رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

شهادة محفوظ عبد الرحمن

الافتتاحية


طارق الطاهر [email protected]
8/26/2017 11:17:59 AM

منذ ما يقرب من الشهرين، أجري الزميل زياد فايد حوارا مع الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن، الذي رحل منذ أيام.
الحوار بعنوان » الدراما شوهت المصريين»‬ وأعتقد أن هذا العنوان عكس ما ورد في شهادة كاتب بحجم وقيمة ومسيرة صاحب: بوابة الحلواني، أم كلثوم، ناصر 56، حليم، وغيرها من الأعمال الهامة في مسيرة الدراما المصرية والعربية، هذه الدراما التي تفرغ لها محفوظ منذ عام 1982، ورغم هذا التفرغ إلا أنه أعتبر نفسه كاتبا هاويا: »‬أنا لم أقرر احتراف الكتابة ولا أحب أن تتحول الكتابة إلي مهنة أو وظيفة لكسب لقمة العيش، الكتابة بالنسبة لي هواية، ومازلت أصر علي أن الأنسب هو أن يبقي الكاتب هاويا».
في هذا الحوار الذي أعتقد أنه الأخير لمحفوظ عبد الرحمن تضمن القيم الأساسية التي ألزم نفسه بها، وهي قيم توضح لنا الخطوط العريضة التي وضعها محفوظ لنفسه، والتي جعلت منه كاتبا مؤثرا، وصادقا في ذات الوقت: »‬وضعت لنفسي قواعد تتضمن عدة بنود منها ألا أتي علي سيرة حاكم مادام علي قيد الحياة، وألا أتعاقد علي العمل إلا حينما يكون معي مال حتي لا أوافق تحت ضغط الحاجة، ولا أكتب عملا لا يروق لمزاجي».
في هذا الحوار- الشهادة، كان محفوظ صارما وحاسما في رده علي الأسئلة التي توجه لها، هذه الصرامة مرجعها رغبته في إيقاظ الضمائر الحية، خاصة  تجاه ما يعرض حاليا لدرجة قوله: »‬إنني قاطعت الدراما المصرية منذ أربع سنوات، بعد أن صدمت لما وصلت إليه من تدن وتسطيح وهروب من الواقع السياسي والتاريخي إلي البلطجة والمخدرات وافتعال حوادث وهمية لا تمت للواقع أو الأسطورة أو حتي التاريخ من قريب أو بعيد.. ورغم ذلك مستمرة في العرض ومازال الفنانون مستمرين في رفع أجورهم رغم ضعف مستوي ما يقدمونه علي الشاشة».
هذا هو رأي واحد من أصحاب الضمائر اليقظة، فمسيرة الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن هي مسيرة جيل.. استطاع أن يعلم نفسه، مؤمنا بالقضايا التي يطرحها.. فالثقافة بالنسبة لمحفوظ وجيله لم تكن ترفا، بل فعلا مؤثرا في مسيرة المجتمعات.. آمنوا بقيمة الكلمة وقدسيتها وأثرها في التغيير.. قيمة هذا الحوار أنه يقدم لنا خلاصة مسيرة صاحب بوابة الحلواني في الكتابة والانشغال بالهم العام وقضايا الفساد وكيفية محاربته، وإدراكه أنه لا تغيير سيتم بدون القضاء علي مشكلات التعليم: »‬ والدولة يجب أن تلتفت لذلك، لأن التعليم الخاطئ يسهم في زيادة معدلات البطالة وانتشار الفوضي في المجتمع».
إن محفوظ عبد الرحمن حتي اللحظة الأخيرة يعطي لنا دروسا وقيما في هذه الحياة منها قيمة التواضع، فقد فوجئت بعد نشر هذا الحوار، بالكاتب الراحل يتصل بي، وكانت هذه هي المرة الأولي التي نتحدث فيها سويا، وبمجرد أن قال لي أنا محفوظ عبد الرحمن، تخوفت أن يكون في الحوار خطأ أو كلاما أسأنا نقله.. لكنني فوجئت بأنه يشكرني، ويضيف: أنا من المتابعين لأخبار الأدب، واتفقنا علي أن أقوم بزيارته للاطلاع علي مكتبته، ولكن القدر كان أسرع منا.
رحم الله محفوظ عبد الرحمن رحمة واسعة.. وأسكنه فسيح جناته. 

تعليقات القرّاء