رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقالات

حكاية بوستر الشطرنج


أحمد عبد النعيم
1/7/2017 12:42:08 PM

داخل سجن مصر في نوفمبر‮ ‬1953‮ ‬ضمت زنزانة الحجز فنان الكاريكاتير زهدي العدوي مع مجموعة من اليسار المصري صاحب الصوت العالي في ذلك الوقت،‮ ‬لم‮ ‬يكن زهدي فنان كاريكاتير فقط مؤمن بالمستقبل‮ ‬يسعي للأفضل بل عاشقا لكل ذرة تراب مصرية،‮ ‬ظهرت أعماله علي صفحات مجلة‮ ‬غريب عقب مظاهرات الطلبة‮ ‬1936‮ ‬لينطلق الي عالم النجومية بين أبناء جيله ويظل نضاله الوطني لا‮ ‬يتوقف عند القلم والورقة إنما‮ ‬يمتد إلي الانخراط داخل التنظيمات السياسية التي أدت به طوال فترات حياته فلم‮ ‬يخرج من سجن إلي سجن حتي‮ ‬يدخل سجنا آخر‮.‬
أما حكاية البوستر فهي صورة من صور النضال الحقيقي داخل زنزانة متر في متر،‮ ‬تصميم‮ ‬غريب علي الحياة‮ ‬يرسم زهدي داخل السجن هذا البوستر لأغرب مسابقة للمساجين تبدأ الحكاية من أول‮ »‬‬اجراية العيش‮ » ‬حتي انتظار شمس الصباح من فتحة صغيرة في شباك‮ ‬يحتضن زقزقة عصفور فمع كل صباح‮ ‬يستلم زهدي رغيف العيش‮ ‬يأكل نصفه ويأخذ النصف الآخر‮ ‬يصنع منه كورة من العجين من لبابة العيش‮ ‬يضعها علي شباك المعتقل في المساء تتحول قطعة الخبز إلي كتلة صلبة بفضل أشعة الشمس‮ ‬يجلس زهدي في طرف الزنزانة‮ ‬ينحت قطعة الخبز الصلبة الي قطعة شطرنج في تصميم عجيب‮ . ‬يلتقط طرف الخيط مسجون آخر‮ ‬يضع قطعة أخري أمام زهدي ليصنع منها حصاناً‮ ‬أو طابية أو ملكا أو مجموعة عساكر حتي تكتمل قطع الشطرنج،‮ ‬يرسم مربعات أسود وأبيض وتبدأ مرحلة عمل بوستر‮ ‬يوضع داخل السجن لإقامة المسابقة الأولي من نوعها وفي المساء تبدأ مرحلة اللعب والفوز والهزيمة حتي تنتهي اللعبة ويبدأ‮ ‬يوم آخر والفائز هو الإصرار علي التحدي ورفض السجن الداخلي وقبول الحياة،‮ ‬هكذا صنع زهدي فكرة قبول الظلم ومقاومة اليأس وروح الأمل في بكرة وعندما تمسك البوستر تحس أنك أمام قدرة عجيبة علي الحياة وهكذا استمر إصرار مجموعة مثقفي مصر عندما صنعوا داخل معتقل الواحات أغرب جريدة في العالم فداخل المعتقل كانت تعيش معهم قطة صغيرة وكان كل منهم‮ ‬يكتب آخر خبر ويضعه علي رقبة القطة وتسير داخل المعتقل تنقل الأخبار في حيلة ظريفة ابتكرها زهدي ورفاقه وتستمر حياة زهدي سلسلة من الكفاح علي الورق وداخل النفس البشرية كاشفاً‮ ‬في خطوط سميكة شديدة التعمق أبعادا جديدة فقد اعتمد كثيراً‮ ‬علي الكاريكاتير الصامت فهو أبلغ‮ ‬من الكلام واضعاً‮ ‬مدرسة جديدة ناطقة بلغة بصرية قادرة علي النفاذ والوصول بأقل قدر من الفلسفة الذاتية التي منبعها الأساسي أعمال فنية راقية صاحبت مدرسة زهدي الكاريكاتيرية واستمرت أعماله علي صفحات مجلة روز اليوسف حتي‮ ‬وفاته في‮ ‬يوليو‮ ‬1994‭.‬‮       ‬

تعليقات القرّاء