رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

قصة إحسان، وقصيدة «كيبلنج»، ومنديل رشاد رشدي


محمد سلماوي
11/25/2017 11:17:43 AM

يقول » فرويد»‬ إن سنوات التكوين في عمر الإنسان هي السنوات السبع الأولي في حياته، لكني أجد أن سنوات التكوين الحقيقية في حياتي، التي شكلت وجداني ومشاعري الأساسية في الحياة، هي سنوات المراهقة، التي اصطدمت فيها بشكل مباشر بحقائق الحياة، وقد كنت في مأمن منها طوال السنوات السبع الأولي التي يتحدث عنها »‬فرويد».
في سنوات المراهقة تحديت كل شيء، ووصل بي التمرد إلي منتهاه حين اخترت أن أكون ملحدًا ولا أنصاع لعقيدة لم تقنع عقلي المتمرد، لكن تلك القصة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اكتشفت أن قلبي مؤمن، وإذا كان عقلي قاصرًا عن فهم الله، فذلك لأنه من المحال إخضاع ماهية الذات الإلهية للعقل البشري الذي خلق لتدبر أمور الدنيا. فليس صحيحًا أن »‬الله عرفوه بالعقل»، كما يقول المثل الشائع، وإنما الله يُحَس بالروح، فهي نفخ من روح الله »‬فنفخنا فيه من روحنا» (التحريم: ١٢)، وقد توقفت طويلًا عند الآية الكريمة »‬ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا» (الإسراء: ٨٥)، فإذا كان العقل البشري قاصرًا عن فهم الروح، فهل يكون قادرًا علي فهم الله الذي خلق الروح؟
كما قررت في تلك السن أن أثور علي الشعور بالعزلة الذي جعل مني طفلًا منطويًا في المدرسة، وحيدًا في الحياة، وأن أخرج من الشرنقة التي فرضتها علي سنوات طفولتي لأكون منفتحًا علي المجتمع، أسعي بشتي الطرق لأكون فاعلًا ملحوظًا بين أفراده، بعد أن كنت أتمني ألا يلحظني أحد، فكنت أنزوي في المدرسة حتي لا أضطر إلي التفاعل مع المحيطين بي.
في سنواتي الأخيرة بالمدرسة، وقد وصلت سن المراهقة، وجدت نفسي أواجه بقية الطلبة بلا خوف، وكان ميكروفون محطة الإذاعة المدرسية إحدي وسائل حضوري القوي بين زملائي.
وفي تلك السنوات قررت ألا أفعل إلا ما أريده، تماشيًا مع ما كنت أشعر به، وما كنت أميل إليه، واتخذت من صيحة الفيلسوف الألماني »‬نيتشه» الشهيرة شعارًا لي: »‬إني هكذا، وسأظل هكذا، ولتذهبوا جميعًا وتشنقوا أنفسكم!»، وهكذا ذهبت ذات يوم إلي المدرسة وقد قررت ألا أدرس بعد اليوم إلا المواد التي تتفق مع ميولي، فتركت القسم العلمي الذي كان يضم الطلبة النجباء وانتقلت بلا تشاور مع أحد من والديَّ أو أساتذتي إلي القسم الأدبي.
وفي نادي الجزيرة، الذي كان أفراد الأسرة أعضاء به منذ سنوات، لكني لم أكن أرتاده، بدأت أتعرَّف علي أصدقاء جدد غير زملاء المدرسة، وأصبحت أحرص علي الذهاب كل يوم جمعة إلي النادي، فقد كان هذا هو يوم الإجازة الذي يتقابل فيه غالبية الأعضاء، وكانت مهمتي في ذلك اليوم أن أكون حاضرًا، وأن أجعل جميع من في النادي يلاحظون حضوري، فأتحدث إلي هذا وأسلِّم علي ذاك حتي تتسع دائرة معارفي.

إلي 15سنة حين تعرفت لأول مرة علي العملية الجنسية، حيث كان لي صديق بالمدرسة يسكن في عمارة وديع سعد المجاورة لنا في الزمالك، وكنت أذهب إليه للمذاكرة، وفي إحدي المرات عرض عليَّ أن نمارس الجنس مع غسالة تدعي »‬عطيات» كانت تأتي إلي عمارتهم في أيام محددة كل أسبوع لعمل الغسيل للسكان. كانت عطيات بدينة تميل للسمار، وكنا نجتمع بها في الغرفة المخصصة للغسيل في بدروم العمارة، وحتي لا يفاجئنا أحد من السكان، كانت عطيات تصر علي إطفاء النور بالكامل، فكنت أنا وصديقي كالعميان الذين لا يعرفون أين يتجهون ويحتاجون من يسحبهم من يدهم ليوجههم إلي حيث عليهم الذهاب.
في تلك السنوات تفتحت أيضًا مواهبي الأدبية، فبدأت أعاني متاعب الكتابة، وما زال لديَّ أول قصة كتبتها باللغة الإنجليزية، وكان عنوانها »‬شي»، أي »‬هي»، وكانت تتحدث عن امرأة تعاني عذابات الوحدة بعد أن هجرها حبيبها، لكن الكتابة كانت تأخذ مني مجهودًا شاقًّا، وفي بعض الأحيان لم تكن القصة تكتمل، كانت تتوقف فجأة، فتظل ناقصة النمو كالطفل المبتسر الذي لا تكتب له الحياة، وأذكر أنني خلال السنة الدراسية الأولي بالجامعة لم أكمل إلا قصتين.
كان ذلك في بداية الستينيات، وكان إحسان عبد القدوس ينشر قصة قصيرة كل أسبوع في الصفحة الأولي من مجلة »‬صباح الخير»، التي كانت قد صدرت حديثًا عن مؤسسة »‬روز اليوسف». كانت مجلة شبابية تسعي للتمرد علي التقاليد البالية، والتعبير عن الجيل الجديد بمفاهيم أكثر عصرية، وبأسلوب فني راقٍ يزخر برسوم الكاريكاتير الملونة. وقد تابعتُ المجلة منذ صدورها، وكنت أواظب علي قراءة قصة إحسان في كل عدد.
كانت معظم قراءاتي في ذلك الوقت باللغة الإنجليزية، وبعضها باللغة الفرنسية، والقليل فقط كان بالعربية، ومن بين أدباء العربية لم يكن إحسان عبد القدوس كاتبي المفضل، كنت أفضل عليه يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ويحيي حقي، لكني كنت أعجب كيف يستطيع أن يكتب كل أسبوع قصة جديدة. وقد ظلت تلك الحيرة تلازمني، إلي أن قابلت إحسان بعد ذلك بـحوالي عشر سنوات، وقد أصبح رئيسًا لتحرير »‬الأهرام»، الذي كنت قد انتقلت للعمل به، فسألته كيف كان، في الستينيات، يكتب كل أسبوع قصة جديدة في »‬صباح الخير»؟ وهل كان لديه مخزون من القصص، وكان يبعث بإحداها للمطبعة كل أسبوع؟ فأكد لي أن كل القصص التي نشرها في »‬صباح الخير» كُتبت في الأسبوع الذي نُشرت فيه، ثم قال لي ما زاد من حيرتي، حين أوضح لي أن السر وراء غزارة إنتاجه من تلك القصص، أنه حين كان ينتهي من كتابة القصة كان يحرص علي ألا يعيد قراءتها خشية أن يظل يغير ويعدل فيها، وهو ما لا تسمح به ظروف الطباعة في الصحافة. ثم قال لي ما هو أعجب، وهو أن ذلك أصبح عادة عنده حتي بالنسبة إلي الأعمال الأخري، التي لم تكن تنتظرها مطابع الصحافة، فلم يكن يعيد قراءة أي من أعماله بعد أن ينتهي من كتابتها. وبالنظر إلي المستوي الأدبي لأعماله، فلا بد أن إحسان عبد القدوس كان يمتلك عبقرية خاصة، فبالنسبة إليَّ كانت ـ وما زالت ـ النسخة الأولي من أي عمل أكتبه مسودة، لا ترتقي إلي مستوي النشر، وبإعادة قراءتها وتصحيحها يُعمل الأديب حسه النقدي حتي يصل بقصته إلي المستوي الفني الذي يرضي عنه. فالعمل الأدبي ليس في الحقيقة نتاجًا لموهبة الكاتب وحدها، وإنما أيضًا لحسه النقدي الذي يجعله يغير ويبدل في القصة لتخرج في أفضل شكل فني. لكن ها هو إحسان عبد القدوس يبدع قصصه في شكلها النهائي منذ الكتابة الأولي، وبدون المراجعة النقدية التي أتصور أنها من العناصر الحاسمة في تحديد قيمة العمل الأدبي.
