رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

فخري لبيب‮ ..‬ ‮ ‬معزوفة مصرية ونضالية خالصة


شعبان‮ ‬يوسف
1/7/2017 12:45:03 PM

إذا كان رحيل فخري لبيب الكاتب والمترجم والمناضل أولا, سببا لإثارة أحزان وأسي لكثيرين, فرحيله بالنسبة لي‮ ‬يشكل حزنا أكثر كثافة وقتامة،‮ ‬فمنذ أن التقينا في عام‮ ‬1979‮ ‬أثناء الإعداد للانتخابات البرلمانية, وكان آنذاك مسئولا عن حزب التجمع في شرق القاهرة،‮ ‬وكان الساحة السياسية في ذلك الوقت, وكما هي دائما, محتدة اختلافا وانشقاقا بين كافة فرق اليسار المصري،‮ ‬وفي ذلك اللقاء تعارفنا وتحادثنا واختلفنا علي المستوي السياسي, ذلك الاختلاف الذي لا‮ ‬يقف علي أي جذور بالنسبة لي علي الأقل, ولكن شاءت الأقدار أن نلتقي في مساحة أخري, وهي المساحة الثقافية والأدبية, وتشاركنا معا في إنشاء منتدي ثقافي, تحت عنوان‮ "‬النادي الأدبي الثقافي‮"‬،‮ ‬ذلك المنتدي الذي أصبح فيما بعد‮ "‬ورشة الزيتون‮"‬،‮ ‬ولم نفترق منذ ذلك الوقت, وكانت علاقتنا الثقافية والانسانية أعمق بكثير من ذلك الأفق السياسي العقيم والمربك, وكانت الحوارات لا تنقطع حتي قبل أيام من رحيله الفاجع, أقول الفاجع رغم أنه في مرحلته الأخيرة كان‮ ‬يعاني بضراوة من أمراض وأعراض الشيخوخة, ولكنه ظلّ‮ ‬يقظا ومحاورا وطارحا للأفكار وقادرا علي السجال بأعمق صوره, وكان‮ ‬يعمل لدرجة أنه كان‮ ‬ينجز أعمالا أدبية وسير ذاتية مختلفة بوفرة, واستطعنا أن ننشر منها ما أمكن نشره, وهناك ما ننتظر نشره في الهيئة المصرية العامة للكتاب, ودار الشروق, ودار الثقافة الجديدة, وما زالت بعض المخطوطات تنتظر من‮ ‬يبادر بنشرها‮.‬

ظل فخري لبيب طوال عمره الذي بدأ فيه الحياة العامة منذ أن التحق بكلية العلوم في أربعينيات القرن الماضي،‮ ‬قابضا علي جمرة الإبداع الفكري والسياسي والأدبي والانساني، وشارك بقوة في الحراك السياسي اليساري،‮ ‬والشيوعي منه علي وجه الخصوص، حتي أن قبض عليه في‮ ‬29‮ ‬مايو‮ ‬1954،‮ ‬وكانت هذه هي المرة الأولي التي‮ ‬يتعرض فيها للقبض عليه، وفي سيرته الذاتية‮ "‬المشوار‮"‬،‮ ‬وقد شرّفني بكتابة مقدمة لتلك السيرة،‮ ‬شرح الملابسات كلها لذلك الاختطاف الأول، وكان‮ ‬يعمل مدرسا في مدرسة الأقباط الإعدادية بطنطا،‮ ‬يقول‮ :"..‬ما أن ابتعدت عن داري،‮ ‬وبلغت الشارع الرئيسي،‮ ‬حتي أحاط بي عدد من الرجال لا أعرفهم، وأمسكوا بي بطريقة شلّت حركتي، فصحت فيهم،‮ ‬غير أن صياحي ذهب سدي، سكون المكان الذي طالما عشقته‮ ‬غدا كابوسا،‮ ‬تسمع صدي صوتك ولا مجيب‮..".‬
