رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقالات

محمد علي‮..‬ ‮ ‬الامبراطور الذي هوي‮ ‬


محمد‮ ‬غنيمة‮ ‬
3/11/2017 9:41:54 AM

اقترب من الثمانين،‮ ‬يشعر أن أجله قد حان،‮ ‬جمع رجاله وكبار موظفي دولته علي مائدة عشائه بالقلعة؛ طلب منهم أن‮ ‬يردوه إلي الحق؛ حاول إقناعهم بأنه لم‮ ‬يعد‮ ‬يعلي شيئا سوي مصلحة الوطن وإسعاد مواطنيه وعلي‮ ‬غير عاداته قال"إذا كنت آمر أحدكم شفاها أو تحريرًا بقولي أجر المادة الفلانية بهذه الصورة وحصل منه اعتراض علي،‮ ‬وذكرني وأفادني شفاها أو تحريرًا بأن المادة المذكورة مضره لكم فهذا‮ ‬يكون منه عين ممنونيتي الزائدة،‮ ‬وأنا مرخص في ذلك لكم الرخصة التامة المرة بعد المرة‮".‬

‮  ‬القلعة عام ‮١٨٤٦‬م
لعل هذه الكلمات الغريبة علي أسماعكم لم تزدهم إلا خوفًا،‮ ‬لم‮ ‬يكن بهذه السلاسة من قبل،‮ ‬لابد أنها مكيدة جديدة،‮ ‬لم‮ ‬يكن من مجيب فقط‮: ‬أنت ولي النعم،‮ ‬أنت أفندينا،‮ ‬لا تخطيء أبدًا،‮ ‬الأمر أصبح أكثر راحة بعدما سمعوه‮ ‬يكمل‮ "‬ولتعلموا أنكم إذا لم تحولوا عن خصالكم القديمة‮  ‬من الآن وصاعدًا ولم ترجعوا عن طرق المداراة والمماشاة ولم تقولوا الحق في كل شيء ولم تجتهدوا في طريق الاستواء،‮ ‬ولم تسلكوا سبيل الصواب لصيانة ذات المصلحة،‮ ‬فلابد لي من أن أغتاظ منكم جميعًا،‮ ‬ولما كنت موقنًا بتقدم هذا الوطن العزيز علي أي صورة كانت،‮ ‬وملتزمًا فريضته علي صرت مجبورًا علي قهر كل من لم‮ ‬يسلك هذا الطريق المستقيم اضطرارًا مع حرقة كبدي وسيل الدموع من عيني‮"‬؛ كلام لاذع وساخر وصريح للغاية،‮ ‬إن لم‮ ‬يكن وقحًا كل الوقاحة‮.‬
فاستحق معظم الجالسين لقب اشيك‮ "‬حمار بالعربية‮".‬
‮ ‬مقولته هذه التي جمع قادته وحاشيته ليقولها؛ ترسخ في نفسه،‮ ‬هل‮  ‬تشفي وتثلج صدور الحاضرين،‮ ‬هل كان‮  ‬يخاطبهم أم كان‮ ‬يخاطب نفسه،‮ ‬هل عاد فعلا لايبغي من الحياة سوي مصلحة شعبة‮ !!!‬،‮ ‬أم أحس أن أسطورته أوشكت علي الفناء،‮ ‬هل عاد‮ ‬يتذكر حمام الدماء الذي أساله للمماليك،‮ ‬كل الليالي كان‮ ‬يخاطب فيها دهاءه‮.. ‬يتحدث معه في جلسة بعيدة عن موطن العقول‮.. ‬دائمًا ما‮ ‬يفاجئ نفسه؛ بأفعاله التي هي بالفعل‮ ‬غابة شائكة من الأفعال المحسوبة،‮ ‬نظمه‮ ‬غير مألوفة،‮ ‬بدأت تنتابه الآن رعشته المعهودة التي طالما تذكر فيها هذه المذبحة،‮ ‬إنه‮ ‬يتذكر زوجته التي هجرته بسبب فعلته هذه‮. ‬