في ذلك الوقت كان اهتمامي بإحسان ينحصر فيما كان يكتبه من موضوعات جريئة وغير مطروقة، وكنت أجد في قصصه تعبيرًا عن كثير مما كنت أريد أن أكتبه أو أقوله. وأذكر بالتحديد قصة من قصص »‬صباح الخير» نسيت اسمها الآن، كان  يقول فيها إن الناس في هذه الدنيا ينقسمون إلي قسمين: الممثلين الذين يصنعون الأحداث علي مسرح الحياة، والمتفرجين الذين يجلسون في الصالة يتابعونها، وقد ظللت لسنوات أحتفظ بهذه القصة التي كانت من صفحة واحدة، باعتبارها تجسد فلسفتي في الحياة، فقد كنت أريد أن أكون ممن يصنعون الأحداث علي مسرح الحياة وليس ممن يتفرجون عليها.
وقد كان لوالدي في ذلك، التأثير الأكبر عليَّ كنموذج يُحتذي، بنجاحه في الحياة وبإنجازاته المتعددة، وبمحاولته الدائمة أن يدفعني دفعًا إلي الخروج من شرنقة الطفولة التي حاكت والدتي خيوطها الحريرية بكل حب وبفائق العناية. كانت والدتي تحيطني بقدر هائل من الحب الذي تمردتُ عليه هو الآخر حتي لا أظل أسيرًا له، لكن والدي كان يدفعني دائمًا إلي الخروج إلي الحياة والتفاعل مع المجتمع الذي كنت قبل ذلك أخشاه. وأذكر وأنا طفل أنه كثيرًا ما كان والدي ينزلني من سيارته لأذهب إلي أحد الأكشاك التي كان يتوقف عندها، لأشتري له علبة سجائر »‬إل إم» الأمريكية التي كان يدخنها، ويطلب مني أن أدفع للبائع ثمنها وأحضر له الباقي، فيأخذ في محاسبتي حساب الملكين حتي لا يكون هناك قرش ناقص أو زائد. وكان ذلك يمثل لي مشقة كبيرة، كنت أشعر أنه لا داعي لها، فقد كان بإمكان والدي أن يطلب من البائع ما يريده، وكان البائع سيأتيه به حيث هو في السيارة. وحين لم يكن الباقي سليمًا كان يعلمني ألا آخذه من دون أن أقوم بعده، وكان يطلب مني أن أعود إلي البائع لأقول له إن الحساب غير سليم. لذلك فحين لا أجد لدي البائع السجائر التي يريدها والدي كنت أتنفس الصعداء، متصورًا أن مهمتي الثقيلة قد انتهت. لكنه كان يطلب مني أن أعود إلي البائع من جديد لأسأله أين يمكن أن نجد السجائر التي يريدها. كنت أكره ذلك لأني كنت أعلم أن والدي يفعله عمدًا، فلم يكن باقي النقود يعنيه كثيرًا، وكان يعلم أن سجائره إن لم تكن عند هذا البائع، ستكون حتمًا عند الذي بعده.
كنت أشعر تجاه والدي بمشاعر متناقضة، حيث كنت أكره فيه تسلطه وما كنت أشعر أنه ظلم لوالدتي، لكني كنت أعجب بقوته وبنجاحه في عمله. فقد أرسله جدي إلي كلية الزراعة كما كان يحدث آنذاك في العائلات صاحبة الأملاك الزراعية، وعلي الرغم من عدم ميله إلي الزراعة، فقد تمكن من التخرج في الكلية بفضل جهود زملائه كما كان يقول دائمًا، وكان من بينهم صديقه الصدوق المهندس سيد مرعي، الذي كان يحب الزراعة، وأصبح فيما بعد من ألمع نجومها في مصر.
وَمِمَّا عرفته بعد ذلك من سيد مرعي وهو يستعيد ذكرياته مع والدي بعد وفاته عام 1973، أن »‬شلتهم» بالكلية كانت تهوي المذاكرة في منزل والدي، وهو منزل بهية هانم رضوان الذي ما زال قائمًا حتي الآن بشارع عدي (شارع الموسيقار علي إسماعيل الآن) بالدقي ويسكنه عمي، اللواء المتقاعد عفيفي كساب. كانت جدتي في ذلك الوقت قد طُلقت من جدي، وكان زوجها الثاني، عبد السلام كساب بك، قد توفي، لكنها، بشخصيتها القوية، تصدت وحدها لتربية أولادها، وخاصة ابنها الأكبر سلماوي الذي لم تكن تربيته بالأمر الهين، وابنها الأصغر عفيفي الذي لم يحِد من انطلاقه هو الآخر إلا التحاقه بكلية الشرطة. أما عمتي سعاد فقد تزوجت ابن عمتها القائمقام عبد العال السيد، الذي أحبته والذي كان أحد أكثر نواب مجلس الأمة شعبية بسبب حب الناس له.
كان منزل بهية هانم رضوان، المبني علي طراز »‬الآر ديكو» الذي كان منتشرًا في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، مكونًا من أربعة أدوار، وقد سكنت جدتي الدور الأول الذي كانت واجهته تؤدي بدرج علي الجانبين إلي الحديقة الأمامية للمنزل، وقامت بتأجير بقية الأدوار إلي بعض العائلات التي كانت تربطها بها علاقات قوية، ومن بينهم عائلة المستشار نبيه بك الطرابلسي.
أما لماذا كانت شلة أصدقاء كلية الزراعة تحب المذاكرة عند سلماوي  حسب ما روي لي سيد مرعي ضاحكًا ـ فكان بسبب الحرية المتاحة لهم في هذا البيت الكبير، فقد كانوا يجتمعون في البدروم الفسيح الذي كان له مدخل مستقل، فلم يكن السكان يشعرون بمن دخله ومن خرج منه. وفي أحد الأيام أراد الأصدقاء دعوة بعض الضيوف من الجنس اللطيف إلي مقرهم الهادئ هذا، فتفتق ذهن مضيفهم عن حيلة بارعة تجنبهم أية مشاكل فيما لو تصادف أن لمح أحد السكان إحدي »‬الضيفات»أثناء دخولها البيت، فقد جمع لهن بعض ملابس أعضاء الشلة فارتدينها ودخلن البيت علي أنهن من الشباب. وتجلجل ضحكة سيد مرعي الشهيرة وهو يقول إن الشيء الذي لم يتمكن سلماوي من تغييره كان الصوت النسائي الرفيع الذي يبدو أنه تعالي بأكثر من اللازم فوصل إلي آذان بهية هانم، التي نزلت علي الفور إلي البدروم لتجد ما لم تكن تتخيله. فقامت بطرد الجميع من البيت، نساء ورجالًا، لكن ليس قبل أن »‬ترن» سلماوي علقة ساخنة أمام ضيوفه من الجنسين.
