رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

بلا خبز ولا نبيذ:كتابة الألم


هبة مصطفي أحمد
11/18/2017 10:33:43 AM

ديوان‭ ‬ابلا‭ ‬خبز‭ ‬ولا‭ ‬نبيذب‭ (‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للكتاب‭) ‬للشاعر‭ ‬مؤمن‭ ‬سمير‭ ‬أشبه‭ ‬بمرثية‭ ‬للإنسان‭ ‬المعاصر؛‭ ‬إنسان‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬يقينه‭ ‬وإيمانه‭ ‬بالقضايا‭ ‬الكبري‭ ‬والحقيقة‭ ‬الواحدة‭ ‬وصار‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحقائق‭ ‬والمعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬هو‭ ‬بديل‭ ‬اليقين‭ ‬والإحساس‭ ‬بالأمان‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ففقد‭ ‬الخلاص‭ ‬والشفاء‭ ‬الروحي‭ ‬وكتب‭ ‬عليه‭ ‬الشقاء‭ ‬واللعنة‭ ‬وسط‭ ‬الحياة‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬يحياها‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬تحولوا‭ ‬إلي‭ ‬أشياء‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬الآلة‭.‬والديوان‭ ‬يضم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بينها‭ ‬علاقات‭ ‬وروابط‭  ‬خفية،‭ ‬حيثسيقيم‭ ‬الشاعر‭ ‬القصيدة‭ ‬الدفعة‭ ‬الكيانية،‭ ‬القصيدة‭ ‬الرؤيا‭ ‬الكونية‭.‬وهذه‭ ‬قصيدة‭ ‬تنمو‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الأعماق‭ ‬في‭ ‬سريرة‭ ‬الإنسان‭ ‬ودخيلائه،وتنمو‭ ‬أفقيا‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬العالم‭.‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تصدر‭ ‬مصادفةعن‭ ‬زمزاجسأوس‭ ‬وحيس‭ ‬بل‭ ‬تصدر‭ ‬بدفعة‭ ‬واحدة‭ ‬ورؤيا‭ ‬واحدة،‭ ‬وحدس‭ ‬واحدس‭(‬1‭)‬
لقد‭ ‬استفاد‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬السريالية‭ ‬وانفلات‭ ‬المخيلة‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬الفانتازيا؛حيث‭ ‬إن‭ ‬القلق‭ ‬وحجم‭ ‬التمرد‭ ‬الداخلي‭ ‬علي‭ ‬الواقع‭ ‬الخارجي‭ ‬قد‭ ‬يضطر‭ ‬الشاعر‭ ‬إلي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التعبيرات‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬الهلوسة،‭ ‬فالجنون‭ ‬والهذيان‭ ‬وشطحات‭ ‬الصوفية‭ ‬والأحلام‭ ‬هي‭ ‬الينابيع‭ ‬الحقيقية‭ ‬لقصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬وهذه‭ ‬القصيدة‭ ‬لها‭ ‬دلالاتها‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬بحالات‭ ‬القلق‭ ‬والفزع‭ ‬والعدم‭ ‬والانحسار‭ ‬والصمت،‭ ‬أما‭ ‬الصورة‭ ‬فتقوم‭ ‬علي‭ ‬استخدام‭ ‬رموز‭ ‬العقل‭ ‬الباطن‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬الداخلي‭ ‬المحض‭ ‬فإن‭ ‬قدرتها‭ ‬علي‭ ‬الوصول‭ ‬إلي‭ ‬الآخرين‭ ‬تصبح‭ ‬رهينة‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬تلك‭ ‬الرموز‭ ‬بين‭ ‬المبدع‭  ‬والمتلقي‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬رموز‭ ‬اللاشعور‭ ‬رموز‭ ‬مشتركة‭ ‬والغموض‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬النص‭ ‬عند‭ ‬مؤمن‭ ‬سمير،‭ ‬يقول‭ ‬أدونيس‭ :‬سالشعر‭ ‬نقيض‭ ‬الوضوح‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬سطحا‭ ‬بلا‭ ‬عمق‭.‬الشعر،‭ ‬كذلك‭ ‬نقيض‭ ‬الابهام‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬كهفا‭ ‬مغلقا‭.‬س‭(‬2‭)‬
التكثيف‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬القصيدة‭ ‬عند‭ ‬مؤمن،‭ ‬والغموض‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬بنيةالنص‭ ‬والبنية‭ ‬الكلية‭ ‬للنص‭ ‬أشبه‭ ‬بحالة‭ ‬الحلم‭ ‬أو‭ ‬الكابوس‭. ‬الشاعر‭ ‬لا‭ ‬يمنحنا‭ ‬الدهشة‭ ‬والمفارقة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القصيدة‭ ‬ولكن‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬أوله‭ ‬لنهايته‭ ‬لا‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬ادهاشنا‭.‬