كان هذا المشهد الذي بدأ به فخري لبيب مذكراته،‮ ‬والذي انتهي بإيداعه السجن مع زملائه محمد محمود عثمان وصلاح هلال وعبدالله كامل وغيرهم من أبطال جيل الأربعينيات الذهبي في الثقافة والفكر والسياسة المصرية،‮ ‬مدخلا لكي‮ ‬يقول لنا فخري لبيب بأن السجن كان مساحة للتأمل واستعادة الماضي الخاص به منذ أن ولد في‮ ‬7‮ ‬فبراير‮ ‬1928،‮ ‬ومن ثم بدأ‮ ‬يسرد وقائع حياته المثيرة‮.‬
وهنا لا بد أن أشير إلي وقائع خاصة بنشر بعض كتابات فخري لبيب التي بذل فيها جهودا مضنية لكي تكون مستوفاة ودقيقة وتقترب إلي الكتابات الوثائقية،‮ ‬فسيرته الذاتية التي عنوانها ب"المشوار‮" ‬عاني كثيرا في نشرها،‮ ‬حتي أن خاطبنا الكاتب والروائي الأستاذ‮ ‬يوسف القعيد، وبدوره تكلم مع الحاج مدبولي،‮ ‬فنشرها فورا،‮ ‬وهذه لم تكن المرة الأولي التي‮ ‬يتدخل فيها‮ ‬يوسف القعيد لنشر عمل لفخري لبيب،‮ ‬ولكنه عندما كان أحد مستشاري دار سعاد الصباح في عقد التسعينيات، وكان فخري لبيب‮ ‬يواصل ترجمة رباعية الأسكندرية للورانس داريل،‮ ‬وكان قد نشر منها الجزء الأول‮ "‬جوستين‮" ‬عام‮ ‬1969‮ ‬في دار المعارف،‮ ‬وعرضنا أمر نشر الرباعية كاملة،‮ ‬وقد عرض القعيد اختيارين علي الدكتور فخري،‮ ‬الأول في دار الهلال العريقة،‮ ‬وكانت الدار ورواياتها ومجلتها وكتابها في تألق ملحوظ،‮ ‬حيث أن الراحل مصطفي نبيل الذي كان‮ ‬يترأس تحريرها،‮ ‬كان حريصا علي الانتقاء الثقافي الراقي،‮ ‬أما الاختيار الثاني فكان دار سعاد الصباح،‮ ‬فاختار فخري لبيب دار سعاد الصباح،‮ ‬وبالفعل تم التعاقد،‮ ‬ونشرت الرباعية تباعا لتحدث صدي طيبا وجميلا،‮ ‬وما زال ذلك الصدي‮ ‬يتردد حتي الآن،‮ ‬ونشرت الرباعية مرة أخري في دار الشروق عام‮ ‬2009‮ ‬في طبعة أنيقة للغاية‮.‬
وأتذكر أن فخري لبيب عاني بقوة أثناء نشر الجزء الأول‮ "‬جوستين‮" ‬عام‮ ‬1969،‮ ‬وكان آنذاك شبه مراقب،‮ ‬وشبه محاصر من أجهزة الأمن التي لم تغفر له عدم موافقته علي قرارات رفاقه الذين خرجوا من المعتقل عام‮ ‬1964،‮ ‬وكانت تلك القرارات تفضي بحلّ‮ ‬التنظيم الشيوعي إلي الأبد،‮ ‬وانخراط ذلك التنظيم في‮ "‬الاتحاد الاشتراكي العربي‮"‬،‮ ‬وبالفعل أرسل أحد القيادات الشيوعية رسالة تفي بهذا المعني،‮ ‬ولكن فخري لبيب كان رافضا لذلك الأمر، رغم أنه لم‮ ‬ينخرط في تنظيمات في تلك الفترة علة وجه الإطلاق،‮ ‬وظلّ‮ ‬حرا مستقلا بعيدا عن كل تلك الكيانات السياسية،‮ ‬واتجه‮ ‬

