رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
مقالات

كتابة

زمن القليوبي‮ ( ‬4‮ )‬


محمود الورداني
3/11/2017 12:59:34 PM

إنت مابتقراش المسا؟
‮ ‬لا أتذكر تحديدا الملابسات التي قادتني لمكتب عبد‮ ‬الفتاح الجمل وتسليمه قصتي لينشرها،‮ ‬لكنني متأكد أن أصدقاء شقيقي عبد العظيم أعجبتهم القصة،‮ ‬وربما كانت المرة الأولي التي يحدث فيها مثل هذا الإعجاب‮. ‬وأنا نفسي شعرت بالدهشة عندما قرأتها أخيرا‮. ‬القصة اسمها كرنفال،‮ ‬وعلي الرغم من أنني استبعدتها عندما أعددت مجموعتي الأولي للنشر،‮ ‬إلا أن العالم والشخصيات الواردة،‮ ‬كانت مدهشة فعلا،‮ ‬فهي تدور مثلا في شوارع القدس،‮ ‬وأشخاصها هم إليكترا وأوريست وإيزيس والمسيح وما إلي ذلك‮.‬
ولأن معهد الخدمة الاجتماعية الذي دخلته بسبب مجموعي المتهافت في الثانوية العامة،‮ ‬قريب من مبني جريدة المساء،‮ ‬مررت في أحد أيام نوفمبر‮ ‬1968‮ ‬علي مبناها،‮ ‬ولم يكن الجمل موجودا وتركتها لشاب صغير السن وجدته هناك هو الكاتب محمد جبريل،‮ ‬وأظن أنه هو الذي اقترح عليَّ‮ ‬هذا،‮ ‬وبعد أسبوع واحد،‮ ‬مررت مرة أخري،‮ ‬وتوجهتُ‮ ‬إلي جبريل وسألته،‮ ‬أجابني بغضب‮: ‬إنت ما بتقراش المسا؟ قلتُ‮ ‬له بكل براءة‮: ‬لأ‮..‬والمفاجأة أنه أخرج من دُرج مكتبه أحد الأعداد،‮ ‬ووجدت قصتي منشورة بالفعل في عدد سابق،‮ ‬أي أنه نشرها علي الفور بمجرد وصولها له‮.‬
كنت قد حكيتُ‮ ‬في موضع سابق أنني اختطفت،‮ ‬العدد وأسرعتُ‮ ‬بالخروج،‮ ‬لكن جبريل ناداني وطلب مني أن أشكر الأستاذ الجمل،‮ ‬وانتهي الأمر بجريه ورائي بالمسطرة التي يرسم بها الصفحات عبر صالة التحرير،‮ ‬وهو مصمم علي ضربي لأنه تخيّل أن هناك مقلبا دبرّه زملاؤه لتعطيله عن رسم الصفحة،‮ ‬وأرسلوا له ولدا صغيرا هو أنا بالطبع،‮ ‬والحقيقة أن شكلي آنذاك لم يكن يتجاوز صبي في الرابعة عشرة علي أقصي تقدير،‮ ‬ومهمة الولد تعطيله وتمثيل أنه كاتب‮!‬
علي أي حال منذ ذلك اليوم البعيد،‮ ‬والجمل من أهم من أثّروا،‮ ‬ليس في حياتي الشخصية والأدبية،‮ ‬بل في حياة أجيال خرجت كلها من معطف الجمل علي نحو مباشر وغير مباشر‮. ‬الجمل لم يكن فقط هو من أهداني أول شرائط سيمفونيات وبيتهوفن وبرليوز وموتسارت فقط،‮ ‬بل أدين له إنسانيا قبل كل شئ،‮ ‬كان يسجلّ‮ ‬الشرائط علي جهازه الخاص،‮ ‬فقد كان يمتلك مكتبة اسطوانات موسيقية نادرة‮. ‬وكان مكتبه في أقصر الركن الأيمن من صالة التحرير،‮ ‬ويوميا بلا مبالغة يتوافد ما لايقل عن خمسة عشر كاتبا يتحدثون ويشربون الشاي والقهوة،‮ ‬وغالبا ما ينزل الجميع معا لننتقل إلي مقهي فينكس وربما تناول البعض سندوتشات فول من مطعم قريب،‮ ‬ونواصل حديثنا،‮ ‬ويختار الجمل أن يلعب طاولة‮.‬
من توافدوا علي الجمل وسعدتُ‮ ‬أنا الشاب الصغير بالتعرف عليهم بل وتشرفتُ‮ ‬بصداقتهم،‮ ‬هم قامات كبيرة مثل صلاح عيسي والقليوبي والأبنودي وأصلان وأمل دنقل وسعد عبد الوهاب وصبحي شفيق والبساطي وعطيات الأبنودي ورضوي عاشور ويحي الطاهر وعدلي رزق الله،‮ ‬وكثير من مجايلي مثل عبده جبير وجار النبي والكفراوي‮ . ‬وغيرهم وغيرهن‮.‬
الحقيقة أن الجمل كان درسا للجميع‮. ‬من المقطوع به إنه لم يكن منتميا لمنظمة سرية أو علنية،‮ ‬وكثيرا ما استدعته مباحث أمن الدولة ليكف عن‮  ‬النشر لتلك المجموعة بالذات ممن ارتفع صوتهم وسقف احتجاجاتهم بعد هزيمة‮ ‬67‮ ‬القاسية،‮ ‬وكان أغلبهم يساريين،‮ ‬وأتذكر أن رده علي كل الأجهزة المنفذة أنه لن ينشر إلا للقيمة،‮ ‬وإلا فلن ينشر شيئا ويتوقف عن العمل‮. ‬ربما كان الجمل الوحيد الذي كان صلبا في مواجهة الإملاءات والرجاءات،‮ ‬وحتي لمن هم في عداد أصدقائه القريبين،‮ ‬كثيرا ما رفض نشر بعض أعمالهم،‮ ‬بينما علاقة الصداقة القائمة بينه وبينهم لاتتأثر‮.‬
سأستكمل في الأسبوع المقبل إذا امتد الأجل الكلام عن سيدي وتاج رأسي عبد الفتاح الجمل‮.‬

تعليقات القرّاء