والشاعر‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬معاناته‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬عنوان‭ ‬الديوان‭ ‬ز‭ ‬بلاخبز‭ ‬ولا‭ ‬نبيذس‭(‬3‭)‬الذي‭ ‬يتناص‭ ‬بشكل‭ ‬إشاري‭ ‬مع‭ ‬طقس‭ ‬التناول‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬المسيحية‭ ‬زمن‭ ‬يأكل‭ ‬جسدي‭ ‬ويشرب‭ ‬دمي‭ ‬يثبت‭ ‬في‭ ‬وأنا‭ ‬فيهس‭ (‬يو‭ ‬6‭: ‬56‭) ‬فبتناولنا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السر‭ ‬نصير‭ ‬أعضاء‭ ‬جسمه‭ ‬من‭ ‬لحمه‭ ‬ومن‭ ‬عظامه‭ (‬أف‭ ‬5‭: ‬30‭). ‬كذلك‭ ‬نصير‭ ‬زشركاء‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإلهيةس‭ (‬2‭ ‬بط‭ ‬1‭: ‬4‭). ‬أما‭ ‬وقد‭ ‬حرم‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬فهو‭ ‬قد‭ ‬حرم‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الأبدية‭ ‬زمن‭ ‬يأكل‭ ‬جسدي‭ ‬ويشرب‭ ‬دمي،‭ ‬فله‭ ‬حياة‭ ‬أبدية‭ ‬وأنا‭ ‬أقيمة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأخيرس‭. ‬كما‭ ‬قال‭ ‬زمن‭ ‬يأكل‭ ‬هذا‭ ‬الخبز‭ ‬فإنه‭ ‬يحيا‭ ‬إلي‭ ‬الأبدس‭ (‬يو‭ ‬6‭: ‬54،‭ ‬58‭). ‬وحرم‭ ‬من‭ ‬الخلاص‭ ‬وكتب‭ ‬عليه‭ ‬العذاب‭ ‬الأبدي‭ ‬وحرم‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬الشفاء‭ ‬الروحي‭ ‬والجسدي‭...‬
يعد‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭  ‬مؤشرا‭ ‬علي‭  ‬نكبة‭ ‬الذات‭ ‬وتعبيرا‭ ‬عن‭  ‬هزيمتها‭  ‬في‭ ‬عبارة‭  ‬اّتخذت‭ ‬منحي‭ ‬يتمّثل‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بالعالم‭ ‬الخارجي‭ ‬مما‭  ‬جعل‭ ‬عبارة‭ (‬بلا‭ ‬خبز‭ ‬ولا‭ ‬نبيذ‭) ‬تحمل‭ ‬بعداً‭ ‬دلالياً‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الحياة‭ ‬التيلاتقدم‭ ‬لا‭ ‬الخبز‭ ‬ولا‭ ‬النبيذ،لا‭ ‬الأحلام‭ ‬المادية‭ ‬ولا‭ ‬الخلاص‭ ‬الروحي‭.‬
تصدير‭ ‬الكتاب‭ ((‬Epigraph‭)):‬
يعرف‭ ‬زجينيتس‭ ‬تصدير‭ ‬الكتاب‭/‬العمل‭  ‬كاقتباس‭ ‬يتموضع‭  (‬ينقش‭)‬عامة‭ ‬علي‭ ‬رأس‭ ‬الكتاب‭ ‬أوفي‭  ‬جزء‭ ‬منه‭.‬س‭ ‬فتصدير‭ ‬الكتاب‭ ‬اقتباس‭ ‬بجدارة‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬حكمة‭ ‬تتموضع‭ ‬في‭ ‬أعلي‭ ‬الكتاب،‭ ‬أو‭ ‬بأكثر‭ ‬دقة‭ ‬علي‭ ‬رأس‭ ‬الكتاب‭ ‬أو‭ ‬الفصل،‭ ‬ملخصا‭ ‬معناه‭ ‬فهو‭ (‬ذو‭ ‬وظيفة‭ ‬تلخيصية‭ )‬،ويعد‭ ‬التصدير‭ ‬كمقدمة‭ ‬للنص‭ ‬والكتاب‭ ‬عامة‭ ‬ذو‭ ‬قيمة‭ ‬تداولية،واضعة‭ ‬لطريقة‭ ‬تسنن‭ ‬بها‭ ‬القراءةالواقعة‭ ‬فيقلب‭ ‬الحوار‭ ‬الناشئ‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والحكمة‭ ‬التي‭ ‬رجع‭ ‬إليها‭ ‬الكاتب‭.‬‭(‬4‭)‬
زانظر‭ ‬يا‭ ‬رب‭ ‬وتطلع‭ ‬بمن‭ ‬فعلت‭ ‬هكذا‭ ‬؟س‭ ‬مراثي‭ ‬إرميا20:2
والشاعر‭ ‬صدَّر‭ ‬الديوان‭ ‬بهذا‭ ‬النص‭ ‬التوراتي‭ ‬للدلالة‭ ‬علي‭ ‬خراب‭ ‬العالم،‭ ‬يرثي‭ ‬الشاعر‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬ويعاتب‭ ‬الرب‭ ‬لأنه‭ ‬سمح‭ ‬بحدوث‭ ‬هذا،‭ ‬كأن‭ ‬النبي‭ ‬في‭ ‬حنوه‭ ‬علي‭ ‬شعبه‭ ‬يصرخ‭ ‬إلي‭ ‬الله‭ ‬مذكرًا‭ ‬إياه‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حلّ‭ ‬بهذا‭ ‬الشعب،‭ ‬إنما‭ ‬حل‭ ‬بشعبه‭ (‬شعب‭ ‬الله‭ ‬نفسه‭).‬س‭ ‬أَيُقْتَلُ‭ ‬فِي‭ ‬مَقْدِسِ‭ ‬السَّيِّدِ‭ ‬الْكَاهِنُ‭ ‬وَالنَّبِيُّ؟‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬نسمعه‭ ‬عن‭ ‬المجاعات‭ ‬أن‭ ‬تأكل‭ ‬الأم‭ ‬أطفالها‭ ‬ولكن‭ ‬العقوبة‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬الخطية‭ ‬ألم‭ ‬يُقدموا‭ ‬أولادهم‭ ‬ضحايا‭ ‬حيَّة‭ ‬للإله‭ ‬مولوك،‭ ‬وكانوا‭ ‬يلقونهم‭ ‬في‭ ‬النيران‭ ‬أحياء‭. ‬وكان‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تحقيقًا‭ ‬لنبوة‭ ‬موسي‭ ‬النبي‭ (‬تث53:28‭) ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬حصار‭ ‬السامرة‭ (‬2مل29:6‭). ‬صورة‭ ‬للهلاك‭ ‬الجماعي‭. ‬الصبيان‭ ‬والشيوخ‭ ‬مقتولين‭ ‬علي‭ ‬الأرض،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬المقادس‭ ‬حيث‭ ‬التمسوا‭ ‬الحماية‭. ‬بل‭ ‬حتي‭ ‬العذاري‭ ‬الذين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬معركة‭ ‬كانوا‭ ‬يتركوهن‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬قتل‭ ‬جماعي‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬الله‭. ‬وكانوا‭ ‬كذبائح‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬مَوْسِم‭ ‬من‭ ‬كثرتهم،‭ ‬ففي‭ ‬المواسم‭ ‬تتضاعف‭ ‬الذبائح‭ ‬بكثرة‭. ‬فالموت‭ ‬نتيجة‭ ‬الخطية‭ ‬شيء‭ ‬حذَّر‭ ‬منه‭ ‬الله‭ ‬أبانا‭ ‬آدم‭.‬
في‭ ‬الديوان‭ ‬يصف‭ ‬الشاعر‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانيةالمؤلمة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الطفل‭ ‬رمزالبراءة‭ ‬المهدرة‭ ‬ورمز‭ ‬لإصرار‭ ‬الشاعر‭ ‬علي‭ ‬الحياة‭: ‬الجسد‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬الألم؛الألم‭ ‬الذي‭ ‬يصبح‭ ‬معه‭ ‬الجسد‭ ‬مجرد‭ ‬خرقة‭ ‬يسخر‭ ‬منها‭  ‬الشاعر‭ ‬سخرية‭ ‬مرة‭  ‬فهو‭ ‬مجرد‭ ‬جثة‭ ‬تصلح‭ ‬لأن‭ ‬يلعب‭ ‬بها‭ ‬الولد‭ ‬الكامن‭ ‬داخله‭ ‬ويصنع‭ ‬منها‭ ‬شبكة‭ ‬ملونة‭ ‬مع‭ ‬خوف‭ ‬الصباح‭ ‬المزمن،‭ ‬وقد‭ ‬تصلح‭ ‬لأن‭ ‬ينيمها‭  ‬عاشقان‭ ‬علي‭ ‬الأعشاب‭ ‬فلا‭ ‬تتسخ‭ ‬المشاعر،وقد‭ ‬يستخدمها‭ ‬المخاطرون‭ ‬كمنطاد‭ ‬ينفخونه‭.‬إن‭ ‬الشاعر‭ ‬يواجه‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬تارة‭ ‬بالرغبة‭ ‬في‭ ‬الانتحار‭ ‬ومرة‭ ‬بالهروب‭ ‬داخل‭ ‬جسده‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬لسجن‭ ‬له‭ ‬جدران‭ ‬وأبواب‭. ‬هي‭ ‬تجربة‭ ‬الشاعرالملعون،المتمرد‭ ‬علي‭ ‬ألمه‭ ‬وخوفه،الذي‭ ‬يصفه‭ ‬بلحظات‭ ‬الرعشة،الشاعر‭ ‬يرتدي‭ ‬عباءة‭ ‬النبوة‭ ‬فهو‭ ‬المعذب‭ ‬المصلوب‭ ‬المحاصر‭ ‬داخل‭ ‬جسده‭ ‬فالأعصاب‭ ‬والجلد‭ ‬هما‭ ‬ما‭ ‬يحفظانه‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬وهو‭ ‬يواجه‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الألم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ويتخلي‭ ‬عن‭ ‬الخوف‭ ‬والارتعاش‭ ‬ويختار‭ ‬المقاومة،‭ ‬تظهر‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬الديوان‭ ‬زمراوغاتس،يقول‭ ‬الشاعر‭:‬
زالأعصابُ‭ ‬والجِلْدُ،‭ ‬فقط،‭ ‬هما‭ ‬أحزمةُ‭ ‬جسدي‭.. ‬الأمرُ‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إلا‭ ‬إلي‭ ‬العبثِ‭ ‬الليِّنِ‭ ‬بأي‭ ‬آلةٍ‭ ‬حادةٍ‭ ‬عند‭ ‬المداخلِ،‭ ‬لتنفكَّ،‭ ‬وينفلتَ‭ ‬ويصيرَ‭ ‬طرياً‭ ‬تلوحُ‭ ‬للممرِّ‭ ‬خيوطهُ‭... ‬مجردَ‭ ‬خرقةٍ‭ ‬يمسكها‭ ‬الولدُ‭ ‬الشقيُّ‭ ‬ويفردها‭ ‬مع‭ ‬خوفِ‭ ‬الصباحِ‭ ‬ويصنع‭ ‬شبكته‭ ‬الملونة،‭ ‬أو‭ ‬يرتاح‭ ‬الطيِّبُ‭ ‬بألا‭ ‬ينسي‭ ‬أن‭ ‬يثقبها،‭ ‬أو‭ ‬يُنيمها‭ ‬عاشقان‭ ‬علي‭ ‬الأعشاب‭ ‬فلا‭ ‬تتسخ‭ ‬المشاعر‭... ‬حتي‭ ‬أن‭ ‬يبرمها‭ ‬المخاطرونَ‭ ‬ثم‭ ‬ينفخونَ‭ ‬بكلِ‭ ‬حماسٍ‭ ‬ليُطِلَّ‭ ‬المنطادُ‭ ‬الذي‭ ‬سيكشف‭ ‬عن‭ ‬أذرعِ‭ ‬السماءِ،الطويلةِ‭.....‬جسدي‭ ‬قابلٌ‭ ‬للطَيِّ‭ ‬في‭ ‬علبة‭ ‬ولتقطيع‭ ‬أجزاءَ‭ ‬بعينها‭ ‬كمناديل‭ ‬بعد‭ ‬القتلِ‭ ‬وللشنقِ‭ ‬علي‭ ‬الحبالِ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يرقصَ‭ ‬الدمُ‭ ‬في‭ ‬عيني‭... ‬وعندما‭ ‬يكشطونَ‭ ‬بشدة،‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامي‭ ‬للكتابةِ‭ ‬أو‭ ‬للشدِّ‭ ‬بين‭ ‬مهووسينَ‭ ‬قبل‭ ‬سقوطِ‭ ‬المنتحرِالأخير‭..‬س‭ (‬الديوان‭ ‬ص7‭)‬
