رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

الافتتاحية‮ ‬

وانتصرت الصحافة الثقافية


طارق الطاهر
6/24/2017 10:02:08 AM

ما حدث‮ ‬يوم الأحد الماضي في جلسة التصويت علي جوائز الدولة،‮ ‬هو انتصار للصحافة الثقافية،‮ ‬التي طالما انتقدت تصويت قيادات وزارة الثقافة في جوائز الدولة،‮ ‬فعلي مدي ما‮ ‬يقرب من ربع قرن تابعت فيها جلسات التصويت،‮ ‬كان الانتقاد الواضح لي ولزملائي في مختلف الصحف،‮ ‬هو كيف‮ ‬يصوت القيادات،‮ ‬الذين بشكل أو آخر‮ ‬يخضعون لرؤية الوزير،‮ ‬بما‮ ‬يشكل كتلة تصويتية قادرة علي تعديل النتائج،‮ ‬بل والتحكم فيها في أحيان كثيرة،‮ ‬في فوز مرشح وإقصاء آخر،‮ ‬فهي كانت بمثابة الكتلة الحرجة القادرة علي إحداث الفارق‮.‬
ذات‮ ‬يوم سألت وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني هل قيادات الوزارة‮ ‬يصوتون وفقا لرؤيتك،‮ ‬فأجاب بوضوح‮" ‬الوزارة‮ ‬يجب أن تتماشي مع رؤية وفلسفة الوزير‮" ‬في حوار منشور في أخبار الأدب،‮ ‬وهي إجابة كانت قاطعة،‮ ‬في أن هؤلاء القيادات‮ ‬يشكلون قوة تمنح وتمنع،‮ ‬أنا هنا لا أقلل من قيمة ومكانة العديد ممن تولوا المناصب القيادية في وزارة الثقافة،‮ ‬فهؤلاء لهم الاحترام والتقدير،‮ ‬لكني هنا أتحدث عنهم بصفتهم الوظيفية التي تسمح لهم بالتصويت علي الجوائز،‮ ‬المهم ما حدث في‮ ‬يوم الأحد الماضي هو عدم تصويت القيادات وكذلك الوزراء،‮ ‬فيما عدا وزير الثقافة،‮ ‬وهي أول جلسة تشهد التطبيق الفعلي للقانون رقم‮ ‬9‮ ‬الذي صدر وصدق عليه رئيس الجمهورية في مارس الماضي،‮ ‬فلأول مرة‮ ‬يحضر القيادات جزءا من الاجتماع ثم‮ ‬ينصرفون قبل جلسة التصويت،‮ ‬بعدها في المؤتمر الصحفي سألت الكاتب الصحفي حلمي النمنم وزير الثقافة،‮ ‬بصفته محررا ثقافيا،‮ ‬تابع هذه الجلسات علي مدي سنوات طوال،‮ ‬ماذا رأي من فارق في هذه الجلسة عن الجلسات السابقة بعد تطبيق القانون الخاص بعدم تصويت القيادات‮: ‬أجاب‮: ‬أن الأسماء الفائزة هي التي تجيب عن هذا السؤال،‮ ‬وهي إجابة أعتقد أنها توحي بموافقته علي القانون وما حدث في هذه الجلسة‮.‬
من وجهة نظري بصراحة تامة إن ما حدث هو إيجابية كبيرة،‮ ‬ستؤدي إلي تغيير نمط الأسماء التي تفوز تباعا،‮ ‬لكن هذا الاجراء سيظل منقوصا ما لم‮ ‬يتبعه إجراءات أخري،‮ ‬أعتقد أنها من سلطة المجلس،‮ ‬ولا تحتاج إلي قانون،‮ ‬خاصة أن المجلس قد حصل علي موافقة من أعضائه بتغيير لائحته،‮ ‬وهنا أقترح علي وزير الثقافة أن تتضمن هذه اللائحة شروطا واضحة تلزم بها الجهات