القلعة‮ ‬1847
أخد‮ ‬يدقق فيه‮ ‬يتمعنه بشكل مريب،‮ ‬لا‮ ‬يعلم ما الذي حدث لهذا الذئب،‮ ‬ما الذي‮ ‬يفعله مولاه،‮ ‬لا‮ ‬يعلم لماذا‮ ‬يتصرف بهذه الطريقة،‮ ‬اعتاد أن‮ ‬يعامله بلين إنه الآن لا‮ ‬يعرفه،‮ ‬كل شيء تغير،‮ ‬تصرفاته دعته لأن‮ ‬يتساءل هل هذا أفندينا ؟‮!! ‬لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يصدق،‮ ‬هل هذا الساكن الخانع المرتكن في طرف‮ ‬غرفته،‮ ‬هل هذا محمد علي باشا؟‮!!‬،‮ ‬لا أصدق‮ .. ‬إنه هو جسدا لكن ليس عقلا‮.. ‬أخذ‮ ‬يتذكر عندما ذاع صيت تلك‮  ‬المشعوذة العاتية التي أرهبت المحروسة بسحرها وأقنعتهم بأنها صاحبة القوي الخفية،‮ ‬وصديقة أسيادنا‮... ‬عندها أمر الذئب بربطها بحجارة ورميها بالبحر،‮ ‬تذكر كيف كان جبارًا وثابتًا،‮  ‬وبدلا من أن‮ ‬يقتنع‮  ‬الشعب بأنها ليست تمتلك قوي عظيمة،‮ ‬إلا أنه تيقن من أن‮  ‬محمد علي‮ ‬يمتلك قوي خارقة وهو أقوي منها‮..‬
ديوان الغوري‮ ‬يجتمع الغازي إبراهيم،‮ ‬الذي طالما لام أباه علي عدم تركه مواصلة انتصاراته وفتوحاته،‮ ‬هو الآن علي رأس جلسة‮ ‬يتناقشون في أمور مريبة،‮ ‬انتهت الجلسة وبعد ساعةوعلي دقات المنادي‮ ‬يعلو الآتي‮:‬
‮"‬أنه نظرًا لمرض محمد علي فقد تشكل مجلس فوق العادة تحت رئاسة إبراهيم باشا لتسيير دفة أعمال الحكومة،‮ ‬واجتمع الديوان في‮ ‬24‮ ‬من شوال بحضور العلماء والمشايخ وأشراف البلد ومن لزم حضوره من الذوات بديوان الغوري حيث قرئ علي رؤوس الأشهاد الفرمان القاضي بتعيين إبراهيم باشا واليًا علي مصر وصدر فرمان التقليد من الباب العالي‮"‬
عاد إبراهيم إلي قصره،‮ ‬دخل إلي‮ ‬غرفته،‮ ‬أغلق علي نفسه الباب،‮ ‬ظل‮ ‬يخاطب نفسه كيف‮ ‬يتعامل مع ولي نعمه وأبيه،‮ ‬كيف‮ ‬يتعامل في إدارة شئون البلاد،‮ ‬تلك البلاد الضاربة في التاريخ والقديمة قدم الإنسانية نفسها،‮ ‬هل‮ ‬يصبح أباه الثاني،‮ ‬بدأت ضحكاته المتقطعة تتعالي،‮ ‬لم تنتبه روح السلطة أو بفرح تقلده علي رأس الدولة،‮ ‬ولكنه تذكر أباه حينما أتوه بذاك المصور الفوتوغرافي لتخرج من آلته هذه بعض من الدخان،‮ ‬فيزجر أبيه ما هذا إنه رجس من عمل الشيطان،‮ ‬اذهب بعيدا أيها الشيطان‮.... ‬