إلي الترجمة الأدبية عن اللغة الانجليزية،‮ ‬والتي كان‮ ‬يتقنها بامتياز،‮ ‬وكانت هواية الترجمة بدأت معه منذ العام‮ ‬1958،‮ ‬وكذلك الكتابة القصصية،‮ ‬وكان‮ ‬ينشر بعضها في جريدة‮ "‬المساء‮" ‬باسم شقيقه الراحل‮ "‬رأفت لبيب‮" ‬حتي‮ ‬يتمكن من الحصول علي المكافأة،‮ ‬لأن فخري لبيب كان هاربا في ذلك الوقت‮.‬
المهم أنه أنجز ترجمة جوستين عام‮ ‬1968،‮ ‬وراح ليبحث عن ناشر، ولكن توجس الأجهزة منه كان عائقا لنشر الرواية،‮ ‬وهنا توسّط أحد الكتّاب الصحفيين المرموقين في ذلك الوقت لنشرها، وكان الشرط الذي عرضه ذلك الكاتب المرموق،‮ ‬هو اقتسام المكافأة أولا،‮ ‬أما ثانيا،‮ ‬أن‮ ‬يتخلي فخري لبيب عن وضع اسمه علي الكتاب،‮ ‬ويستبدله باسم ذلك الكاتب،‮ ‬وهنا رفض فخري لبيب‮  ‬العرضين،‮ ‬بل بالأحري لم‮ ‬يخضع،‮ ‬وذهب بنفسه إلي دار المعارف،‮ ‬وأعتقد أن مديرها كان المترجم حلمي مراد في ذلك الوقت،‮ ‬وأعجبته الترجمة،‮ ‬ورحب بنشرها بالفعل،‮ ‬ولكنه تفاوض مع فخري لبيب ليحذف أو‮ ‬يغيّر بعض المفردات والمشاهد،‮ ‬وهنا احتج فخري مرة أخري،‮ ‬ولكن حلمي مراد استجاب لاحتجاج فخري بعد معالجات طفيفة لبعض المفردات الحادة،‮ ‬ونشرت الرواية،‮ ‬وتقاضي فخري لبيب‮ ‬360‮ ‬جنيها آنذاك ليدفعها كاملة للحصول علي الشقة التي ظلّ‮ ‬يقطنها حتي رحيله،‮ ‬وهي في ضاحية سانت فاتيما بمصر الجديدة‮.‬
ولم تكن تجربة ترجمة‮ "‬جوستين‮" ‬هي التجربة الأولي لفخري لبيب‮ ‬،‮ ‬ولكنه كان قد بدأ ترجمة رواية أخري عظيمة في المعتقل،‮ ‬وهي رواية‮ "‬عريان بين ذئاب‮" ‬للألماني برونو أبيتز،‮ ‬ولترجمة هذه الرواية قصة مثيرة للغاية،‮ ‬وكتب لبيب ملابسات تلك الترجمة في المقدمة التي كتبها للرواية،‮ ‬وسرد الوقائع التي أدّت بالسلطة آنذاك أن تقبض علي خيرة المثقفين والمناضلين لتغيّبهم داخل المعتقلات والسجون‮ ‬،‮ ‬ويتم تعذيبهم بشكل مطلق،‮ ‬ذلك التعذيب الذي وردت فيه أقصي وأقسي الأشكال، وفي تلك الأثناء من عام‮ ‬1960‮ ‬وصلت رائعة‮ "‬برونو أبيتز‮"‬_والحديث هنا لفخري لبيب_،‮ "‬عريان بين ذئاب‮"‬،‮ ‬وقد تم تهريبها داخل المعتقل، وكان فخري أول من قرأها، وانجذب لها، وشعر كما‮ ‬يقول_ بأنه‮ ‬يعرفه منذ سنين، حيث كان أبيتز معتقلا في معتقل‮ "‬بوخنفالد‮" ‬النازي، أيام هتلر‮.‬
