رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقال رئيس التحرير

المقريزي وصناعة النشر الثقيلة

الافتتاحية


طارق الطاهر tarek2485@gmail.com
9/30/2017 12:01:04 PM

دائما ما يدور جدل حول الدور الرئيسي الذي يجب أن تلعبه هيئات النشر الرسمية وتتميز به عن دور النشر الخاصة، وكانت الإجابة الدائمة أن علي هذا الدور في المقام الأول أن تصدر الموسوعات وسلاسل المعارف والكتب الضخمة ذات الأجزاء المتعددة، وهو ما يسمي ب » صناعة النشر الثقيلة»‬، وذلك اعتمادا علي ما لدي هذه الهيئات من ميزانيات وأدوات إنتاج تتفوق علي مثيلاتها من دور النشر الخاصة.
من هنا أبدي إعجابي بما يقوم به الصديق والزميل جرجس شكري أمين عام النشر بهيئة قصور الثقافة،  مع عدد من رؤساء التحرير، خاصة سلسلتي »‬ذاكرة الكتابة» و »‬الذخائر» من إصدار نفائس الكتب التي غابت طويلا عن المكتبة العربية، ويعاد نشرها في هاتين السلسلتين بأسعار زهيدة.
أقول ذلك بمناسبة صدور كتاب »‬السلوك لمعرفة دول الملوك» للمؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، تحرير وتحقيق للباحث المدقق عبد العزيز جمال الدين عن سلسلة ذاكرة الكتابة التي يرأس تحريرها المثقف الكبير صاحب الانجازات العلمية الهامة د. أحمد زكريا الشلق، وصدر هذا الكتاب في ستة أجزاء.
حسب المقدمة الطويلة للمحقق يتضح أن هذا الكتاب سبق أن طبع كاملا بالقاهرة في أربعة أجزاء توالي صدورها من عام 1934 إلي 1973، أي استغرق تحقيقه وطبعه 39 عاما، حيث طبع الجزء الواحد في ثلاثة أقسام عبر سنوات متفرقة، وقد جاء بيان ذلك كالتالي: الجزء الأول في ثلاثة أقسام بتحقيق محمد زيادة ( 1934-1939)، الجزء الثاني في ثلاثة أقسام بتحقيق محمد زيادة ( 1941-1958)، الجزء الثالث في ثلاثة أقسام بتحقيق سعيد عاشور (1970-1972) الجزء الرابع في ثلاثة أقسام بتحقيق سعيد عاشور ( 1972-1973)، وهي الطبعة التي اعتمد عليها جمال الدين في صدور الطبعة الجديدة.
لذا من الأهمية بمكان بعد مرور 44 عاما علي طبع آخر جزء أن يعاد طبع الكتاب كاملا ودفعة واحدة.. إذن نحن أمام حدث ثقافي بالغ الأهمية في الحفاظ علي "تاريخنا" وإتاحته للقارئ العادي والمتخصص لاعادة قراءة، فترةهامة من تاريخنا، بل وإعادة اكتشاف المقريزي واهتماماته المختلفة، التي أسفرت عن العديد من الكتب "المراجع" وكشفت الأضواء عن حياة المصريين وأحوالهم وطرق معيشتهم في عهود مختلفة، فقد استعرض عبد العزيز جمال الدين في مقدمته الوافية تاريخ المقريزي ومؤلفاته، ويري أن الميدان الأكثر الذي خاض المقريزي غماره، هو ما يندرج تحت إطار الفلسفة الاجتماعية، وقد بدا واضحا في مجموعة من الكتب مثل إغاثة الأمة في كشف الغمة، والنقود الإسلامية أو رسالة في النقود، ولكن الأثر الصريح بدا خاصة في كتابه المشتهر "الخطط المقريزية" واسمه الأصلي "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» الذي طبع أكثر من عشر طبعات، وفي كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك". ففي هذا الكتاب يبدو منهجه في معالجة الظواهر الاجتماعية وأسلوبه في التحليل والتعميم وكشف القوانين. ولذلك يوجد شبه إجماع بين الدارسين علي أنهما أكثر كتبه أهمية، ويرون أن التالي في الأهمية "إغاثة الأمة بكشف الغمة" ولكن لا يمكن تجاهل أن كتابه تاريخ النقود واحد من أكثر الأبحاث في النقود سبقا وأهمية في تاريخ الفكر البشري.
إن هذا العمل الضخم، أضاف إليه عبد العزيز جمال الدين عددا هاما من الملاحق، امتدت لتغطي الجزء السادس، من عناوينها: بعض ملامح اللغة المصرية عند المقريزي، الكارمية، من تاريخ السجون الأيوبية والمملوكية في مصر، كما أبيد البشر أبيدت مدنهم، خليج إسكندرية، تاريخ المجاعات في مصر، وتعد هذه الملاحق بمثابة قراءة دقيقة لذات الفترة التي يتناولها كتاب المقريزي.
في النهاية نحن أمام حدث كبير يستحق الشكر كل من ساهموا فيه.