وحين تقدم والدي لخطبة كبري كريمات محمد شتا بك، كان مهندسًا زراعيًّا يعمل بمكتب وزير الزراعة، لكنه بسبب عدم ميله للزراعة كان دائم التأخر علي العمل. وفي إحدي المرات استدعاه 

الوزير، الذي أتصوره كان مصطفي نصرت بك، وعنفه بشدة علي تأخره المستمر، مذكرًا إياه بأن االوزارة دي مش عزبة أبوك!»، وهو ما أغضب والدي فرد عليه علي الفور:
ـ ولا هي عزبة »‬أبو معاليك»!
وكانت تلك الواقعة، التي سببت الحرج لجدي السلماوي حيث كان صديقًا للوزير، هي آخر عهد والدي بالوظيفة الحكومية.
بعد ذلك اتجه والدي إلي مجال الأعمال الحرة، وعمل مع جدي شتا في التجارة حتي وفاة الأخير، ثم أسس بعد ذلك شركاته الخاصة، التي كان مقرها في عمارة »‬الإيموبيليا» بشارع شريف بوسط البلد، والتي سكنها في أوقات مختلفة نجيب الريحاني وأسمهان وأنور وجدي.
علي أن والدي توسع في أعماله واتجه إلي العمل مع أوروبا وأمريكا، فحصل علي توكيل بعض أكبر الشركات العالمية، وكانت من بينها سيارات »‬بي إم في» الألمانية.
لكن سيارة والدي المفضلة، التي وضع عليها الرقم 500، هي »‬الكاديلاك» البيضاء التي كان يقودها السائق الأسمر الطيب الأسطي محمد، وقد كان والدي وكيلًا أيضًا لمنتجات »‬ديبون» الكيماوية الأمريكية، ومستحضرات تجميل »‬إليزابيث آردن». وقد جمعته هو ووالدتي صداقة قوية مع »‬مِس آردن»، وبعد تأميم شركاته عام 1962، كتب »‬مس آردن» يخبرها بما حدث ويشرح لها أن عملها الآن يجب أن يكون عن طريق الحكومة، فأرسلت له خطابًا وجدته بين أوراقه، تقول فيه إنه إذا لم يكن عملها في مصر عن طريق »‬مستر سلماوي» فإنها لن تتعامل مع مصر. وقد ظلت »‬إليزابيث آردن» بلا وكيل رسمي في مصر إلي أن توفيت عام 1966، وبعدها حصلت علي التوكيل إحدي شركات رجل الأعمال منصور حسن. وأذكر أن »‬مِس آردن» كانت قد أهدت والدي خاتمًا ذهبيًّا به حجر أونيكس أسود تتوسطه ألماسة صغيرة كان كثيرًا ما يرتديه، لكننا لم نعثر عليه بعد وفاته.
كما جمعت والدي بالمرحوم محمود أبو الفتح، صاحب جريدة »‬المصري» وأول رئيس لنقابة الصحفيين، صداقة قوية، وقد أسس معه »‬شركة الشرق للنقل الميكانيكي» التي حصل لها والدي علي التوكيل الحصري لسيارات »‬بي إم في»، وسيارات »‬فولكسفاجن» التي أدخلها لأول مرة إلي مصر. وكان ثمنها آنذاك أقل من 500 جنيه، لكن الإقبال عليها لم يكن كبيرًا في البداية، وكان من يأتون لشرائها يشكون من أن شكلها امكببب! ولم تحقق السيارة الانتشار الواسع الذي عرفته إلا بعد أن قام والدي بوضع سياسة تسهيلات في الدفع لم تكن معروفة في ذلك الوقت، صحِبتها حملة دعائية كبيرة للسيارة. وما زلت أذكر عندما كنا نقطع، في الصيف، الطريق الصحراوي إلي الإسكندرية، أن جميع اللافتات الصغيرة التي كانت علي جانبي الطريق، والتي كانت توضح المسافة بالكيلومتر، كانت تحمل علامة »‬فولكسفاجن» الدائرية. كما حصل والدي للشركة أيضًا علي توكيل سيارة أخري لم تعد موجودة الآن، اسمها»‬دي كا في»، وهي إحدي الشركات التي كونت شركة سيارات »‬أودي» فيما بعد. وبعد الثورة، فُرضت الحراسة علي جميع المساهمين في الشركة، وهم: محمود أبو الفتح، وحسين أبو الفتح، وقوت القلوب الدمرداشية، ومحسن عبد العزيز البدراوي، ومحمد طاهر سويلم، وعبد الرحيم الدمرداش. واستُثني المهندس سلماوي محمد، مع أنه كان عضو مجلس الإدارة المنتدب.
وقد سمع والدي ذات مرة من مجموعة من أصدقائه الجيولوجيين عن وجود إمكانيات كبيرة لاستخراج المنجنيز في جنوب الصحراء الشرقية، فانتقل معهم إلي تلك المنطقة القاحلة ومكث عدة أيام في خيمة وسط الصحراء يتابع معهم الأبحاث، وحين تأكد وجود المنجنيز بكميات وفيرة أسس »‬الشركة المصرية لصناعة التعدين» التي توسعت في نشاطها بعد ذلك، وحين جري تأميمها عام 1962، كان لها مصنع ضخم ومطار خاص وأسطول من سيارات النقل ينقل المنجنيز الخام إلي السويس في الشمال حيث يجري تحميله علي مراكب وتصديره إلي الخارج.
كان محامي شركات والدي هو المرحوم عبد الوهاب حسني، وقد أتي والدي ذات مرة بصديق له قال إنه ضابط بالجيش، وإنه منخرط في العمل الوطني ضد الإنجليز ومطلوب القبض عليه، وقال إنه يبحث عن عمل يخفي هويته. فعُيِّن سائقًا علي إحدي عربات النقل التابعة لشركة التعدين، وقد اعتاد الضابط المتخفي، الذي كان اسمه أنور السادات، أن يرتاد مقهي معينًا كلما كان في السويس. ويبدو أن المعلمة صاحبة المقهي، وكانت أرملة، أعجبت بهيئة الضابط الأسمر الوسيم الذي لم يكن مثل بقية السائقين، فأحبته وكانت تجزل العطاء من الشاي والقهوة والشيشة »‬التباع» الذي كان يصاحبه حتي يحدث السائق عنها.
ويبدو أن أنور السادات لم ينسَ هذا الجميل لعبد الوهاب حسني، فمن بين القرارات التي اتخذها في بداية توليه الحكم، قرار بتعيين الأستاذ عبد الوهاب حسني المحامي مستشارًا برئاسة الجمهورية.
