رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقالات

المنصورة تستقبل العام

‮ ‬بقصيدتي رثاء الأسود


د.محمد خيري الإمام
1/7/2017 12:40:07 PM

تصحو في الصباح مسرعا تهرول إلي حسابك علي الفيس بوك لتطالع ما فات في ليلتك من تفاعلات الأصدقاء،‮ ‬وربما تود لو تكمل نقاشا محتدما كنت تركته في الليلة السابقة دون اكتمال،‮ ‬وقد تود لو تلقي بصباح الخير في طريق محبيك،‮ ‬أو ترد صباحاتهم المشرقة التي تذيب برودة ديسمبر‮. ‬تكتشف فجأة أن كثيرا من الإشعارات قد فاتتك،‮ ‬تجدها جميعا متعلقة بواحد من أصدقائك الشعراء،‮ ‬تظنها قصيدة جديدة له،‮ ‬تتعطش لقراءة الشعر في ذلك الصباح،‮ ‬بينما تتناول إفطارك السريع وأنت ترتدي ملابس الخروج،‮ ‬تود لو تكمل قراءة القصيدة قبل أن تنتهي من كوب الشاي قبل نزولك في اتجاه العمل‮. ‬لكنك تصطدم بأن تلك الإشعارات لم تكن في رحاب قصيدة جديدة،‮ ‬ولكنها في رحاب موت جديد‮.‬
ولكي تكتمل المأساة تجد موتين في نفس الإشعار،‮ ‬وليس موتا واحدا‮. ‬صورتان في كدر واحد لاثنين من شعراء العامية الكبار بالمنصورة،‮ ‬صفي الدين ريحان،‮ ‬وطارق مايز‮. ‬تسرح بخيالك بينما تحول الدموع دون مواصلة قراءة التأبين‮. ‬وتتعجب من الموت المشترك،‮ ‬تدور برأسك الهواجس،‮ ‬بينما كففت عن ارتشاف الشاي،‮ ‬يتبادر لذهنك بشيء من اليقين أنهما كانا معا في ندوة ما،‮ ‬أو فعالية ثقافية،‮ ‬وربما لم يسلما من حوادث الطريق في رحلة العودة مثلا،‮ ‬لكنك تدرك بعد قليل أنهما ماتا في نفس الصباح،‮ ‬ولم يكونا معا في الليلة السابقة‮.‬
يا ربي ما تلك المفارقة؟ هل اختارهما الموت معا لاكتمال المأساة؟ أم أن موتهما معا قد يختصر الحزنين لحزن واحد؟ تتساءل هل لو ماتا في شهرين متتاليين،‮ ‬أو كان بين موتيهما أسبوع،‮ ‬أو عدة أيام مثلا،‮ ‬كان الحزن سيتراكم،‮ ‬أم أن الحزن يصغر يوما بعد يوم،‮ ‬حتي‮ ‬يتلاشي،‮ ‬ثم‮ ‬يأتي الحزن الثاني،‮ ‬فنكون أكثر جاهزية لتلقي الصدمات؟‮  ‬
أول ما تفتحت أعيننا علي حب الثقافة،‮ ‬وفي أول حروفنا في كراسة الإبداع،‮ ‬التقينا بصفي الدين ريحان،‮ ‬عرفناه من‮ ‬يومها،‮ ‬بشعره الأبيض الطويل،‮ ‬وهندامه المميز،‮ ‬وحقيبته المكتظة بأوراق من قصائده،‮ ‬بعضها لا تزال مسودات‮. ‬لا‮ ‬يتخلف عن ندوة الأحد الأسبوعية بقصر ثقافة المنصورة،‮ ‬يستقبلنا بحفاوته،‮ ‬وابتسامته،‮ ‬ونقعد في الصفوف الخلفية نستمتع بأشعاره،‮ ‬وأزجاله،‮ ‬التي كان‮ ‬يلقيها في ابتهاج‮. ‬وكم كان حبيبا لنفوسنا أن‮ ‬يقف معنا علي سلم قصر الثقافة بعد الندوة‮ ‬يحدثنا،‮ ‬وينصحنا،‮ ‬ويداعبنا بابتسامته الدائمة،‮ ‬بعد أن‮ ‬يتعرف علي أسمائنا،‮ ‬فنصير أصدقاء،‮ ‬بعد أن كنا تلاميذ‮.‬
وأما طارق مايز،‮ ‬فقد أدرك طبيعة المرحلة سريعا،‮ ‬وحرمنا من اللقاء في تلك الحقبة من ثمانينيات،‮ ‬وتسعينيات القرن الماضي؛ فقد اختار سريعا وجهته إلي الخليج بحثا عن فرصة عمل مناسبة تفي بما تطلبته الظروف حينها‮. ‬انتهي سريعا من رحلته الجامعية،‮ ‬بعد أن دشن مع زملائه نادي الأدب بجامعة المنصورة،‮ ‬حين شب زملاء الشعر،‮ ‬والقصة،‮ ‬والإبداع ووضعوا اللبنة الأولي للنشاط الأدبي داخل أسوار الجامعة‮. ‬عاد إلي تراب الوطن بعد سنوات قضاها هناك،‮ ‬عاد بعد أن تصاحب مع مرض السكر،‮ ‬محاولا ترويضه قدر ما استطاع،‮ ‬خشية أن‮ ‬يغدر به في بلاد الغربة‮. ‬عاد محملا بمرارة الاغتراب،‮ ‬محاولا تعويض ما فاته،‮ ‬فكان دؤوبا علي التواصل الدائم مع المبدعين،‮ ‬يرتاد الندوات بنهم المتشوق الملهوف،‮ ‬كأنه كان‮ ‬يعلم أن ما تبقي من سنوات العمر أقصر من أن‮ ‬يشبع من محبيه‮.‬
كنا نمني النفس،‮ ‬بعام جديد،‮ ‬وأحلام جديدة في مسيرتنا،‮ ‬ولكن العام أبي أن‮ ‬يمضي قبل أن‮ ‬يذرف دموعه الحارة علي جزيرة الورد،‮ ‬لتلبس المنصورة حلة السواد في استقبال العام الجديد،‮ ‬بعد أن قست برودة الشتاء علي قلوب أدباء المنصورة،‮ ‬ومثقفيها،‮ ‬ومحبي الأدب والفن والإبداع علي امتداد قري الدقهلية،‮ ‬ومنتدياتها،‮ ‬ومقاهيها،‮ ‬ومسارحها،‮ ‬وبيوت ثقافتها‮. ‬لا أجدني مضطرا أن أغوص في إبداع الشاعر الكبير صفي الدين ريحان،‮ ‬ولا أشعار الشاعر الرائع طارق مايز متكلما عن المضمون،‮ ‬والتصوير،‮ ‬واللغة،‮ ‬والبلاغة،‮ ‬والحب،‮ ‬والشوق،‮ ‬والحزن،‮ ‬والفرح،‮ ‬والفخر‮. ‬ولست في حال‮ ‬يسمح بالتعاطي مع تفاصيل الفن والأدب،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يفجعني الموت،‮ ‬والفراق لحبيبين ملآ مدينة الفن والإبداع بالحب،‮ ‬والصدق،‮ ‬والنبل،‮ ‬والجمال‮. ‬ثم أرخيا علي وجهها ثيابا من الحزن،‮ ‬والبكاء،‮ ‬واللوعة قبل أن‮ ‬يسدل‮ ‬العام ستائره فوق مسرح العبث الدنيوي‮.‬

تعليقات القرّاء