رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

القوي الناعمة .. كيف ولماذا وأين؟!


د. إبراهيم نوار ود. سهير عبد السلام يتحدثان عن القوي الناعمة

د. إبراهيم نوار ود. سهير عبد السلام يتحدثان عن القوي الناعمة

إسراء النمر
2/3/2018 10:53:58 AM

شهدت القاعة الرئيسية، التي حملت اسم الأديب عبد الرحمن الشرقاوي، شخصية المعرض، عدداً من الندوات التي تناولت قضية المعرض أو شعاره »القوي الناعمة..كيف؟»‬، إذ طرح عددا من المُفكرين السياسيين رؤيتهم لكيفية استغلال تلك القوي حتي تستطيع مصر أن تعود كما كانت في السابق.. رائدة، ومؤثرة.

في الندوة الأولي، التي جاءت تحت عنوان (كيف تدير مصر قوتها الناعمة)، تم التركيز علي مفهوم القوي الناعمة، وعلي ما لدينا من موارد بإمكانها أن تغنينا عن مساعدة أحد، إذ بدأ الإعلامي محمود الورواري -الذي أدار الندوة- النقاش بقوله إن مصر كان لها تأثير كبير في دول العالم المختلفة، من خلال الأزهر والكنيسة، ومن خلال السينما والمسرح، وأيضاً الأدب، لكن تأثيرها هذا خف، بسبب انهيار الفن والثقافة، وتراجع دور مؤسساتها، مضيفاً أن القوي الناعمة لا تحتاج فقط إلي أدوار الدولة لكي يكون لنا تأثير، لأن القوي الناعمة أفكار قبل أي شيء آخر، فأمريكا علي سبيل المثال تعد السينما بالنسبة لها مصدرها الرئيسي في التأثير علي العالم أجمع، نفس الأمر حدث في السنوات الأخيرة مع تركيا، لكن من خلال الدراما، التي صارت تصدرها إلي أكثر من 143 دولة حول العالم.
بينما قال د. عبد المنعم سعيد، رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية الأسبق، إن القوة الناعمة التي نقصدها هي القدرة علي التأثير في الدول لدفعها إلي اتخاذ مواقف ما كانت لتأخذها بدون هذا التأثير، مشيراً إلي أن مفهوم القوي الناعمة لم يكن ليصبح كما نعرفه اليوم، لولا التحولات الكبري التي حدثت في العالم، من الثورة الصناعية، وما تبعها من انخفاض في معدلات الجوع والفقر والأمية، وانخفاض معدلات الحروب إلي النصف تقريبًا، وهو ما جعل استخدام القوي الخشنة أو الصلبة، أمرًا مكلفًا، ليس علي المستوي المادي أو البشري فحسب، ولكن علي المستوي الأخلاقي أيضًا. متابعاً أن مصر استخدمت علي مدار القرنين الماضيين كل القوي الناعمة والخشنة الممكنة، لكنها خسرت كثيرًا من مكانتها عندما اعتمدت فقط علي القوي الخشنة، مما دفعها إلي اللجوء إلي المعونات.
وأشار عبد المنعم سعيد إلي أن المكانة الخاصة التي حصلت عليها الولايات المتحدة في المجتمع الدولي عن غيرها من الدول الأخري المنافسة لها مثل روسيا والصين والهند تعود بالأساس إلي اعتمادها علي القوي الناعمة، »‬وبالنسبة لمصر، عليها أن تعيد تقديم نفسها عن طريق فكرتين هما البعث والتقدم، حيث إن الموجود لدينا من قوي ناعمة يعتمد علي الماضي الذي يخصم منه الحاضر الكثير. لذا أقترح أن يتم تدشين المركز المصري المعاصر، بحيث يكون متخصصا في إدارة القوي الناعمة والتنسيق بين الجهات المختلفة لإحداث نوع من التضافر في الجهود بما يخدم أهداف الدولة في التأثير».
الأمر نفسه أكد عليه د. صلاح سالم، أستاذ العلوم السياسية، الذي قال إن استخدام القوي الصلبة ليس هدفاً في حد ذاته، إنما وسيلة لتحقيق مجموعة من الأهداف، وإذا كانت هناك قوي ناعمة تتمكن من تحقيق هذه الأهداف دون أن تكبدنا شيئاً، فهذا دافع قوي إلي تبنيها. مضيفاً أن مصر بطبيعتها ظلت وصفة مثالية  لاستخدام القوي الناعمة، فهي تملك تاريخاً وحضارة وفهماً خاصاً للدين، إذ اعتمدت في القرنين الماضيين علي الأزهر الشريف كنموذج تقليدي للقوي الناعمة، ولسنوات قريبة كانت تعتمد علي جامعة القاهرة كإحدي أهم الوسائل التي تجتذب إليها أبناء المنطقة العربية، فضلاً عن الحركة التنويرية والحداثية، وريادتها في السينما، وامتلاكها لأهم نادي وهو النادي الأهلي، أي أنها من خلال المستوي المعرفي والثقافي والفني والرياضي استطاعت أن تخلق لها مكانة بين الدول العربية والأوربية.
