رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

تخوفات مشروعة من « الكراهية»

الافتتاحية‮


طارق الطاهر tarek2485@gmail.com
7/8/2017 9:52:24 AM

لاشك أنه لا يوجد إنسان سوي يختلف علي ضرورة نبذ الكراهية والأفكار المتطرفة من المجتمع، وأن هذا الأمر لا يخص جهة بعينها، بل مختلف مؤسسات الدولة، وأن أي مجتمع يسعي إلي التقدم لابد أن يواجه كافة أشكال الكراهية والتمييز.
لكن كيف نواجه الكراهية والتمييز، هل بالقوانين وحدها؟ بالتأكيد لا، لاسيما في الأمور التي تتعلق بالأفكار، فالمواجهة هنا مواجهة فكرية ثقافية في المقام الأول، لأن نشر ثقافة التسامح والتعايش السلمي يحتاج إلي فهم عميق لهذه المعاني وأثرها في تكوين مجتمعات سوية، ولأن الأمر يحتاج إلي إعلاء قيم المواطنة وحرية الرأي والتعبير، من هذا المنظور تأملت مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، الذي يتبناه الأزهر الشريف، بداية لا أحد يختلف حول ضرورة مكافحة الكراهية ومنع انتشارها في المجتمع، وكذلك التصدي لكل أنواع التمييز، وبحسب تعريفه الذي جاء في هذا المشروع هو " كل تفرقة أو استثناء بين الأفراد أو الجماعات علي أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الطائفة أو الملة أو العرق أو اللون" وهو تعريف دقيق- من وجهة نظري- وكذلك لا أحد يمكن أن يختلف علي أن يكون من أهداف هذا القانون إعلاء مبادئ المواطنة والمساواة أمام القانون وحرية العقيدة وحسن النية وقبول الآخر.
وكل هذه الأمور والتعريفات لن تطبق بقانون فقط، بل بنشر القيم والأفكار التي تحض عليها، وذلك عبر مختلف مؤسسات وأجهزة الدولة، بوضع استراتيجية واضحة المعالم، من هنا تسرب القلق إلي وأنا أطلع علي كافة مواد هذا المشروع، إذ وجدت أن بعض مواده تريد أن تكون بمثابة الذريعة لضرب الحريات وتقديم كل مجتهد رأي أو من يمتلك وجهة نظر للمحاكمة، إذ تنص المادة الرابعة علي " لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير أو النقد أو حرية الإعلام أو النشر أو الإبداع للإتيان بأي قول أو عمل ينطوي علي ما يخالف أحكام هذا القانون" هكذا بوضوح تحول مشروع هذا القانون، كما لو كان مشروعا لقانون في الإعلام والصحافة، وفتح الباب بهذه الصياغة علي مصراعيه ليكون التأويل والبحث في النوايا لمعاقبة من يدلي بدلوه في أي قضية خلافية... هنا سيحاكم بتهم جاهزة، فالمادة السادسة تنص " لا يجوز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلني في وسائل الإعلام علي نحو يدفع المؤمنين بها للتصادم والعنف" أي أن هذه المادة لا تنظر للإعلام علي أنه وسيلة تنويرية، أعرف أن هناك من لا يحسنون عرض القضايا ومناقشتها وكذلك من الممكن ألا يحسنوا ــ أيضا ــ اختيار الضيف المناسب، لكن هؤلاء ليسوا المقياس الذي يجب أن يكون في ذهن من وضع هذا المشروع، لأنه بالتأكيد القوانين الحالية مليئة بالمواد التي تعاقب، يضاف لذلك أن هناك العديد من المواد الواردة مثل المادة ٤، تعارض بشكل واضح مواد ثابتة الدلالة في الدستور المصري.
كما أنني أتعجب من صدور هذا المشروع من الأزهر الشريف، الذي سبق وأن أصدر وثيقة الحريات التي أجمع عليها عدد لا بأس به من علماء الدين والمفكرين والمثقفين.. هذه الوثيقة التي كان المأمول أن تتحول كلماتها إلي واقع فعلي، بالالتفاف حولها وتأكيد مشروعيتها.. فهي ببنودها المختلفة بمثابة خطة استراتيجية كانت تستحق التطبيق والتفاعل معها من قبل مؤسسات الدولة التعليمية والثقافية والإعلامية، لكن أن يتراجع الاهتمام بشأن تطبيقها ويظهر للنور هذا المشروع، فهو أمر يحتاج للتأمل والروية.
في هذا العدد، أجرت زميلتي عائشة المراغي تحقيقا موسعا وطرحت للنقاش أمر هذا المشروع، الذي تباينت الآراء حوله، ولكن فيما يشبه الإجماع هناك تخوفات من بعض مواده، وهي تخوفات مشروعة، وآراء معتبرة، أتمني أن تتم مراجعة هذا المشروع في إطارها.

تعليقات القرّاء