الشاعرملعون‭ ‬مطرود‭ ‬من‭ ‬جنة‭ ‬الرب‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الخلاص‭ ‬الروحي‭ ‬لأنه‭  ‬محروم‭ ‬من‭ ‬طقس‭ ‬التناول‭ ‬يبتهل‭ ‬بلا‭ ‬جدوي‭ ‬ولا‭ ‬فائدة‭ ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬مستقبل‭ ‬فالعدم‭ ‬والخوف‭ ‬ينتصران‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬النهاية‭  ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬مصير‭ ‬الإنسانيةالحزين‭. ‬يخاطب‭ ‬الشاعرالرب‭ ‬خطابا‭ ‬ميتافيزيقيا‭ ‬أشبه‭ ‬بالدعاء‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ينساه‭ ‬ويقدم‭ ‬وعوده‭ ‬وعهوده‭ ‬للرب‭ ‬بالعمل‭ ‬من‭ ‬أجله‭ :‬
زأعبث‭ ‬وأترك‭ ‬الظلال‭ ‬عرايا‭/ ‬حتي‭ ‬يتنزل‭ ‬ربنا‭ ‬من‭ ‬علي‭ ‬صليبه‭/ ‬ويجرب‭ ‬الرسم‭ ‬ثانية‭..../‬ربنا‭  ‬يا‭ ‬ربنامن‭ ‬أجل‭ ‬خاطر‭ ‬المشلوحين‭ ‬تحتك‭...‬الزارعين‭ ‬خدك‭ ‬الواسع‭..‬كلما‭ ‬فاتت‭ ‬عليك‭ ‬الرعشة‭ ‬لا‭ ‬تنساني‭..‬س‭(‬الديوان‭ ‬ص60‭)‬
الذات‭ ‬المستسلمة‭ ‬أمام‭ ‬عجز‭ ‬الروح‭ ‬تبتهل‭ ‬إليالله،فانسحاقه‭ ‬الكامل‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬أباه‭ ‬وخوفه‭ ‬من‭ ‬الفقدان‭ ‬للأم‭ ‬والأخت‭ ‬يجعله‭ ‬يقدم‭ ‬وعوده‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬ولدا‭ ‬جيدا‭ ‬كي‭ ‬يستبقيه‭ ‬الرب‭ ‬ولا‭ ‬يأخذه‭ ‬كما‭ ‬أخذ‭ ‬أباه‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭. ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬والفقدان‭ ‬والهروب‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬هي‭ ‬المشاعر‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬علي‭ ‬الشاعر‭ ‬فينحو‭ ‬منحي‭ ‬ميتافيزيقيا‭ ‬أشبه‭ ‬بالابتهال‭ ‬والدعاء‭. ‬يقول‭ ‬الشاعر‭ :‬

زيا‭ ‬الله‭ / ‬أنت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حقيبتي‭ ‬وكراسة‭ ‬الرسم‭ ‬العريضة‭ ‬وأطول‭ ‬من‭ ‬الدراجة‭ ‬والصالون‭ ‬ومن‭ ‬بلدتنا‭ ..‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬السكة‭ ‬المهجورة‭ ‬ولا‭ ‬تترك‭ ‬إلا‭ ‬ظلا‭ ‬صغيرا‭..‬؟س‭ (‬الديوان‭ ‬ص‭ ‬67‭)‬
وسط‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الممتلئ‭ ‬بالألم‭ ‬تبرز‭ ‬المرأة‭ ‬عند‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرةبوصفها‭ ‬الملاكة‭ ‬الرحيمة‭ ‬المحبة،‭ ‬والأم‭ ‬الحنون؛هي‭ ‬مانحة‭ ‬الحياة‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬الشاعر‭ ‬الأمل‭ ‬والسبب‭ ‬كي‭ ‬يعيش،هيالتي‭ ‬تربطه‭ ‬بالحياة‭ ‬وبالعالم‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬أجواء‭ ‬الموت‭ ‬والألم،فالمرأة‭ ‬ليست‭ ‬قاتلة‭ ‬بل‭ ‬ملاكة‭ ‬وتتقاطع‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬كملاكة‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬مصدر‭ ‬للرحمة‭ ‬والحنان‭ ‬والخير‭ ‬والجمال؛‭ ‬لذا‭ ‬يتم‭ ‬استدعاء‭ ‬صورة‭ ‬الأم‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬قصائد‭ ‬الديوان‭.‬
