ‬الدقيقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشغل‭ ‬بال‭ ‬المتهمّين‭ ‬بتقنيات‭ ‬الكتابة‭ ‬القصصية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يمارسون‭ ‬حرفة‭ ‬الرواية‭ ‬والقصة‭ ‬القصيرة‭ ‬ويحرصون‭ ‬علي‭ ‬حضور‭ ‬ورش‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الورش‭ ‬الاحترافية‭ ‬كما‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬العربية‭ ‬الآن،‭ ‬جنبا‭ ‬إلي‭ ‬جنب‭ ‬لفتها‭ ‬أنظار‭ ‬نقّاد‭ ‬الأدب‭ ‬وطلّابه‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أولي‭.‬
هكذا،‭ ‬يقيم‭ ‬المؤلف‭ ‬كتابه‭ ‬علي‭ ‬ثلاثة‭ ‬فصول‭ (‬المروي‭ ‬عليه،‭ ‬الراوي‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم،المروي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭). ‬ولأن‭ ‬الباحث‭ ‬يدرك‭ ‬جيدا‭ ‬أنْ‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬لوجود‭ ‬المروي‭ ‬عليه‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬الراوي‭ ‬ذاته،‭ ‬لجأ‭ ‬إلي‭ ‬دراسة‭ ‬الراوي‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭. ‬ثمة‭ ‬إشارات‭ ‬وإضاءات‭ ‬تحليلية‭ ‬كثيرة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب؛‭ ‬منها‭ ‬علي‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬أن‭ ‬افتتاحية‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬لروايته‭ ‬أولاد‭ ‬حارتنا‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬تجهيز‭ ‬المروي‭ ‬عليه‭ ‬للتلقّي،‭ ‬وترغيبه‭ ‬في‭ ‬الإنصات‭ ‬لما‭ ‬سيقدمه‭ ‬له‭ ‬الراوي‭ ‬من‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬الحارة‭ ‬وأهلها،‭ ‬معلومات‭ ‬تم‭ ‬التحقق‭ ‬منها‭ ‬سلفا‭. ‬ومنها‭ ‬أيضا‭ ‬وصف‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الراوي‭ ‬والمروي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬إميل‭ ‬حبيبي‭ ‬الوقائع‭ ‬الغريبة‭ ‬في‭ ‬اختفاء‭ ‬سعيد‭ ‬أبي‭ ‬النحس‭ ‬المتشائل،‭ ‬إذ‭ ‬يقوم‭ ‬المروي‭ ‬عليه‭ ‬بدور‭ ‬الوسيط‭ ‬بين‭ ‬سعيد‭ ‬المتشائل‭ ‬وبين‭ ‬مرويٍّ‭ ‬عليهم‭ ‬آخرين‭ ‬أراد‭ ‬سعيد‭ ‬أن‭ ‬تصلهم‭ ‬رسالته‭ ‬بدقة‭ ‬ووضوح‭. ‬يبقي‭ ‬الإضاءة‭ ‬الثالثة‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬رأيي،‭ ‬والتي‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تصنيف‭ ‬الباحث‭ ‬لأنماط‭ ‬المروي‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭. ‬فهم‭ ‬إما‭ ‬مرويّ‭ ‬عليهم‭ ‬يشخّصهم‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬خارج‭ ‬فضاء‭ ‬الحكاية‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬األف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلةب،‭ ‬أو‭ ‬مرويّ‭ ‬عليهم‭ ‬غير‭ ‬مشخّصين،‭ ‬أو‭  ‬مروي‭ ‬عليهم‭ ‬هم‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬الرواة‭ ‬أنفسهم‭.‬
يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬المضمرة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬إبلاغنا‭ ‬إياها‭ ‬هي‭ ‬إلحاحه‭ ‬علي‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لتحليل‭ ‬صورة‭ ‬المروي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬القصصية‭ ‬القصيرة‭ ‬أو‭ ‬الطويلة؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬يضيف‭ ‬إلي‭ ‬تحليلاتنا‭ ‬النقدية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجدّة‭ ‬والعمق،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الجهاز‭ ‬التحليلي‭ ‬أو‭ ‬النقدي‭ ‬لهذا‭ ‬الباحث‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬الناقد‭ ‬المشتغل‭ ‬بالنظرية‭ ‬السردية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وضعية‭ ‬من‭ ‬وضعياتها‭. ‬ولعلنا‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬التقني‭ ‬علي‭ ‬إجابات‭/ ‬تفسيرات‭ ‬لحديث‭ ‬أرسطو‭ ‬القديم،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬التأسيسي‭ ‬فن‭ ‬الشعرب،‭ ‬عن‭ ‬الشفقة‭ ‬والخوف‭ ‬بوصفهما‭ ‬عواطف‭ ‬أصيلة‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬التراجيديا،‭ ‬وكيف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬منشغلا‭ ‬بدرجة‭ ‬تأثير‭ ‬المادة‭ ‬الشعرية‭ ‬علي‭ ‬القارئ‭ ‬أو‭ ‬الجمهور،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينشغل‭ ‬بطبيعة‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬وكيفية‭ ‬حدوثه‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬تحديدا،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬تلبية‭ ‬لدعوة‭ ‬قديمة،‭ ‬نادي‭ ‬بها‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الشكليين‭ ‬الروس‭ ‬هو‭ ‬فيكتور‭ ‬شكلوفسكي‭ ‬في‭ ‬مقالته‭ ‬المهمة‭ ‬االفن‭ ‬بوصفه‭ ‬تكنيكًاب‭ ‬التي‭ ‬ترجمها‭ ‬عباس‭ ‬التونسي‭ ‬إلي‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬عدّة‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬يؤكّد‭ ‬علي‭ ‬عفيفي‭ ‬أن‭ ‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭ ‬كان‭ ‬فنّانا‭ ‬روائيا‭ ‬كبيراقبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬حكّاء‭ ‬ماهر‭. ‬