يكتب لبيب‮ :"‬كنا في ذلك الوقت نرعي كثبان الرمال ونحرث الشوك في منفي المحاريق، كان علينا أن نستخدم الفؤوس لنقتلع القتاد،‮ ‬ثم تقوم إدارة المعتقل،‮ ‬بريّ‮ ‬المنطقةالتي حرثناها،‮ ‬حتي‮ ‬ينمو الشوك من جديد،‮ ‬فيظل لنا عمل نسخّر فيه تحت فوّهات الرشاشات،‮ ‬وكانت المنطقة التي نعمل بها حول المعتقل مليئة بالحفر العميقةوالهوات،‮ ‬وبمرور الأيام وفي‮ ‬غفلة عن حرّاسنا،‮ ‬نجحنا في إعداد عدد من تلك الحفر كملاجئ نحتمي فيها من جحيم الشمس،‮ ‬بمرور أيضا تحولت تلك الحفر والهوات‮  ‬إلي نواد ومنتديات،‮ ‬بل وأطلق علي البعض منها أسماء دور السينما والمسارح،‮ ‬وانتشر عدد من الرفاق في تلك الفجوات‮ ‬يقصّون علي رفاقهم ملاحم البطولة والتضحية،‮ ‬سواء كانت روايات أو أفلاما أومسرحيات رأوها أو قرأوها أو هم أصحابها ومؤلفيها‮".‬
ويسترسل فخري ليصل بنا بأنه كان‮ ‬يحتمي بإحدي تلك الفجوات، كان‮ ‬يجلس مع الرفاق ليحكي لهم قصة‮ "‬رجال بوخنفالد‮"‬،‮ ‬قصة النازي ومن قاوموه،‮ ‬وهي قصة أناس عاديين مثلهم لا‮ ‬يصرخون بالألفاظ الضخمة،‮ ‬أو‮ ‬يأتون أفعالا خارقة فيبدون كآلهة لا‮ ‬يمكن فعل ما تفعل،‮ ‬قصة نفر من البسطاء الذين أحبوا وطنهم، قصة صلابة المناضل رغم ما فيه من ضعف وإصرار،‮ ‬رغم ما‮ ‬ينتابه من تردد وصمود،‮ ‬رغم كل ما‮ ‬يصيب نفسيته من تمزق،‮ ‬قصة السجين الانسان الذي فاز وانتصر علي السجان‮.‬
كان فخري لبيب‮ ‬يحكي لرفاقه،‮ ‬وهو حكّاء وشفاهي من طراز فريد، وشديد الإمتاع وهو‮ ‬ينتقل من واقعة إلي أخري،‮ ‬ومن هنا أصبحت‮ "‬عريان بين ذئاب‮" ‬مطلبا جماعيا لجميع المعتقلين، وكانت الفجوة التي‮ ‬يكمن بها فخري قد ضاقت بروادها،‮ ‬ومن ثم كان علي فخري لبيب‮ ‬ينتقل من فجوة إلي أخري،‮ ‬مراعاة للأمان من الحراس ثقيلي الوطأة،‮ ‬وكان في كل فجوة‮ ‬يحكي ويسرد وقائع الرواية المثيرة،‮ ‬وفي تلك الفترة خاض المعتقلون معركة شرسة ضد إدارة المعتقل،‮ ‬بعد وصول دفعة جديدة من المعتقلين،‮ ‬وانتصر المعتقلون للحصول علي بعض المكاسب،‮ ‬ولكن الحراسة كانت أشد وأنكي، تلك الحراسة التي منعت فخري لبيب من الطواف علي الفجوات لكي‮ ‬يسرد وقائع الرواية،‮ ‬ومن هنا نبتت فكرة ترجمتها،وشرع في الترجمة أثناء الليل، حيث أن الأمان‮ ‬يكون متوفرا بعض الشئ،‮ ‬ولكن النهار كان عرضة دائما لحملات التفتيش أو مرور شاويش العنبر أو ضابطه،‮ ‬كما كان سجناء عاديون‮ ‬يحضرون لتنظيف العنبر،‮ ‬وبعضهم كان‮ ‬يعمل لحساب الإدارة، لذلك اتخذت كافة إجراءات التأمين لحماية شروط الترجمة،‮ ‬اليقظة