إن‭ ‬الحب‭ ‬الأيروسي‭ ‬أو‭ ‬الحسي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الديوان‭ ‬هو‭  ‬فعل‭ ‬الحياة‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬الموت،والشغف‭ ‬بالجسد‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬معبر‭ ‬الشاعر‭ ‬للحياة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يربطه‭ ‬بها‭ ‬زفجسد‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬مكان‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الأولي‭ ‬للأمل‭ ‬والحياة‭ ‬والتفاؤل‭ ‬والتمكن‭ ‬والسيطرة‭ ‬والتقدم‭ ‬والمجاوزة‭  ‬والانتصارعلي‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬النقص‭ ‬والقصور‭ ‬وهو‭ ‬مكان‭ ‬الانفعالات‭ ‬والغرائزوالأحلام،وحالات‭ ‬الفرح‭ ‬والحزن‭ ‬والشيخوخة‭ ‬والموت،مكان‭ ‬الخيال‭ ‬والتفكير‭ ‬والمنطق‭ ‬والتصورات‭ ‬والابداع‭ ‬والفرح‭ ‬اللانهائي‭ ‬بالآخر‭ ‬الذي‭ ‬انفصل‭ ‬عنه‭ ‬والذي‭ ‬يحن‭ ‬دائما‭ ‬إليهس‭.‬‭(‬5‭)‬‭.. ‬يقول‭ ‬الشاعر‭ : ‬
ز‭...........‬ولناعندك‭ ‬سحابتان‭ /‬يوم‭ ‬رعشتها،‭ ‬وساعة‭ ‬تكوم‭ ‬الجدار‭ ‬تحتنا‭../‬حمل‭ ‬من‭ ‬النبضات‭ ‬علي‭ ‬صرختين‭ ‬علي‭ ‬شهقة‭ ‬تحت‭ ‬السرة‭..‬،‭/‬وقليل‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭.../‬لصوت‭ ‬يجوس‭ ‬في‭ ‬الحفرة‭ /‬لقلبها‭ ‬يهيم‭ ‬في‭ ‬البرية‭..... ‬ز‭ (‬الديوان‭ ‬ص11‭)‬
حضورهائل‭ ‬للألم‭ ‬والمعاناة،واستخدام‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬بكثافة‭ ‬دلالة‭ ‬علي‭ ‬شخصانية‭ ‬الوجع‭ ‬وذاتيته؛‭ ‬فالعالم‭ ‬هو‭ ‬سجنه‭ ‬الكبير‭ ‬المليء‭ ‬بالجدران‭ ‬والتي‭ ‬تسخرمن‭ ‬الشاعر؛‭ ‬تضيق‭ ‬وتتسع‭ ‬وتطير‭.‬الشاعر‭ ‬يصور‭ ‬علاقته‭ ‬بالألم‭ ‬بأنها‭ ‬علاقة‭ ‬مازوخية،‭  ‬لقداستعذب‭ ‬ألمه‭ ‬وشعر‭ ‬بطعمه‭ ‬الرائع‭ ‬لأنه‭ ‬حوله‭ ‬إلي‭ ‬أدب‭ ‬مبجل،تنتمي‭ ‬قصيدته‭ ‬للسردالذاتي،‭ ‬والشاعر‭ ‬يوظف‭ ‬التناص‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬المركيز‭ ‬دي‭ ‬ساد‭ ‬ليعبر‭ ‬عن‭ ‬قسوة‭ ‬الألم‭ ‬وساديته‭ ‬وبشاعة‭ ‬العالم‭ ‬وقسوته‭.‬يقول‭ ‬الشاعر‭ :‬
زأنا‭ ‬المسجون‭ ‬العظيم،‭/ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬والجدران‭ ‬تتهكم‭ ‬وتجري‭ ‬وتضيق‭ ‬وتطير‭ ‬وتتسع‭.. ‬لكنها‭ ‬الآن‭ ‬تلهث‭ ‬وتعترف‭../ ‬كل‭ ‬الآلام‭ ‬تحملتها‭ ‬ووضعتها‭ ‬في‭ ‬القدر‭ ‬حتي‭ ‬طلع‭ ‬قلبها‭ ‬الرائع‭ ‬في‭ ‬الأسود‭.. ‬الجوهرة‭ ‬التي‭  ‬كانت‭ ‬تنام‭  ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬لكنها‭ ‬الآن‭ ‬تملأ‭ ‬العيون‭..‬كل‭ ‬الرعشات‭ ‬والدموع‭ ‬الملتاثة‭ ‬أحولها‭ ‬إلي‭ ‬أدب‭ ‬مبجل‭   ‬ز‭. (‬الديوان‭ ‬ص43‭)‬
تمتلئ‭  ‬قصائد‭ ‬الديوان‭ ‬بتفاصيل‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬فأحيانا‭ ‬يعود‭ ‬الشاعر‭ ‬إلي‭ ‬طفولته،‭ ‬وينتقي‭ ‬أحداث‭ ‬بعينها‭ ‬لتكون‭ ‬مواضيع‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬شعره،‭ ‬وينبشُ‭ ‬ذكريات‭ ‬الطفولة،‭ ‬التي‭ ‬تخفّف‭ ‬فنياً‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الواقع‭.‬لقد‭ ‬خرج‭ ‬الشاعرإلي‭ ‬العالم‭ ‬ليواجه‭ ‬مصيره‭ ‬ويحيا‭ ‬متاهة‭ ‬من‭ ‬الآلام‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭  ‬كالمسيح،‭ ‬فيأتي‭ ‬معني‭ ‬مثل‭ : ‬خلاص‭ ‬الولادة‭ ‬ليرمز‭ ‬لخلاصه‭ ‬الروحي،‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نختر‭ ‬وجودنا‭ ‬حين‭ ‬جئنا‭ ‬إلي‭ ‬عالمنا‭ ‬بإرادة‭ ‬علوية‭ ‬مفارقة،‭ ‬ولكن‭ ‬تبقي‭ ‬قدرتنا‭ ‬علي‭ ‬اختيار‭ ‬ماهيتنا،‭ ‬أي‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يتشكل‭ ‬وجودنا‭ ‬علي‭ ‬هيئتها،‭ ‬وملامحها‭ ‬العامة،‭ ‬وقسماتها‭ ‬المميزة،‭ ‬ومَواطن‭ ‬جمالها‭ ‬أو‭ ‬تشوهها،‭ ‬قوتها‭ ‬أو‭ ‬ضعفها،تلتئم‭ ‬الجروح‭ ‬لكن‭ ‬الألملا‭ ‬يفارق‭ ‬الشاعر‭ ‬والحياة‭ ‬كأنها‭ ‬متاهة،والخلاص‭ ‬رمز‭ ‬لولادة‭ ‬الإنسان‭ ‬الأولي‭ ‬حين‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬أمه‭ ‬التي‭ ‬تألمت‭ ‬حتي‭ ‬تمنحه‭ ‬الحياة‭.‬يقول‭ ‬الشاعر‭:‬