وفي عام 1950، أدخل والدي لأول مرة في مصر أسلوب رش حقول القطن بالمبيدات الحشرية عن طريق الجو، فقد كان وكيلًا لشركة »‬هيلر» لطائرات الهليكوبتر، وكان لديه أسطول من الطائرات المخصصة لهذا الغرض، تطير فوق الحقول وترش من الجو مسحوقي »‬الدي دي تي» و»‬الكوتون داست» الحديثين، وهو ما كان ذا فاعلية أكبر من الرش اليدوي الذي كان مستخدمًا في ذلك الوقت. وفي العام التالي اتصل به حافظ عفيفي باشا، ناظر الخاصة الملكية، وقال له إنهم يريدون رش الخاصة الملكية بهذا الأسلوب الجديد الذي لم يكن قد انتشر في العالم بعد بشكل واسع، فذهب والدي في ذلك الصيف وأشرف بنفسه علي عملية الرش إلي أن تمت علي أكمل وجه، لكنه رفض تقاضي أي أجر عن ذلك العمل، إذ اعتبره خدمة عامة للبلاد. فوصله في خريف عام 1951 خطاب شكر من السراي، التي يبدو أنها ارتاحت لهذه الخدمة المجانية، فأرادت تكرارها في العام التالي. فقد فوجئ والدي بحافظ باشا يتصل به هذه المرة ليخبره بأنه قد تحدد له موعد مع جلالة الملك الذي يريد أن يشكره بنفسه علي ما قدمه للسراي من خدمة جليلة، كما لو أنهم تذكروا ذلك فجأة بعد ما يقرب من السنة ـ أم أنهم كانوا يعدون لطلب الخدمة المجانية نفسها في العام التالي؟
وهكذا توجه والدي يوم 4 يونيو 1952 إلي قصر عابدين، لموعد مع الملك لم يستغرق أكثر من ربع ساعة. قال له الملك وهو يودعه:
ـ شكرًا يا سلماوي باشا.
فابتسم حافظ عفيفي الذي كان حاضرًا ولم يعد يناديه بعد ذلك إلا بلقب باشا، ومن رئيس الخاصة الملكية انتقلت العدوي بسرعة إلي كثير من معارف والدي الذين أصبحوا ينادونه باللقب نفسه، ذلك أنه إذا أطلق جلالة الملك علي أحد لقب باشا يصبح كذلك، فالملك هو مانح اللقب وكلمته في هذا هي المرجع. وكان من المنتظر أن تصدر بعد ذلك شهادة رسمية من القصر، تُسمي »‬البراءة»، يُنعم مولانا بها علي الحائزين علي اللقب في ذكري عيد جلوسه علي العرش، لكن قبل أن يحل عيد الجلوس التالي في 6 مايو 1953، قامت الثورة في 23 يوليو 1952، وطُرد جلالته من البلاد علي طلقات المدفعية البحرية، وسرعان ما أُلغيت الألقاب، ومنها اللقب الذي استمتع به والدي لفترة لم تكمل الشهرين. ثم اكتشفت فجأة الصحف المصرية أن الباشوات كانوا أعداء للشعب، وأن الإقطاع والرأسمالية هما سبب الفقر والتخلف اللذين تعاني منهما البلاد، فأصبح والدي إذا ما نادي عليه أحد من معارفه القدامي بلقب باشا، لا يرد، نافيًا حصوله علي اللقب باعتباره لم يحصل علي البراءة.
ومع الوقت نُسي اللقب ونُسيت هذه القصة، إلي أن كتبها بعد عشرات السنوات الكاتب الصحفي إسماعيل النقيب في إحدي مقالاته بجريدة »‬الأخبار»، وكان الصديق عمرو موسي هو الذي نبهني إليها، فقرأتها واتصلت بإسماعيل النقيب لأسأله كيف عرف تلك القصة، فقال إن مصطفي أمين قصها عليهم في الجريدة.
ومع قيام الثورة طبق علي عائلتنا قانون الإصلاح الزراعي، فلم يكترث والدي كثيرًا لذلك، فهو لم يكن يهتم بالأراضي الزراعية. لكن في عام 1962، حدث ما جعله يهتم بالزراعة، لأول مرة في حياته. فقد ذهب فَراش مكتبه في الصباح الباكر ليفتح المكتب، الكائن بالدور الثالث بعمارة »‬الإيموبيليا»، فوجد المكتب مشمعًا بالشمع الأحمر. فاتصل علي الفور بوالدي الذي كان ما زال نائمًا، وأخبره بما وجد، وما زلت أذكر كيف سارع والدي بارتداء ملابسه وخرج من دون أن يخبر أحدًا بما حدث، ثم عاد فدخل غرفته ولم يتحدث إلي أحد.
وكان والدي قد سن تقليدًا في أسرتنا أسماه »‬فاميلي ميتنج»، بمقتضاه كان كل فرد من الأسرة لديه شكوي أو اقتراح أو موضوع يريد أن يطرحه للمناقشة، يدعو إلي هذا الاجتماع العائلي ويطرح ما يريد. وأذكر أن أكثر من كان يدعو لهذا الاجتماع هو شقيقي أشرف، الذي كان غالبًا ما يشكو من أنه يريد أن يخرج مع أصدقائه وأن والدتي أو والدي لم يسمحا له، فكنا نناقش الموضوع وينتهي الأمر دائمًا بعدم السماح له بالخروج إلا في إجازة نهاية الأسبوع. في مساء ذلك اليوم دعانا والدي إلي اجتماع للعائلة، لكن الموضوع هذه المرة كان جد خطير، وسيظل هذا الاجتماع بما قاله لنا فيه والدي عالقًا في ذهني ما حييت، لأنه أثر فيَّ تأثيرًا كبيرًا، وحدد لي موقفي من الثورة وسياساتها التي حتي ذلك الوقت لم أكن أفكر فيها وكنت أعتبرها أمرًا مسلمًا به.
أخبرنا والدي في ذلك اليوم أن شركاته كلها قد أُممت، وأنه من اليوم لم يعد يملك شيئًا غير الأراضي الزراعية وممتلكاته الشخصية، وقال لنا إنه سيتجه من الآن إلي تنمية ملكيتنا الزراعية وتطويرها، حيث كان هناك له في دسوق 30 فدانًا ورثها عن جدي بعد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، بالإضافة إلي عزبة في المحمودية تبلغ مساحتها 400 فدان، كانت لوزير الزراعة الأسبق عبد اللطيف محمود باشا، واشتراها منه المهندس مصطفي موسي، فاشتراها منه والدي باسم أولاده الأربعة، بواقع 100 فدان لكل منا، وهو الحد الأقصي الذي كان مسموحًا به للفرد، والذي أصبح، بعد تطبيق الميثاق، 50 فدانًا للفرد و100 فدان للأسرة.
وقال لنا والدي إنه محظوظ لأنه لم يوضع تحت الحراسة مثل بعض شركائه ومعارفه، وبالتالي فهو حر أن يعمل كما يريد، ومؤكد أنه سيجتهد حتي لا يتأثر مستوي معيشتنا، لكن ليس لنا أن نتطلع إلي المزيد. ثم نظر إليَّ وقال:
ـ هذا يعني أنك لن تستطيع السفر إلي إنجلترا، وأنك ستكمل تعليمك الجامعي هنا في مصر.
كنت وقتها في السنة الأخيرة بالمدرسة وكان المقرر أن ألتحق بجامعة »‬أوكسفورد» أو »‬كامبردج» في إنجلترا، اللتين اعتاد خريجو كلية »‬فيكتوريا» أن يذهبوا إلي واحدة منهما أو الأخري.
لم نفهم أنا وإخوتي لماذا يؤخذ من الإنسان ما هو ملك له، فشرح لنا والدي بكل بساطة، وبنص كلماته التي ما زلت أذكرها، أن جمال عبد الناصر لم يأخذ ما جري تأميمه لنفسه، وإنما هو يحاول أن يصلح من مشكلة سوء توزيع الثروة في مصر، حيث تحتكم فئة قليلة من الناس علي غالبية ثروة البلد، بينما النسبة الأكبر من الناس لا تملك إلا القليل. ودار نقاش طويل، وكان والدي، الذي أممت شركاته في اليوم ذاته، هو الذي أقنعنا بمنطق قرار التأميم. ثم انتهي الاجتماع العائلي وقد اقتنعنا بما حدث.