التامة لأي صوت‮ ‬يصدر من خارج الزنزانة‮ .. ‬وبدأت الترجمة في ظل تلك الظروف،‮ ‬وتم إعداد الأوراق والأقلام اللازمة،‮ ‬وكان فخري كلما ترجم بضعة صفحات، يسلمّها لزميله الصحفي طاهر عبد الحكيم ليقوم بمراجعتها،‮ ‬ويعيدها مرة أخري للبيب حتي‮ ‬يتأكد من سلامة المراجعة، وعندما‮ ‬ينتهي لبيب من ترجمة جزء كامل، يتسلمه رفاق آخرون،‮ ‬ليقوموا بتجميعه وتجليده، ثم‮ ‬يسلّم إلي الفنان سعيد عارف ليقوم برسم الغلاف ورسم ما‮ ‬يناسب كل فصل من الجزء،‮ ‬وكتابة العناوين بخط واضح وجميل،‮ ‬ثم‮ ‬يدفع بهذا الجزء إلي التوزيع،‮ ‬ليقرأه كل رفيق من المعتقلين بدوره طبقا لأسبقية الحجز‮.‬
وهكذا دارت العجلة،‮ ‬وتم الانتهاء من الترجمة كاملة،‮ ‬وتم إعداد نسخة للتداول في المعتقل،‮ ‬كما تم إعداد نسخة أخري لتأمينها وتهريبها من المعتقل،‮ ‬خوفا من ضياع النسخة الأصلية،‮ ‬وأعدت تلك النسخة المعدة للتهريب في هدوء شديد،‮ ‬ورسمها الفنان سعيد عارف‮ ‬_شفاه الله وأطال في عمره_،‮ ‬وقام العامل منصور زكي بتجليدها تجليدا فاخرا،‮ ‬ونجح المعتقل سليمان سيداروس في أن‮ ‬يرسل بها بعيدا عن القضبان وبحر الرمال،‮ ‬وهكذا أصبحت هناك نسخة أصلية ترقد حتي اليوم في مكانها من معتقل المحاريق الذي أصبح فيما بعد مزرعة للبط،‮ ‬ونسخة متداولة أخري سقطت في إحدي حملات التفتيش،‮ ‬ونسخة ثالثة هي التي نالت حريتها لتنشرها دار الثقافة الجديدة عام‮ ‬1977‮ ‬أي بعد سبعة عشرعاما من ترجمتها،‮ ‬وبرسوم سعيد عارف ذاتها،‮ ‬ودون أن‮ ‬يتقاضي فخري لبيب عنها قرشا واحدا،‮ ‬كما حدث ذلك في كل ما ترجمه لدار الثقافة الجديدة‮.‬
ولم تكن تلك هي المعاناة الوحيدة للنشر في حياة فخري لبيب، ولكنه كان قد أنجز ملحمة أخري،‮ ‬وهي كتابه المهم‮ "‬الشيوعيون وعبد الناصر‮"‬،‮ ‬وهو عمل ميداني مهول،‮ ‬حيث أنه سجّل علي نفقته الخاصة شرائط كاسيت مع معظم معتقلي‮ »‬‬1959_1964‮«،‮ ‬وقام بتفريغها وحده، ودون أي مساعدة،‮ ‬وقام بإجراء قراءة سياسية في الشهادات التي حصل عليها، لتصبح أوفي وأصدق شهادة علي تلك الفترة والمرحلة،‮ ‬وعرضنا هذا الكتاب علي عدد من دور النشر،‮ ‬وكانت دار سينا للنشر أول من فكرنا في عرضها،‮ ‬ولكن باءت جميع المحاولات بالفشل،‮ ‬حتي تم طباعتها ونشرها بمساعدة الدكتور رفعت السعيد،‮ ‬في شركة الأمل للطباعة والنشر والتوزيع،‮ ‬ليخرج الكتاب في مجلدين كبيرين وصلت صفحاتهما إلي ما‮ ‬يزيد عن الألف ومائتي صفحة،‮ ‬ويسعي فخري لبيب بنفسه لتوزيع هذا الكتاب الاستثنائي مجانا،‮ ‬وكانت آخر مكالماته لي قبل رحيله بأربعة أيام،‮ ‬وكأنها المكالمة الوصيّة،‮ ‬بالتشديد علي إيصال الكتاب لأكبر عدد ممكن من القرّاء‮.‬
