رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي‮ (‬5‮)‬


محمود الورداني
3/18/2017 10:53:30 AM

‮  ‬إلي جانب ماتركه الجمل من كتب متنوعة،‮ ‬وما يشكّل عدة كتب أخري من المقالات والزوايا والأعمدة الصحفية التي لم يجد الحماس الكافي لإصدارها،‮ ‬ترك أيضا العدد الخاص من مجلة الثقافة الجديدة في مايو‮ ‬1992،‮ ‬وأظنه المصدر الوحيد لبعض المعلومات الدقيقة عنه،‮ ‬خصوصا أنه صدر في حياته وبإشرافه،‮ ‬وقبل رحيله بهدوء‮  ‬شديد بعد ذلك بأربع سنوات‮.‬
الجمل من مواليد قرية محب من أعمال دمياط عام‮ ‬1923،‮ ‬وحصل علي ليسانس آداب من جامعة الإسكندرية عام‮ ‬1945،‮ ‬ثم عمل بالتدريس عدة سنوات‮ ‬،‮ ‬حيث أقام معرضا للتصوير الفوتوغرافي في أسيوط عام‮ ‬1953،‮ ‬قبل أن يعمل بالصحافة عام‮ ‬1956‮ . ‬للأسف لم ألحق بملحق المساء عام‮ ‬1962،‮ ‬وإن كنت شاهدت بعض أعداده‮. ‬كان يضم أربع صفحات،‮ ‬وهو عبارة عن جاليري لكل أشكال الفنون‮ : ‬السينما والمسرح والموسيقي والقصة والشعر والفن التشكيلي،‮ ‬وأظنه من أهم تجارب الصحافة الثقافية علي الإطلاق‮.‬
‮ ‬لم تحتمل الأجهزة مثل ذلك الملحق،‮ ‬وسمحت فقط بصفحة واحدة تصدر مرتين أو ثلاثا في الأسبوع،‮ ‬ومع ذلك كانت تلك الصفحات القليلة المتباعدة رئة اتسعت لكل التجارب الجديدة كما سبق أن أشرت‮. ‬أما أجهزة الأمن فلم تدخر وسعا في التلويح له بالجزرة تارة والسيف تارة أخري‮ . ‬فمثلا تم استدعاؤه في إحدي ليالي رأس السنة،‮ ‬وأمضي الليلة بكاملها في أحد مكاتب لاظوغلي جالسا علي مقعد وخلفه مخبران يراقبانه،‮ ‬وفي الصباح اعتذروا له‮. ‬كما توجه له في مكتبه أحد القيادات الأمنية وأخبره أنهم بصدد تصعيده إلي منصب مرموق،‮ ‬وغضب بشدة لما أخبره أنهم يحتاجون فقط لبعض المعلومات عن بعض الأشخاص‮. ‬والأكثر فداحة أنه توجه إلي رئيس التحرير يشكو له،‮ ‬فقال له الأخير‮ : ‬وماله يا عبد الفتاح‮ .. ‬لازم نتعاون معاهم‮ .. ‬ماتعرفش رأيهم فيّ‮ ‬إيه؟‮!‬
‮ ‬علي أي حال لم يكن لدي الجمل ما يخاف عليه،‮ ‬ولم يطمع يوما في الحصول علي ما يمكن أن يخاف عليه،‮ ‬فعاش الحياة التي اختارها تقريبا،‮ ‬وهو مدير التحرير الوحيد الذي اشترط قبل تعيينه أن يكون مسئولا عن الصفحات الداخلية فقط حتي لا يضطر للكذب‮.  ‬وعدما طلبوه في أخبار اليوم بإلحاح في أواخر الستينيات ليعد ملحقا‮ ( ‬بحجم التابلويد‮) ‬أصدر منه عدة أعداد كانت درسا بليغا في الصحافة الثقافية،‮ ‬وعندما بدا له أنه لن يستطيع الصمود طويلا أمام الفساد،‮ ‬غادر المؤسسة،‮ ‬رغم الامتيازات والتواجد‮ ..‬إلخ‮ . ‬لا حسابات عند الجمل إلا شرفه الشخصي كإنسان وفنان،‮ ‬وأشهد أنه لم يفرط فيه للحظة واحدة‮ . ‬وحين تغيرت الدنيا واحتل المخبرون المناصب،‮ ‬واتسع الخرق علي الراقع،‮ ‬سوّي معاشه واستقال‮.‬
وأخيرا وحتي تكتمل الدراما،‮ ‬كنتّ‮ ‬أنا واحدا من بين ثلاثة أتيح لهم أن يشهدوا اللحظة الأخيرة‮ . ‬لا أتذكر الملابسات تحديدا،‮ ‬ولكن عرفتّ‮ ‬أن الجمل مات في إحدي مستشفيات مدينة نصر،‮ ‬جرت اتصالات هاتفية بين الراحل إبراهيم أصلان والصديق الناقد حسين عيد وأنا،‮ ‬واتفقنا علي اللقاء والذهاب إليه معا‮. ‬وصلنا لنجد سيارة نقل الموتي أمام الباب الخلفي‮ . ‬وقفنا ثلاثتنا صامتين‮. ‬كان عبد الفتاح راقدا داخل الصندوق ونحن نقف أمامه في الشارع الخالي تقريبا،‮ ‬ولم نكن حتي قد تأكدنا أنه عبد الفتاح،‮ ‬حتي خرج من الباب عدد قليل من الرجال الذين ركبوا السيارة متوجهين إلي قريته محب ليستريح هناك.واستدرنا نحن عائدين دون أن نستطيع تبادل الكلام‮.‬