المرشحة،‮ ‬ويجب أن تتبعها عند اختيار مرشحيها،‮ ‬وربما‮ ‬يكون كلامي هذا قريبا مما ذكره د‮. ‬مصطفي الفقي‮- ‬في جلسة التصويت‮- ‬أننا أمام جوائز تحمل أسم الدولة المصرية،‮ ‬وليس أمام جوائز أكاديمية،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجب أن تراعيه الجامعات في اختيارتها،‮ ‬فلا‮ ‬يكفي أن تقدم أسماء أساتذة لهم إنتاجهم العلمي المرتبط بتخصصاتهم،‮ ‬بل‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون لهم مشاركة فعالة أكبر من فكرة أبحاث الترقية فقط‮.‬
ما قاله د‮. ‬الفقي هو جوهر مشكلة ترشيحات الجامعات،‮ ‬التي تأتي معظمها لترشح أساتذتها،‮ ‬ولا تلتفت لأي قيمة خارج أسوار الجامعة،‮ ‬إلا فيما ندر،‮ ‬والحقيقة أنها لا ترشح فقط،‮ ‬بل تتعصب لمرشيحها وتصر عليهم عاما بعد عام،‮ ‬رغم أنهم ليس فقط لا‮ ‬يفوزون،‮ ‬بل‮ ‬يحصلون في التصويت علي‮ " ‬صفر‮"‬،‮ ‬فهناك أسماء ترشحها الجامعات منذ عشرين عاما أو أكثر ولم تفز،‮ ‬وعلي أقل تقدير أجري التصويت عليها عشر مرات،‮ ‬والجامعات مصرة علي ترشيحها،‮ ‬الذي لا‮ ‬يحوذ ثقة المجلس،‮ ‬لذا أعتقد أن في اللائحة الجديدة ممكن أن‮ ‬يكون هناك بند واضح أن الجامعات لا ترشح اسما أكثر من مرتين في مدة زمنية محددة،‮ ‬بما‮ ‬يتيح التفكير في أسماء جديدة،‮ ‬لأن في حقيقة الأمر أن الجامعة بإصرارها علي ترشيح أسماء لا تفوز،‮ ‬تضيع فرصة في أن ترشح أجيالا جديدة حتي لو من داخل الجامعة،‮ ‬كما أنه من الملاحظ أن الجامعات تلتزم بالأقدمية في ترشيحاتها،‮ ‬رغم أنه من الممكن أن‮ ‬يكون لديها أستاذ مساعد له إسهاماته المتميزة،‮ ‬لا‮ ‬يمكن للجامعة أن ترشحه في ظل وجود أستاذه الذي لا‮ ‬يفوز،‮ ‬وهو أمر‮ ‬يمثل تضييقا علي أجيال‮ ‬يجب أن تحصل علي فرصها‮.‬
وربما ما ذكرته‮ ‬يؤيده النتائج في السنوات الأخيرة،‮ ‬التي جعلت جامعات عريقة مثل‮  ‬القاهرة والإسكندرية وعين شمس وأسيوط،‮ ‬تخرج من قائمة الجهات الفائزة‮ ‬،‮ ‬أو أن‮ ‬يكون نصيبهم قليلا من مجمل الجوائز وهو أمر‮ ‬يستدعي التفكير كيف لهذه الجامعات العريقة ألا‮ ‬يفوز مرشحوها،‮ ‬ولا أكون مبالغا أن الأمر‮ ‬يتعدي التفكير إلي المساءلة،‮ ‬لأن معناه أن الترشيحات المقدمة لم تقنع أعضاء المجلس الذي من بينه النسبة الأغلب الآن من أساتذة الجامعة أنفسهم‮.‬