ولا تنتهي معاناة فخري لبيب مع النشر،‮ ‬حيث أنه ترجم بتكليف من المجلس الأعلي للثقافة_أثناء فترة الدكتور جابر عصفور_ كتابا عن الدكتورة نوال السعداوي، هذا الكتاب الذي كتبته الناقدة الأمريكية من أصل فلسطيني فدوي مالطي دوجلاس،‮ ‬وبالفعل تم إبرام العقد،‮ ‬وتقاضي لبيب مكافأة الترجمة كاملة علي مرحلتين،‮ ‬ولكن الكتاب عاني من رقابة بغيضة،‮ ‬وتمت حوارات بين جميع الأطراف‮ "‬فدوي دوجلاس وفخري لبيب ونوال السعداوي والمجلس الأعلي للثقافة‮"‬،‮ ‬وبالطبع كان كل طرف من هؤلاء له شروطه وملاحظاته،‮ ‬ولهذا لم تنشر الترجمة إطلاقا في المجلس،‮ ‬وفي تلك الفترة فوجئنا بأن الترجمة تم السطو عليها،‮ ‬وتشويهها بتلخيص مخلّ‮ ‬لتصدر عن دار ومطابع المستقبل،‮ ‬وظلّت الترجمة الأصلية قائمة وموجودة حتي طلبها الدكتور وحيد عبد المجيد منذ عامين أو ثلاثة أعوام لينشرها في الأهرام،‮ ‬ولكنها لم تصدر حتي الآن‮.‬
هذه بعض محطات خاصة في مسيرة فخري لبيب مع النشر والترجمة،‮ ‬ولم تكن تلك المعاناة إلا نتيجة لعدم احتراف فخري لبيب لتقنيات العلاقات العامة،‮ ‬كان رجلا لا‮ ‬يعرف سوي الاستقامة،‮ ‬ودور النشر الرسمية وغير الرسمية تتمتع بقدر كبير من المجاملات،‮ ‬وفخري لا‮ ‬يعرف لذلك أي سبيل،‮ ‬ومن هنا كانت بعض كتبه تعاني من التأخير والتعويق والمشاكل رغم أهميتها،‮ ‬وهناك كتب تحتاج إلي إعادة نشرها،‮ ‬خاصة كتبه‮ "‬الجبل وأنا‮" ‬ورواية‮ "‬عريان بين ذئاب‮"‬،‮ ‬وسيرته‮ "‬المشوار‮"‬،‮ ‬ومجموعته القصصية‮ "‬كنز الدخان‮"‬،‮ ‬وروايته‮ "‬الأيدي الخضراء‮"‬،‮ ‬وله مجموعة‮  ‬قصصية صدرت مؤخرا هذا العام،‮ ‬بعد زمن امتد لما‮ ‬يزيد عن خمس سنوات في المجلس الأعلي للثقافة،‮ ‬وهي مجموعة‮ "‬ولو‮".‬
وإذا كان فخري لبيب قد أنجز ما‮ ‬يزيد علي الثلاثين كتابا في الترجمة،‮ ‬إلا أنه كان حريصا علي الإبداع السردي،‮ ‬وكانت كتاباته القصصية والروائية تتسم بالواقعية الشديدة،‮ ‬تلك الواقعية التي كان‮ ‬يتمتع بها عصر الخمسينيات،‮ ‬وظل فخري ورفاقه مخلصين لتيماتهم وسماتهم دون افتعال أي مودات فنية أخري‮. ‬رحم الله الكاتب والمناضل والانسان فخري لبيب،‮ ‬مع السلامة‮ ‬يادكتور فخري، مع‮ ‬السلامة‮ ‬يارفيق‮ "‬أنور‮".‬





تعليقات القرّاء