وأذكر أن نظرة الحزن الوحيدة التي لمحتها في عينيه في ذلك اليوم كانت حين قال، وكأنه يتحدث إلي نفسه:
ـ يا ليتني استرددت »‬البريتانيكا»! (دائرة المعارف البريطانية) لم يكن هناك وقت. سلمتهم كل شيء ومضيت.
وقد سُرَّ كثيرًا بعد ذلك حين وجدني، بعد أن انتقلت إلي بيت الزوجية، قد اقتنيت (بالتقسيط) الطبعة الحديثة من »‬البريتانيكا» بأجزائها الـ32، وكان كلما جاء لزيارتنا أبدي اعتزازه بما فعلت، وكأنني استعدت مجد العرب بعد أن سقط في الأندلس.
علي أن والدي أحضر لي معه في ذلك اليوم بروازًا أسود اللون به قصيدة الشاعر البريطاني »‬راديارد كيبلينج» الشهيرة »‬إذا»، التي كان الشاعر قد كتبها لابنه حين بلغ الأخير سن الـ21، وضمنها أهم النصائح التي يمكن أن يعطيها أب لابنه. وقد أمضيت ذلك المساء مع والدي أفك طلاسم هذه القصيدة بلغتها الأدبية البليغة، وظللت بعد ذلك أقرأها كل يوم، وما زلت أحتفظ بها داخل بروازها الأسود حتي الآن.
ولقد اندهشتُ كثيرًا بعد رحيل عبد الناصر، وحين بدأتْ في عهد السادات حملة الانتقادات الحادة للعهد الناصري، أن وجدت والدي ينتقد هو الآخر بعض الممارسات الناصرية، وخاصة تأميم الأعمال التجارية، ووجدته يقول إن الاقتصاد لا يمكن أن يزدهر في ظل الإدارة الحكومية. وفي إحدي المرات سألته، إذا كان هذا هو رأيه، فلماذا كانت محاولته إقناعنا يوم تأميم شركاته بجدوي هذا التأميم؟ فقال لي إنه لم يشأ أن نكون علي خلاف مع عصرنا، فنشعر أننا غرباء في المجتمع الذي نعيش فيه، لأننا بذلك لن ننتمي إلي عصرنا وسنظل نشعر بالمرارة، ما سيحول دون أن نحقق أي نجاح في حياتنا. قلت:
ـ لكنك بدوت مقتنعًا بذلك المنطق.

فقال:
ـ لقد شعرت أنه من واجبي نحوكم أن أنقل لكم منطق ذلك القرار، لا أن أنقل لكم تظلمي منه.
ولقد نجح والدي في ذلك بالفعل، فلم نعانِ أنا وإخوتي من ذلك الشعور بالظلم الذي أثقل علي كثيرين من أصدقاء الطفولة الذين تعرضت عائلاتهم لمواقف مماثلة، وهو الموقف الذي كبل حركتهم في مجتمع كانوا غير مقتنعين بتوجهاته، ومن ثم حال دون تقدمهم.
لكن أيًّا كانت أسباب والدي فيما فعله معنا في ذلك اليوم، فإنه وضع بالنسبة إليَّ علي الأقل اللبنة الأولي في فكري السياسي النابع من مبادئ ثورة يوليو التي، علي الرغم من تحفظاتي علي بعض ممارساتها، ما زلت أومن بتوجهاتها الأساسية، من العدالة الاجتماعية إلي القومية العربية.
ومرت الشهور وأتممت دراساتي الثانوية من دون أن يداخلني أي شعور بالندم لأني لن أسافر إلي إنجلترا. وبدأت أنظر فيما هو متاح لي هنا، لكني لم أعرف ماذا أدرس، وبأي كلية ألتحق. كانت لديَّ ميول أدبية واضحة، لكني كنت أميل أيضًا إلي التاريخ والعلوم السياسية من الناحية النظرية، كما كنت أتفاعل مع القضايا الوطنية التي نمر بها، والتي كان بعض منها يهزني هزًّا، مثل تأميم القناة، وحرب السويس، والوحدة مع سوريا، والانفصال الذي أذكر جيدًا أنني تألمت له ألمًا كبيرًا، وكذلك هزيمة ١٩٦٧.
وخلال بحث موضوع التحاقي بالجامعة مع والدي، لم يحاول أن يفرض عليَّ كلية معينة كما فُرضت عليه هو كلية الزراعة، بل قال لي:
ـ يجب أن تدرس ما تحبه حتي تكون ناجحًا في عملك بعد ذلك.
كنا في الصيف، وكنت أجلس إلي جواره في السيارة، ومررنا علي عمارة كبيرة تقع علي الكورنيش بالإسكندرية، فقال لي:
ـ انظر إلي هذه العمارة. قد تعجب إذا قلت لك إنها ملك لجزار. لكن بالتأكيد هو جزار ناجح لأنه استطاع أن يمتلك مثل هذه العمارة الشاهقة، وقد يكون هناك أطباء أو مهندسون فاشلون في عملهم لا يستطيعون دفع إيجار شقة واحدة في العمارة. إن سر النجاح هو أن تعمل ما تحب.
لم أكن أدرك وقتها أن الأدب والسياسة هما الساقان اللتان ستقوم عليهما حياتي العملية كلها، فقد كان الاثنان يتجاذبانني، كل منهما في طريق، لذلك لم أستطع أن أفاضل بين كلية الآداب وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وتواصلت مناقشاتي مع والدي، لكني لم أتمكن من حسم أمري، فقدمت أوراقي لكلية الآداب بجامعة القاهرة ولكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في الوقت نفسه، متمنيًا أن يتخذ القدر القرار الصعب نيابة عني، وأن أقبل في واحدة من الجامعتين وأرفض في الثانية. لكن القدر كان أكثر مكرًا مما تصورت، فقد قُبلت في الجامعتين، واقترح عليَّ والدي أن أحاول الحضور في الاثنتين لأكتشف أيتهما أقرب إلي نفسي. وهو ما فعلته، فظللت بالفعل أواظب علي الحضور في الجامعتين، إلي أن تعرفت علي الدكتور رشاد رشدي، الكاتب المسرحي الكبير، الذي كان رئيس قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، فشكلت لي محاضراته تحديًا فكريًّا لكل ما كنت أعرفه عن الأدب حتي ذلك الحين، وحطمت كل أفكاري السابقة عن الأدب والفن. واستغرقتني النظريات الحديثة في الأدب التي كان يدرسها لنا، والتي كان أقطابها »‬ت. س. إليوت»، و»‬روبرت بن وارين»، و»‬أ. أ. ريتشاردز»، و»‬كليانث بروكس»، و»‬ف. ر. ليفيز»، وغيرهم ممن أسسوا ما أصبح يعرف بمدرسة »‬النقد الجديد».
لم أكن قد سمعت بالدكتور رشاد رشدي قبل أن أدخل الجامعة. حين دخلت محاضرته لأول مرة، وجدت نفسي أمام رجل قامته تميل إلي القصر، شعره أسود داكن يميل إلي الطول، ووجهه ذو ملامح سمراء قوية ومميزة، أنيق للغاية في ملبسه، يضع منديلًا في كم الجاكيت ويخرجه بين الحين والآخر يمسح به عرقه ثم يعيده إلي كم الجاكيت مرة أخري. أما ما صدمني حقًّا فكان حديثه.
كنت أعرف أن الفن تعبير عن الذات، فوجدته يقول إن الفن هروب من الذات، فالفن ليس عملية تعبير وإنما هو عملية خلق، وأن الفنان قد يستخدم في عمله بعض تجاربه الشخصية لكنها، حين تدخل إلي العمل الفني وتختلط ببقية عناصره، تتحول إلي شيء جديد تمامًا، مثل الأوكسجين والهيدروجين حين يختلطان في ظروف كيميائية معينة فيتحولان إلي ماء ولا يعودان غازًا كما كانا.