والدليل علي صحة كلامي من قراءة جوائز هذا العام،‮ ‬نجد أن جامعات‮: ‬القاهرة،‮ ‬عين شمس،‮ ‬الإسكندرية،‮ ‬أسيوط،‮ ‬لم‮ ‬يفز أي من مرشحيهم،‮ ‬وأن نصيب أكاديمية الفنون جائزة وحيدة وهي جائزة النيل في العلوم الاجتماعية،‮ ‬التي حصل عليها د‮. ‬صبري الشبراوي،‮ ‬في حين أن جامعة جنوب الوادي فازت بمرشحين الراحل العلامة د‮. ‬الطاهر مكي الذي حصل علي جائزة النيل في الآداب،‮ ‬ومصطفي الضمراني الذي فاز بالجائزة التقديرية،‮ ‬في حين مثلا نجد أن د‮. ‬شاكر عبد الحميد الأستاذ المرموق الذي تولي ذات‮ ‬يوم منصب نائب رئيس الأكاديمية،‮ ‬من رشحه للفوز بالجائزة التقديرية في العلوم الاجتماعية هو أتيليه الإسكندرية،‮ ‬وليس جامعته‮ " ‬جامعة القاهرة‮" ‬و أكاديمية الفنون التي أنتقل إليها أستاذا صاحب اسهامات كبيرة‮.‬
بصفة عامة إن نصيب جامعات مصر كلها من جوائز هذا العام ثلاث جوائز فقط،‮ ‬بالإضافة لجائزتي مكي والضمراني،‮ ‬نجد جائزة أحمد شيحا مرشح جامعة المنيا للتقديرية في الفنون‮.‬
هذا الواقع‮ ‬يجب أن‮ ‬يدرس سواء من قبل أعضاء لجنة تعديل لائحة المجلس،‮ ‬ومن قبل ــ‮  ‬أيضا ــ‮  ‬المجلس الأعلي للجامعات لأنه‮ ‬ينطوي علي دلالات خطيرة تمس جوهر وقيمة وسمعة الجامعات‮.‬
يضاف لذلك أنه في السنوات القادمة من المؤكد أن خريطة الفوز بالجوائز ستتغير أكثر،‮ ‬وذلك عقب تطبيق القانون رقم‮ ‬8‮ ‬الصادر في مارس من هذا العام،‮ ‬الذي‮ ‬يعطي للجان المتخصصة سلطة تقليص عدد المتقدمين،‮ ‬وتقديم قائمة قصيرة للمجلس للتصويت عليها،‮ ‬بمعني أن،‮ ‬جائزة الدولة التقديرية في الآداب،‮ ‬ثلاث جوائز،‮ ‬فتقدم لجنة الفحص تسعة أسماء فقط للتصويت،‮ ‬وعلي المجلس الاختيار من هذه القائمة فقط،‮ ‬قيمة هذا الاجراء أنه‮ ‬يجعل هناك سلطة ما للجنة المتخصصة،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتم التصويت من قبل كل أعضاء المجلس بمختلف تخصصاتهم،‮ ‬بمعني أننا في الآداب ستكون لجنة الفحص من نقاد وأدباء بينهم من حصلوا علي الجائزة التقديرية والنيل،‮ ‬هؤلاء‮ ‬يفحصون أعمال المتقدمين،‮ ‬ويضعون قوائمهم،‮ ‬ويأتي المجلس الذي‮ ‬يضم شخصيات من كافة التخصصات للتصويت علي هذه القائمة،‮ ‬وهذا أمر سيؤدي إلي ضبط الأسماء الفائزة‮.‬
وربما‮ ‬يكون من حسنات جلسة الأحد الماضي،‮ ‬هو القرار الذي اتخذه المجلس،‮ ‬بناء علي اقتراح من وزير الثقافة بتشكيل لجنة لدراسة ظاهرة الحجب،‮ ‬لأنه لوحظ حجب العديد من الجوائز خاصة في مجال العلوم الاقتصادية والقانونية نتيجة قلة عدد المتقدمين للجائزة أو عدم التقدم لها،‮ ‬وسوف تضع اللجنة تصورات لمواجهة هذه الظاهرة‮.‬
هذه الإجراءات وغيرها تؤكد أننا أصبحنا بالفعل نسير في الطريق السليم نحو جوائز أكثر شفافية ومصداقية‮.‬