زلماذا‭ ‬تلتئم‭ ‬جروحه‭ ‬سريعا،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬باقي‭ ‬الأعضاء‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬قشة‭ ‬؟جدتي‭ ‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬إنهم‭ ‬نسوا‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬خلاص‭ ‬ولادة‭ ‬أمي؛لهذا‭ ‬تغمض‭ ‬عينيها‭ ‬كلما‭ ‬عدَّت‭ ‬علينا‭ ‬العاصفة‭ ‬وترسم‭ ‬البيت‭ ‬غواصة‭ ‬ولحمنا‭ ‬شباكا‭ ‬وتغرق‭ ‬كل‭ ‬جرح‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحوض‭ ‬ليسمو‭..‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فخلاصي‭ ‬دفنوه‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭..‬وكلما‭ ‬قامت‭ ‬الريح‭ ‬أو‭ ‬مرت‭ ‬قافلة‭   ‬شردت‭ ‬من‭ ‬تاريخها‭ ‬أو‭ ‬غني‭ ‬حيوان‭ ‬جارح‭ ‬تنتفض‭ ‬أحداقي‭ ‬وينفتح‭ ‬الدم‭ ‬علي‭ ‬العالم‭ ‬ز‭.(‬الديوان‭ ‬ص13‭)‬
استدعاء‭ ‬الطفولة‭ ‬وذكرياتها‭ ‬والاحتماء‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬المؤلم،فالماضي‭ ‬جميل‭ ‬كالحلم،وهكذا‭ ‬الحياة‭ ‬قبض‭ ‬ريح‭ ‬وعبث‭ ‬والطفل‭ ‬رمزالبراءة‭ ‬الإنسانيةوالنقاء‭ ‬يمزق‭ ‬متاهته‭ ‬فالأمل‭ ‬مازال‭ ‬موجودا،ونري‭ ‬السخرية‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬ومن‭ ‬نفسه‭ ‬السخرية‭ ‬السوداء‭. ‬يقول‭ ‬الشاعر‭:‬
زطفل‭ ‬يمر‭ ‬بدراجته،‭ ‬ويقضم‭ ‬متاهته‭ ‬الملونة،ويرجوني‭ ‬أن‭ ‬اضبط‭ ‬البكاء‭ ‬لكنني‭ ‬أبتسم‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أرقد‭ ‬بثقة‭ ‬وأنادي‭ ‬ساقيك‭ ‬جميلتان‭ ‬يا‭ ‬بنت‭../ ‬سبع‭ ‬مرات‭ ‬أرشف‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬الساحرة‭ ‬ولا‭ ‬أجدك‭..‬س‭(‬الديوان‭ ‬ص79‭)‬
الشاعر‭ ‬دوما‭ ‬علي‭ ‬طريق‭ ‬الآلام‭ ‬وكأنه‭ ‬مسيح‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬عذاباته،‭ ‬يصلب‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خلاص‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬أبدا‭ ‬طالما‭ ‬استمر‭ ‬حياً،‭ ‬تتقاذفه‭ ‬الخيبات‭ ‬والإخفاقات‭ ‬الاحباطات،‭ ‬يتلقي‭ ‬الهزائم‭ ‬دوماً‭ ‬ولكن‭ ‬غير‭ ‬مسموح‭ ‬له‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬الملعب‭ ‬أبداً،‭ ‬فالمباراة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مستمرة،‭ ‬والصراع‭ ‬لم‭ ‬يزل‭ ‬قائماً،‭  ‬لقد‭ ‬نجت‭ ‬أمه‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬يحياها‭ ‬الشاعر‭ ‬لأنهم‭ ‬دفنوا‭ ‬خلاصها‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬هكذا‭ ‬أخبرته‭ ‬جدته‭ ‬أما‭ ‬هو‭ ‬فدفنوا‭ ‬خلاصه‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬القاحلة‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأمور،‭ ‬ترجع‭ ‬إلي‭ ‬الأساطير‭ ‬والمعتقدات‭ ‬القديمة‭ ‬والتي‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬المشيمة‭ ‬كائن‭ ‬حي‭ ‬قرين‭ ‬للطفل،‭ ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬لها‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الطفل‭ ‬الشاعر‭ ‬وأمام‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الألم‭ ‬تنقسم‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرة‭ ‬علي‭ ‬نفسها‭ ‬والمخلص‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬داخل‭ ‬الشاعر‭.‬