الآن بدأ المرض‮ ‬يسري في عقل وجسد الذئب؛ فصار لايعرف أحدًا،‮ ‬ساكنا في مكانه،‮ ‬شاردًا بذهنه في رحاب السماوات،‮ ‬لعله‮ ‬يتذكر إنجازاته،‮ ‬لعله‮ ‬يبكي علي حاله،‮ ‬محكوم عليه بالنفي داخل جدران ذاكرته،‮ ‬يلمح طيف ابنه طوسون،‮ ‬يذكر كيف قدم له العون،لعله‮ ‬يتذكر ابنه الذي مات بعد مرضه،‮ ‬لعله‮ ‬يذكر حين أعطي مفاتيح الكعبة للسلطان العثماني‮....‬
رأس التين‮ ‬1848م
‮ ‬الأن أصبح الأمر موجعًا،‮ ‬دخل عليه الحجاب‮ ‬يا ولي النعم مات ابنك إبراهيم،‮ ‬مات الغازي،‮ ‬لم‮ ‬يفهم شيئا مما قالوه؛ نسي من هو إبراهيم أصلا،‮ ‬لم‮ ‬يرمق،‮ ‬لم‮ ‬ينظر أساسا،‮ ‬يسبح في‮ ‬غيبوبة‮ ‬يقظة،‮ ‬يعلم أن ثمة شيئا‮  ‬كبيرا‮ ‬يحدث ولكن لا‮ ‬يستطيع عقله تدبره،‮ ‬مات ابنه الغازي الذي طالما انتصر لإرادته،‮ ‬لعل الدماء التي أذرفت هي التي تؤرقه تخرجه من عقله،‮  ‬لابد أن موت أغلب أبنائه هو السبب فيما‮ ‬يحدث له،‮ ‬لم‮ ‬يظهر ضعفا أبدًا،‮ ‬فهو دائما ما‮ ‬يتكلم بدهاء ويتحدث في حكمة أم أن فقده للجيش شيئ آخر في وعكته‮.‬
الآن عباس حلمي الأول‮ ‬يأتي من الحجاز،‮ ‬كان هاربا من‮ ‬غريمه ابراهيم باشا‮  ‬في الرأي والمزاج،‮ ‬يأتي الأن بعد أن أوصت لجنة الاثني عشر،‮ ‬بتعيينه علي رأس الدولة،‮ ‬فدار الزمان ليصبح الهارب واليا ويصبح الحاكم تحت الركام‮. ‬
رأس التين‮ ‬1849م‮ ‬
تنتابه الآن ذاكرة المحتضر،‮ ‬يمر شريط حياته ويعبر أمام عينه،‮ ‬تحاصره أفعاله،‮ ‬ينتعش في ذكري طفولته،‮ ‬كيف كان‮ ‬يقتفي أثر أبيه بأن‮ ‬يصبح جنديا،‮ ‬تذكر عندما كان محجمًا علي الذهاب لمصر المحروسة،‮  ‬يتذكر وجه الصوفي ولحيته البيضاء،‮ ‬هذا الذي نبأه بأن علي جبينه النصر،‮ ‬يتذكر عندما ترجموا له كتاب الدهاء،‮ "‬الأمير‮" ‬لميكيافيلي فرماه وقال لهم ليس هذا إلا طفلا صغير في دار دهاء محمد علي الذئب،‮ ‬إنها الآن نهايته في ذلك القصر،‮ ‬إنه‮ ‬يلفظ أنفاسه الأخيرة بالإسكندرية التي طالما عشقها،‮ ‬يحبها تذكره بمعجبه الأوحد نابليون،‮ ‬يتذكر حين حاك خطة لتهريبه من الجزيرة التي نفي إليها‮ "‬سانت هيلانه‮". ‬طالما فكر مثله،‮ ‬طالما أراد أن‮ ‬يصنع امبراطورية تفوق الامبراطوريات العظمي،‮ ‬إنه الآن لا‮ ‬يستطع حتي تدبر أمر نفسه،‮ ‬اشتد مرضه عليه فقد عقله ففقد حكمه وحتي فقد جسده،‮ ‬فذهبت روحه لبارئها وخالقها،‮ ‬وذهب جسده من رأس التين لقلعته وهناك بني قبره وانتهي عصره وجاءت سلالته‮.    ‬

تعليقات القرّاء