وكنت أعرف أن الفن يحاكي الحياة، فوجدته يقول إن الفن يقدم ما هو غير موجود في الحياة، فالحياة موجودة من حولنا ولسنا بحاجة إلي من يعيد تقديمها لنا، والعمل الفني كائن عضوي قائم بذاته ومستقل عما عداه، وهو كالمولود، ما لم يقطع الحبل السري الذي يربطه بأمه لا تكتب له الحياة، فحياته في استقلاله عما عداه، بما في ذلك الحياة التي يبدو أنه يحاكيها.
وكنت أعرف أن العمل الفني يتكون من شكل ومضمون، فوجدته يقول إنه في الفن ليس هناك شكل منفصل عن المضمون، فالشكل في العمل الفني هو المضمون والمضمون هو الشكل، وإن تغير أي منها تغير معه الآخر.
وكنت أعرف أن الفنان يصوغ عمله الفني من مشاعره وأحاسيسه، وأنه كلما عبر عن تلك الأحاسيس استطاع الإبداع بشكل أفضل، فوجدته يقول إن قيمة العمل الفني لا تنبع من أحاسيس الفنان ومشاعره، وإنما من مهارته الفنية وحرفيته، أيًّا كانت مشاعر الفنان.
وكنت أعرف أن الأعمال الفنية الكبري هي تلك التي يمكن أن يُستخلص منها معني عظيم، فوجدته يقول إن المعني الوحيد في العمل الفني هو »‬المعني الكلي» الذي لا ينفصل عن العمل في مجمله، فلكي ننقل معني القصيدة يجب أن ننقل القصيدة كلها لأن معناها لا ينفصل عنها بكامل أجزائها.
وكنت أعرف أن النقد مهمته أن يفسر لنا العمل الفني، فوجدته يقول إن مهمة الناقد أن يحلل لنا العمل من داخله، لا أن يضفي عليه تفسيراته الشخصية.
وقد انغمست في نظريات »‬النقد الجديد» التي كان يطرحها علينا الدكتور رشاد رشدي، وبدأت أحضر محاضراته للسنوات الأخري، ووجدت نفسي كثيرًا ما أنسي مواعيد محاضرات الجامعة الأمريكية، إلي أن استقر بي المقام بالتدريج بقسم اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة ولم أعد أذهب إلي الجامعة الأمريكية.
وقد وجدت أن الجدل نفسه الذي كان يدور بداخلي حول نظريات »‬النقد الجديد» كان يدور في ذلك الوقت علي صفحات الجرائد، في تلك المساجلات الشهيرة بين الدكتور رشاد رشدي والدكتور محمد مندور، الذي كان ما زال يؤمن بنظريات النقد القديمة التي انتشرت مع المدرسة الرومانسية في الشعر في القرن التاسع عشر، والتي جسدتها مقولة الشاعر البريطاني »‬وليام وردزورث» بأن »‬الشعر هو التدفق التلقائي للمشاعر».
وكنت أشعر، وأنا في السنة الأولي بالجامعة وسني ١٧ عامًا، أنني طرف في هذه المعركة الأدبية التي كانت محط اهتمام الوسط الثقافي كله في ذلك الوقت، والتي كانت آخر المعارك الأدبية الكبري المؤثرة في الحياة الثقافية كما لم يحدث بعد ذلك، وقد ربطت هذه المعركة في ذهني منذ ذلك الحين بين الدراسة والواقع الأدبي، وبين مهمة الأستاذ في الجامعة ومسئوليته في المجتمع.
وكان من بين أساتذتنا بالكلية الدكتور مجدي وهبة، الذي كنت أهوي محاضراته عن شعر »‬جون دان» وصحبه من »‬الشعراء الميتافيزيقيين» كما يسمون، والدكتورة فاطمة موسي التي فتحت عينيَّ علي روائع الروائية »‬جين أوستن»، والدكتورة أنجيل بطرس سمعان والدكتور فخري قسطندي وغيرهم، وقد جمعتني بهم جميعًا علاقات قوية وحميمة، وكنت أسعد كلما سمعت أن الدكتور مجدي وهبة ـ الذي كنت أكن له تقديرًا كبيرًا ـ يقول إنني أنْجَب طلبة الدفعة. وقد اختاره الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة بعد ذلك وكيلًا للوزارة للعلاقات الثقافية الخارجية، وشاءت الأقدار أن أجلس مكانه في هذا الموقع نفسه حين انتدبت وكيلًا لوزارة الثقافة للعلاقات الخارجية عام ١٩٨٨. كما كانت تجمعني علاقات وثيقة بالدكتور عزيز سليمان وزوجته الألمانية »‬إيزولده» حيث كان يشرف علي فريق التمثيل بالقسم وكان يختارني للقيام ببطولة مسرحيات اشكسبيرب التي كنا ندرسها.
وقد أخطرني ذات يوم الدكتور عزيز أن البرنامج الأوروبي بالإذاعة يبحث عن ممثلين إذاعيين يجيدون الإنجليزية لتقديم الأعمال الأدبية العالمية في سهرات درامية، فتقدمت مع زميلتي نيفين فتحي، التي صارت بعد ذلك دبلوماسية في الخارجية المصرية، ونجحنا في الامتحان.
أما بالنسبة إلي فريق الجامعة فقد كنا نقدم عروضنا علي مسرح الحكيم بشارع عماد الدين، الذي كان الدكتور رشاد رئيسًا له. وقمت ذات مرة بدور البطولة في مسرحية »‬عطيل»، ما استلزم أن أصبغ وجهي كل ليلة بصبغة سوداء كنت أجد صعوبة في مسحها بعد انتهاء العرض لعدم جودة المستحضرات الخاصة بمسح »‬المكياج» الموجودة بالمسرح، فكنت في كثير من الأحيان أعود في الليل إلي المنزل من دون أن يلحظني أحد، وأستعين بمساحيق والدتي التي كانت تنزع تلك الصبغة بسهولة وترطب الجلد. وذات مرة صحت أختي الصغري هداية من نومها وسط الليل لتجد أمامها عفريتًا أسود يبتسم لها بأسنانه البيضاء، فأصيبت بصدمة وأخذت تصرخ إلي أن صحا كل من في البيت.
وفي مرة أخري يبدو أنني انفعلت في المشهد »‬الذي يخنق فيه »‬عطيل» »‬ديدمونة»، فإذا بـاديدمونة» ـ التي كانت تؤدي دورها زميلتي العزيزة، التي أصبحت فيما بعد الناقدة المسرحية الكبيرة الدكتورة نهاد صليحة ـ تصيح بكلمات استغاثة خارجة عن النص الشكسبيري.
وقد نشأت بيني وبين الدكتور رشاد رشدي علاقة أستاذية وصداقة استمرت حوالي عشرين عامًا. وأذكر أننا كنا نذهب في بعض الأحيان أنا وهو وزوجته آنذاك، الدكتورة لطيفة الزيات، لحضور العروض الموسيقية لأوركسترا القاهرة السيمفونية بدار الأوبرا القديمة. وقد لاحظت أن الدكتور رشاد كان دائم التوجيه لنظر الدكتورة لطيفة إلي بعض تفاصيل المعزوفة التي كنا نسمعها، كأن يقول لها في الحركة الثانية لسيمفونية »‬بيتهوفن» الثالثة، »‬البطولية»، إن هذا هو المارش الجنائزي.