يقيم‭ ‬الشاعرشعريته‭ ‬علي‭ ‬الإفادة‭ ‬من‭ ‬تقنية‭ ‬السرد؛‭ ‬يخلق‭ ‬حكايةً‭ ‬بمفارقات‭ ‬ذكية‭ ‬ينشئها‭ ‬الخيال،و‭(‬يشتط‭) ‬بها،‭ ‬ويشبعها‭ ‬بطرافة‭ ‬سوداء‭. ‬الفانتازيا‭ ‬هي‭ ‬قناع‭ ‬الشاعر‭ ‬وجهه‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬يحبه‭ ‬ويقصر‭ ‬حياته‭ ‬عليه،‭ ‬وتختلط‭ ‬الفانتازيا‭ ‬بالرؤية‭ ‬الكابوسية‭  ‬تنتج‭ ‬حكاية‭ ‬غرائبية‭ ‬في‭ ‬عالمها‭ ‬وبما‭ ‬يغنيها‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لإعطائها‭ ‬معنيً‭ ‬آخر‭ (‬تأويلاً‭) ‬غير‭ ‬معناها‭ ‬المباشر،‭  ‬طاقة‭ ‬إيحاء‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الدلالات،‭. ‬يقول‭ ‬الشاعر‭:‬
زلحيتي‭ ‬كثة‭ ‬وعشوائية‭ ‬وعجوز،‭ ‬منذ‭ ‬أعوام‭ ‬أحملها‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،وهي‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحوال‭  ‬لا‭ ‬تفرج‭ ‬عن‭ ‬ثقلها،حتي‭ ‬لو‭ ‬اقتنصت‭ ‬الماء‭ ‬أو‭ ‬العرق‭ ‬أو‭ ‬القبلات‭..‬أحس‭ ‬بوطـأتها‭ ‬فقط‭  ‬عندما‭ ‬أفرح‭ ‬من‭ ‬القلب‭ ‬أو‭ ‬أفتح‭ ‬عيني‭ ‬فجأة‭ : ‬أجري‭ ‬للمرآة‭ ‬وأبتهل‭ ‬للدغل‭ ‬الصديق‭ ‬كيلا‭ ‬تصحو‭ ‬الرائحة‭..‬مذاق‭ ‬القسوة‭ ‬في‭ ‬الأعطاف‭ ‬وقتها‭ ‬أنكمش‭ ‬أشوفها‭ ‬هائلة‭ ‬وتشبه‭ ‬أظافر‭ ‬جدي‭..‬س‭(‬الديوان‭ ‬ص17‭)‬
حضور‭ ‬كبير‭ ‬للنبرة‭ ‬الذاتية‭ ‬والحدث،‭ ‬والآخرون‭ ‬والأشياء‭ ‬هم‭ ‬أبطال‭ ‬المشهد‭ ‬الشعري،‭ ‬وغزو‭ ‬عالم‭ ‬السرد‭ ‬وبناء‭ ‬حكاية‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬تصفه‭. ‬وتتعدد‭ ‬صورالموت‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬الشاعرفهو‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الأحبةالذين‭ ‬ينسونه‭ ‬ويموتون‭. ‬يقول‭ ‬الشاعر‭:‬
زينسونني‭ ‬و‭ ‬يموتون‭..‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬كنت‭ ‬أحدثهم‭ ‬صباح‭ ‬مساء‭ ‬عن‭ ‬الشبح‭ ,‬يبدوأنهم‭ ‬أحبوها‭ ‬حقا‭ ‬يومها،لما‭ ‬صمتوا‭ ‬فجأة‭ ‬وحنقوا‭ ‬علي‭ ‬الموت‭ ‬لأنه‭ ‬تعري‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬غرفهم؛لهذا‭ ‬عاد‭ ‬وأمسكهم‭ ‬من‭ ‬ياقاتهم‭  ‬وغابس‭.(‬الديوان‭ ‬ص19‭)‬
لقد‭ ‬فقد‭ ‬العالم‭ ‬جماله‭ ‬وبراءته‭ ‬وسحره‭ ‬صار‭ ‬وحشيا‭ ‬ومليئا‭ ‬بالكوابيس‭ ‬والقسوة،‭ ‬اللغة‭ ‬مكثفة‭  ‬مشحونة‭ ‬بطاقة‭ ‬هائلة‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرة‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬لانقسامها‭ ‬وتشظيها،وايضا‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الواقعي‭ ‬الخارجي‭ ‬إلي‭ ‬داخل‭ ‬ذاته‭ ‬إلي‭ ‬ذكرياته‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬الآمن‭ ‬وإلي‭ ‬عالم‭  ‬الحواديت‭ ‬الممتلئ‭ ‬بقصص‭ ‬الأميرات‭  ‬والرحالة‭ .‬
وبعدها‭ ‬أعلمهم‭ ‬بالخبيئة‭ :/ ‬أغاني‭ ‬الرحالة‭  ‬الذين‭ ‬ذرفوا‭ ‬دمعتين‭ ‬لأجل‭ ‬حبيباتهم‭ ‬المأسورات‭ ‬والجوارح‭ ‬التي‭ ‬اختطفت‭ ‬الضحك‭ ‬الكاذب‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬الأميرة‭..‬ذهب‭ ‬علي‭ ‬هيئة‭ ‬فلاحين‭ ‬في‭ ‬حدائق‭ ‬الفرعون‭..‬تمائم‭ ‬وتماسيح‭..‬قرابين‭ ‬وصمت‭ ‬وحفر‭ ‬ورقصات‭..‬دبيب‭ ‬الولد‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬الطلقات‭ ‬ويجري‭ ‬نحو‭ ‬أبعد‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬الناحية‭  ‬ز‭. (‬الديوان‭ ‬ص65-‭  ‬ص66‭)‬
تحتفي‭ ‬القصيدة‭ ‬عند‭ ‬زمؤمنس‭  ‬بالميثولوجيا‭ ‬المعاصرة‭ ‬معادة‭ ‬التركيب،‭ ‬فنجده‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يمتلئ‭ ‬بالضحايا‭ (‬القديسون‭ ) ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬معجزات‭ ‬لهم‭ ‬سوي‭ ‬الحزن‭ ‬والألم‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬نهاية؛الحزن‭ ‬الذي‭ ‬ينتزع‭ ‬منهم‭ ‬السعادة‭ ‬ويكتم‭ ‬ضحكتهم‭ ‬في‭ ‬الصدور‭ ‬القديسون‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعد‭  ‬العالم‭  ‬يتسع‭ ‬للأسي‭ ‬والحسرة‭ ‬التي‭ ‬تأكلهم‭   ‬يقول‭ ‬الشاعر‭ :‬