وكان الدكتور رشاد كلما انتهي من كتابة مسرحية جديدة دعا أصدقاءه المقربين وبعض طلبته علي العشاء في بيته ليقرأها علينا، وحين كان يحل عيد ميلاده في شهر فبراير من كل عام، كنت أقيم له في بيتنا بالزمالك حفلًا بهذه المناسبة أدعو إليه أصدقاءه من الوسط المسرحي

 وطلبته المقربين.
وفي السنة النهائية بالجامعة جاء المخرج السينمائي حسام الدين مصطفي إلي كلية الآداب ليختار من أعضاء فريق التمثيل بقسم اللغة الإنجليزية من يصلحون للتمثيل في فيلم كوميدي كان يستعد لإخراجه لفؤاد المهندس وشويكار، كان اسمه »‬شنبو في المصيدة»، من تأليف الكاتب الصحفي الراحل أحمد رجب. وقد اختارني أنا وطالبة أخري كانت ممثلة مسرحية جيدة، فوافقت علي الفور وذهبت إلي اختبار الكاميرا، فنجحتُ ورسبت زميلتي. وحين جاء وقت التنفيذ بعد ذلك بعدة شهور وتلقيت »‬أوردر» التصوير، طلبت نسخة من سيناريو الفيلم لأقرأه، لكن مساعد المخرج ـ وكان اسمه أحمد السبعاوي  أخبرني أنه لم يعد هناك نسخ من السيناريو، فاستفسرت منه:
ـ كيف سأؤدي دوري إذن؟
فضحك وقال لي:
ـ حأقولك الكلام وانت تقوله ورايا للكاميرا.
فقد كان الفيلم هزليًّا، وكان دوري أكثر هزلًا، ولم تعجبني التجربة فلم أكررها.
كنا قد تركنا شاطئ ميامي وانتقلنا إلي شاطئ المعمورة حين كان بها مبني واحد فقط، سُمي بعد ذلك »‬مبني اللوتس»، وكان يشبه السفينة، وكانت لنا الكابينتان في مقدمة السفينة في الدور العلوي، وكنا نأتي كل يوم من منزلنا بجوار »‬كازينو بترو» بمحطة السراي إلي شاطئ المعمورة. وبعد تعرض والدي للتأميم، تركنا شقتنا بالإسكندرية ـ التي كنا ندفع لها إيجارًا شهريًّا طوال السنة ولا نستخدمها إلا خلال أشهر الصيف الثلاثة ـ وانتقلنا للعيش بالمعمورة حيث كانت الكابينة تتضمن ثلاث غرف نوم وحمامًا ومطبخًا وشرفات مطلة علي البحر.
وفي إحدي المرات زارنا بالمعمورة أحمد يحيي، الذي أصبح مخرجًا سينمائيًّا كبيرًا بعد ذلك، فقد كانت تربطنا علاقة مصاهرة مع والدته، التي كانت متزوجة من المخرج حلمي حليم. كان »‬توتو» ـ كما كنا نسميه ـ ما زال في السادسة عشرة من عمره، لكنه كان قد بدأ مشواره السينمائي بالفعل بالقيام بدور الطفل أمام عدد من أشهر النجوم مثل عبد الحليم حافظ وهند رستم وتحية كاريوكا وإسماعيل يس.
في تلك السنوات، كنت قد اعتدت، كلما حلت الإجازة السنوية التي كنا نقضيها بالكامل في الإسكندرية، أن آخذ معي مجموعة من الكتب التي كنت سأقرأها خلال الصيف. في تلك الزيارة صحب معه ممثلة ناشئة لم نكن نعرفها، لكنها كانت خفيفة الظل وخلبت قلوبنا جميعًا، هي سعاد حسني.
وبالرجوع إلي الكراسات التي كنت أدوِّن بها ملاحظاتي علي الكتب التي قرأتها خلال السنوات، ما بين المدرسة والجامعة، أجد أنني قرأت كثيرًا في الموسيقي التي أعشقها، فكنت أدرس البناء السيمفوني وكيف تتألف السيمفونية من أربع حركات، وكيف يختلف قالب كل حركة عن الأخري، وما هي »‬الكودا» وكيف تأتي في نهاية الحركة الأولي أو الأخيرة من الكونشرتو. كما قرأت تاريخ الموسيقيين الكبار وخاصة هؤلاء الذين كنت أعشقهم مثل »‬بيتهوفن» و»‬تشايكوفسكي» و»‬برامز» و»‬فاجنر» و»‬شوبرت» وشاعر البيانو »‬شوبان» الذي كنت أعزف بعض مقطوعاته أثناء دراساتي للبيانو، والذي لا أتصور أن أحدًا فهم طبيعة هذه الآلة مثله، ولا أحد جعلها تشدو بالحنين مثله، فهو لم يمس آلة  أخري طوال حياته، وكتب ١٤٢ مقطوعة كانت كلها بلا استثناء للبيانو، حتي إن مقطوعتي الكونشرتو اللتين كتبهما للبيانو والأوركسترا كتبهما في الأصل لآلتي بيانو ثم جري بعد ذلك توزيع إحدي الآلتين للأوركسترا. من بين المعزوفات التي كنت أعشقها في ذلك الوقت، والتي كنت أعاود الاستماع إليها كلما استطعت، سيمفونيات ابيتهوفنب الثالثة والخامسة والتاسعة، وكونشرتو البيانو رقم ٣ الذي كنت أستمع إليه يوميًّا، وكان أخي أشرف يستمع إليه مرغمًا إلي أن أصبح مقطوعته الكلاسيكية المفضلة هو الآخر، والسيمفونية الأولي لـ»‬برامز» التي وصفها نقاد عصرها بأنها السيمفونية العاشرة لـ»‬بيتهوفن»، وسيمفونيات »‬تشايكوفسكي» الخامسة والسادسة، ورابسوديات »‬فرانتز ليست»، وأوبرات »‬فردي» و»‬فاجنر»، وغيرها.
أما الاكتشاف الموسيقي الذي بهرني حقًّا فكان أبو بكر خيرت، وكنت أتصور قبل أن أستمع إلي موسيقاه أن الموسيقي الكلاسيكية جزء من التراث الغربي الذي كنت منفتحًا عليه، وأنها لا تمت بصلة إلي تراثنا الوطني. لكني حين حضرت لأول مرة حفلًا موسيقيًّا لأوركسترا القاهرة السيمفوني قُدم فيه أحد أعماله (لعلها السيمفونية الشعبية)، وجدته يحقق في الموسيقي ما كنت تواقًا إلي تحقيقه في حياتي. فقد عبر عن الهوية الوطنية من خلال القوالب العالمية، فحل لي معضلة الانتماء التي كانت تشغلني في ذلك الوقت. وهكذا ظللت أتابع كل عمل جديد لذلك الموسيقي العبقري الذي خلق لي جسرًا كنت أبحث عنه بين الثقافة الأجنبية التي كنت أعشقها، والهوية القومية التي كنت أحرص عليها.
كما قرأت عن الفن التشكيلي، وخاصة »‬بيكاسو»، تلك العبقرية النادرة التي لم تتكرر، بالإضافة إلي »‬ليوناردو» و»‬بوتيتشيللي» و»‬رفائيل» و»‬ماتيس» و»‬جوجان» و»‬جويا» و»‬تولوز-لوتريك» والانطباعيين و»‬شاجال» و»‬برنار بوفيه» و»‬إل جريكو» الذي كنت أهواه بشكل خاص. كما تعرفت علي أعمال محمد سعيد الذي كان ما زال علي قيد الحياة، وعلي أعمال فناني الستينيات العظام مثل عبد الهادي الجزار وحامد عويس وتحية حليم وصلاح طاهر.