زالقديسون‭ ‬وحدهم‭ ‬في‭ ‬محطة‭ ‬القطار‭....../ ‬لا‭ ‬تماثيل‭ ‬حولهم‭ ‬ولا‭ ‬صلبان‭ ‬ولا‭ ‬دموع،لا‭ ‬تطلع‭ ‬الحمامات‭ ‬من‭ ‬أكمامهم‭ ‬ولعلب‭ ‬البيرة‭ ‬ولا‭ ‬يفاجئهم‭ ‬حصانكان‭ ‬يغني‭ ‬قرب‭ ‬ساحة‭ ‬الملكوت‭..‬كفوفهم‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الأجنحة‭ ‬والصور‭ ‬المقطوفة‭ ‬من‭ ‬القبلة‭ ‬والأحضان‭ ‬وضحكتهم‭ ‬مكتومة‭ ‬في‭ ‬الممر‭..‬ينزلون‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬علي‭ ‬الرف،فيصعدون‭ ‬إلي‭ ‬جلودهم،ويرشفون‭ ‬ريق‭ ‬الرب‭ ‬من‭ ‬الأواني‭ ‬المسحورة‭....‬س‭(‬الديوان‭ ‬ص77‭)‬
كما‭ ‬أن‭ ‬فقدان‭ ‬اليقين‭ ‬لدي‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرة‭ ‬تجعلها‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬متاهتها‭ ‬تيهًا‭ ‬أبديا‭.‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يواجه‭ ‬الشاعر‭ ‬متاهة‭ ‬جديدة‭ ‬تضاف‭ ‬إلي‭ ‬دائرة‭ ‬الضياع‭ ‬الكوني‭ (‬المتاهات‭ ‬القديمة‭) ‬فلا‭ ‬يهرب‭ ‬بل‭ ‬يمارس‭ ‬الرقص‭ ‬ألما‭ ‬كالمذبوح‭ ‬حتي‭ ‬تتمزق‭ ‬أنسجته‭ ‬ثم‭ ‬يفتح‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬جيوبه‭ ‬لتدخلها‭ ‬الريح‭ ‬وتلهووهي‭ ‬تحمل‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬لحمه‭ ‬وأجزاء‭ ‬من‭ ‬لحوم‭ ‬الآخرين‭ ‬يقول‭ ‬الشاعر‭ :‬
زصنعت‭ ‬متاهة‭ ‬وكنت‭ ‬أمد‭ ‬ساقي‭ ‬علي‭ ‬حافتها‭ ‬وأبتسم‭../‬متاهاتي‭ ‬القديمة‭ ‬جلبتها‭ ‬معي،‭ ‬واقتسمت‭ ‬الدوار‭ ‬مع‭ ‬الغربان‭ ‬والخوف‭ ‬مع‭ ‬السماء‭. ‬وأتقدم‭ ‬وأقفز‭ ‬وتتحمل‭ ‬أنسجتي‭ ‬الرقص‭ ‬الوحشي‭ ‬وتتفتت‭ ‬بانسيابية‭...‬س‭(‬الديوان‭ ‬ص‭ ‬79‭)‬
الشاعر‭ ‬يواجه‭ ‬مصيره‭ ‬دائما‭ ‬بالخوف‭ ‬والارتعاش‭ ‬بدون‭ ‬مقاومة،يواجه‭ ‬دائما‭ ‬مواجهة‭ ‬سلبية‭ ‬عدمية‭ ‬بشكل‭ ‬يائس،‭ ‬وحين‭ ‬أصابه‭ ‬الملل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬معه‭ ‬منذ‭ ‬مولده‭ ‬أرادأن‭ ‬ينبش‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬كي‭ ‬يواجهه‭. ‬يقول‭ ‬الشاعر‭:‬
زوعندما‭  ‬تسللت‭ ‬الشعيرات‭ ‬البيض‭ ‬لمخدتي‭ ‬انفرطت‭ ‬ثابتا،لم‭ ‬أرتعش‭ ‬للمرة‭ ‬الأولي‭ ‬فارتعشت‭ ‬من‭ ‬مذاقي‭ ‬الجديد‭ !../ ‬سأستمرئ‭ ‬اللعبة‭ ‬وأسيب‭ ‬نفسي‭ ‬بين‭ ‬الحفر‭ ‬أعدو‭ ‬تختارني‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬أنكش‭ ‬في‭ ‬التراب‭ ‬اللامع،علي‭ ‬أقتنصها‭ ‬لحظة‭ ‬تجليها‭....‬س‭(‬الديوان‭ ‬ص87‭).‬
القصيدة‭ ‬عند‭ ‬مؤمن‭ ‬سمير‭ ‬ليست‭ ‬حلما‭ ‬بالغد‭ ‬لكنها‭ ‬نواح‭ ‬يتصاعد‭ ‬فوق‭ ‬جثة‭ ‬الغد‭ ‬والقصائد‭ ‬تحتشد‭ ‬بالأسئلة،الشاعرفقد‭ ‬الإيمان‭ ‬واليقين‭ ‬والحلم،العالم‭ ‬غابة‭ ‬مليئة‭ ‬بالخوف‭ ‬والوحوش‭  ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬أمام‭ ‬الشاعر‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وحشا‭ ‬كي‭ ‬يتخلص‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬ويعيش‭ ‬وسط‭ ‬الوحوش‭.‬


‭(‬Endnotes‭)‬
‭(‬1‭)‬أدونيس،مقدمة‭ ‬للشعر‭ ‬العربي،الطبعة‭ ‬الثالثة،1975م‭ ‬دار‭ ‬العودة‭ ‬بيروت‭ - ‬ص106
‭(‬2‭)‬المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص‭ ‬124
‭(‬3‭)‬بلا‭ ‬خبز‭ ‬ولا‭ ‬نبيذ،‭ ‬ديوان‭ ‬شعر،‭ ‬مؤمن‭ ‬سمير،‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬المصرية‭ ‬للكتاب،‭ ‬2017م
‭(‬4‭)‬عبد‭ ‬الحق‭ ‬بلعابد‭ ‬عتبات،‭(‬جيرار‭ ‬جينيت‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬إلي‭ ‬المناص‭)‬،الطبعة‭ ‬الأولي‭ ‬2008‭ ‬منشورات‭ ‬الاختلاف‭. ‬ص107
‭(‬5‭)‬شاكر‭ ‬عبد‭ ‬الحميد،‭ ‬أنثروبولوجيا‭ ‬الجسد‭ ‬والحداثة،مجلة‭ (‬إبداع‭) ‬ص98،العدد‭ ‬التاسع‭ ‬سبتمبر‭ ‬1997مw