وفي مجال الأدب قرأت كل أعمال »‬كافكا»، وكل أعمال »‬أوسكار وايلد»، ومعظم أعمال »‬سارتر» و»‬كامو»، وكثيرًا من أعمال »‬وليام فوكنر» و»‬د. هـ. لورانس» و»‬جين أوستن» و»‬فلوبير» و»‬تولستوي» و»‬كوكتو» وجبران خليل جبران وبعض أعمال »‬فرانسواز ساجان» التي لم أفهم لماذا حققت كل تلك الشهرة في سنوات الستينيات.
وقد استمرت معي عادة قراءات الصيف هذه إلي ما بعد تخرجي في الجامعة، وألاحظ أن الكراسة الخاصة بصيف ١٩٦٦ ـ وهي السنة التي تخرجت فيها ـ تضمنت عشرات المسرحيات التي كانت تنتمي كلها إلي مسرح العبث، والتي اشتريت معظمها من مكتبة »‬شادي» التي كانت بشارع عبد الخالق ثروت بوسط البلد، وكانت آنذاك مكتبتي المفضلة، فقد كانت تأتي من الخارج بأحدث الكتب الأدبية. وهكذا جمعت وقرأت معظم مسرحيات »‬يونسكو» و»‬بيكيت» و»‬أداموف»، و»‬فرناندو »‬رابال» الذي كنت أعشقه ولم يكن معروفًا كثيرًا في مصر. وقرأت كذلك كل أعمال »‬جان جينيه»، سواء المسرحية أو الروائية، ومعها كتاب »‬سارتر»، »‬القديس جينيه»، الذي كسر به الفيلسوف الفرنسي نظريته النقدية التي طالما أصر عليها، والقائلة بأن التقييم الحقيقي لأي فنان لا يتحقق إلا بعد وفاته، فعندئذٍ تكون أعماله قد اكتملت، ويساهم كل عمل منها في إلقاء الضوء علي الأعمال الأخري. لكنه ما إن قرأ جينيه حتي وجد فيه التجسيد الحي للفلسفة الوجودية التي ابتدعها، حيث الاختيار الحر للإنسان، أيًّا كان هذا الاختيار، حتي لو كان اختيارًا للشر كما في حالة »‬جينيه» الذي كان خارجًا علي القانون بإرادته الحرة، وسُجن عدة مرات، ثم واجه حكمًا بالإعدام لولا النداء الذي رفعه أدباء فرنسا وعلي رأسهم »‬سارتر» نفسه إلي الرئيس »‬ديجول» بالعفو عنه. فقد كان »‬جينيه» هو الذي كتب في مسرحية »‬الستائر»: أيها الشر، أيها الشر الرائع، يا من تبقي لنا بعد أن يتخلي عنا الجميع... أيها الشر الرائع إنك ستعيننا... أتوسل إليك، أتضرع إليك وقوفًا أن تأتي لتخصب شعبي.
وكنت قد قرأت لـ»‬سارتر» علي مدي السنوات كثيرًا من أعماله، ومن بينها »‬العادلون» واسجناء »‬لتونا» و»‬الشيطان والرب»، التي أدهشني فيها أن يقول الشيطان للرب: »‬أنت تحتاجني بقدر ما أحتاجك، فبالنسبة إليك أنا الضد، والأشياء تُعرف بأضدادهاب. كما قرأت االمومس الفاضلة»، وقد لفت نظري، حين اطلعت بعد ذلك علي ترجمتها العربية التي نشرت في الستينيات، أن الكلمة الأولي في عنوانها كتبت كاملة علي الغلاف، بينما الأصل الفرنسي حمل الحرف الأول من الكلمة فقط، متبوعًا بثلاث نقاط. كما قرأت لكامو »‬كاليجولا» واسوء الفهم»، ورواية »‬الغريب» التي اعتبرها طه حسين رائعته الوحيدة، وقد علقت بذهني طويلًا.
وفيما يتعلق بالأدب العربي فأجد في كراسات تلك السنين عشرات العناوين لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيي حقي، ورواية »‬قنطرة الذي كفر» لمصطفي مشرفة، و»‬أيام معه» لكوليت خوري، ثم »‬قصة الموال» لميلاد واصف، و»‬اعترافات أبو نواس» لكامل الشناوي، و»‬العنكبوت» لمصطفي محمود.
أما في المجالات الأخري فقد قرأت في التاريخ المصري القديم لـ»‬ليونارد كوتريل» واكريستيان ديروش نوبلكور»، وفي علم النفس قرأت لـ»‬ألفريد آدلر» و»‬أنطوني ستور»، وفي تاريخ الأمة العربية قرأت عديدًا من الكتب، من بينها »‬العالم العربي» لنجلاء عز الدين، و»‬مصر الفتية» لـ»‬ديزموند ستيوارت»، و»‬ملك وست وزارات» لموسي صبري، كما قرأت لـ»‬سير أنطوني ناتنج» »‬العرب» و»‬لورنس العرب»، وقد أعجبت كثيرًا بهذا الرجل المحب للعرب والذي وقَّع مع عبد الناصر اتفاقية الجلاء عام ١٩٥٤، واستقال عام ١٩٥٦ كوزير دولة للشؤون الخارجية في حكومة »‬سير أنطوني إيدن» احتجاجًا علي حرب السويس. وحين عملت بعد ذلك في »‬الأهرام» وجاء »‬ناتنج» إلي مصر في أعقاب رحيل عبد الناصر ليكتب كتابًا عنه، سعيت للقائه وأجريت معه حديثًا نُشر في »‬الأهرام»، ونشأت بيننا علي أثره صداقة قوية جعلته يدعوني إلي بيته الريفي في إنجلترا خلال زيارة لي إلي لندن، وقد ساعدته، خلال وجوده في القاهرة، في جمع بعض المعلومات التي كان يريدها لكتابه، وأهداني صورة شخصية له كتب عليها »‬إلي محمد سلماوي مع الامتنان ـ أنطوني ناتنج».
وخلاف الكتب أذكر في إحدي الصيفيات، وكنت ما زلت بالمدرسة، أنني قررت أن أتعلم الكتابة علي الآلة الكاتبة، فاشتريت إحدي الآلات الكاتبة الصغيرة التي كانت قد صدرت حديثًا، والتحقت بأحد المعاهد المتخصصة في ذلك برمل الإسكندرية، فكنت أنزل بالمواصلات من المعمورة حتي محطة الرمل ثلاث مرات في الأسبوع، وفي الصيف التالي تعلمت الاختزال علي طريقة »‬بيتمان»، ما نفعني كثيرًا أثناء كتابة المحاضرات بالجامعة، كما نفعتني الآلة الكاتبة في كتابة نصوص برامجي لإدارة البرنامج الأوروبي قبل تسجيلها.
وهكذا أقبلت علي الحياة في سن المراهقة، أغترف منها من دون شبع، وكأني أعوض سنوات الانطواء التي مرت عليَّ في طفولتي حين كنت مثل عشبة كف مريم اليابسة المنطوية علي نفسها قبل أن يطولها الماء فتنمو وتزدهر، وهو ما حدث لي في تلك السن حيث انفتح أمامي الأفق واسعًا بعد أن أردته ضيقًا كثقب الإبرة في طفولتي. كنت أسعي في سنوات التكوين هذه إلي تحقيق ما نادت به قصة إحسان عبد القدوس التي لا أذكر اسمها، حتي أكون صانعًا للأحداث وليس متفرجًا عليها، وهو الدور الذي قيض أن يكون لي طوال حياتي. وحتي حين لم أكن أسعي إليه، كنت أجده هو يسعي إليَّ كالقدر المحتوم.