وفي ندوة أخري، قال د. إبراهيم نوار، رئيس الوحدة الاقتصادية بالمركز العربي للبحوث والدراسات، إن القوي الناعمة في مصر تتجسد في مجالات مختلفة، فإذا ذكرنا في مجال الأدب اسم نجيب محفوظ أو طه حسين فسنجد أنهما رموز معروفة، وأن لهما تأثير كبير، كذلك في مجال الرياضة إذا ذكرنا اسم محمود الخطيب سنجد أنه من قوانا الناعمة، وأنه من خلاله صارت مصر أكثر دولة في إفريقيا حصلت علي كأس الأمم الأفريقية في كرة القدم.  مستكملاً: »‬طالما مصر جزء من العالم الكبير، فعليها أن تعرف أولاُ كيف بإمكانها أن تؤثر في هذا العالم، فلم يعد كافياً أن نعتمد فقط علي تاريخنا وعلي الريادة السابقة التي كانت لمصر في عدة مجالات، خصوصاً أن العالم يشهد في وقتنا هذا عدداً كبيراً من المتغيرات».
وأضاف إبراهيم نوار أنه إذا أرادنا أن يكون لدينا تنافس في مجال القوي الناعمة فهذا يتطلب من الدولة الكثير من المهام، من بينها الاهتمام بالثورة البشرية، ورفع مستوي التعليم، ودعم الفن بمختلف أشكاله، وفي النهاية »‬نحنُ لدينا مخزون ثقافي وأدبي وتاريخي ودرامي وسياسي يمكننا من تحقيق الريادة».
أما د. سهير عبد السلام، عميدة كلية الآداب جامعة حلوان، فتري أن »‬مصر ليس لديها رؤية شاملة في صناعة القوي الناعمة، خصوصاً أن صناعة القوي تأتي عن طريق النخبة في المجتمع، ونحنُ للأسف لا نملك نخبة حقيقية، ولم يعد لدينا سوي أنصاف المثقفين، وأنصاف المفكرين».  لذا نحنُ نحتاج في طريق تحقيق القوي الناعمة إلي أن يكون لدينا نماذج مُعبرة عن الثقافة المصرية والتاريخ المصري والحضارة المصرية والأدب المصري والفن المصري والدبلوماسية المصرية، حتي نستطيع أن نقدمها للعالم لتُحدث التأثير المطلوب.
الشرقاوي ومحفوظ
من جهة أخري، شهدت القاعة الرئيسية ندوات أخري تناولت شخصيات بارزة في الأدب، مثل عبد الرحمن الشرقاوي، الذي يعد من مؤسسي الكتابة الروائية، وخاصة الكتابة عن الريف، حسبما قال الناقد الأدبي محمد بدوي، كما يعتبر أحد أهم من أسسوا لقصيدة التفعيلة، وأحد أهم الأعلام الذين صاغوا الاتجاهات الثقافية المصرية الحديقة، إذ ناضل من أجل قيم شديدة الوضوح، والمتمثلة في قيم العدالة والحرية والحلم بوطن مختلف. مضيفاً أنه كان علي صلة وثيقة بكل ما كان يدور في المجتمع في فترة الأربعينيات، فقد كان مُعبراً عن الاتجاه العلماني، وعن المثقفين العلمانيين، كما كانت له مواقف سياسية، وهو الأمر الذي جعله أحد القلائل الذين نصنفهم ضمن من أثروا في التاريخ بمؤلفاتهم.
كما قالت الناقدة ثريا العسيلي إن عبد الرحمن الشرقاوي كان يشعر بمسئولية كبيرة تجاه الكلمة، فالكلمة عنده قد تقود إلي الجنة أو النار، والكلمة فرقان بين نبي وبغي، باعتبارها حصن الحرية. وأضافت: »‬لقد كان مُهتماً أن تكون كلمته مسخرة لخدمة البسطاء والفقراء، وفي روايته »‬الأرض» التي تجسدت في فيلم سينمائي من بطولة محمود المليجي، تناول القهر الذي تعرض له الفلاحون من الإقطاعيين في عهد حكومة صدقي باشا، كما تناول أيضاً في روايته »‬الشوارع الخلفية» الظلم الذي تعرض له أهالي القاهرة في الأحياء البسيطة، فقد كان ينادي في جميع أعماله بالكرامة والحرية والحياة الكريمة».
فيما أوضح الناقد حسين حمودة أن تجربة الشرقاوي تحمل ملامح لا تزال مهمة، خاصة في هذا العصر، وربما في العصور المقبلة، وذلك نظراً لأن أعماله تتميز بمواكبة والمعاصرة للأزمان المختلفة فقد تجاوز الزمن الذي كتب فيه هذه الأعمال.
وفي ندوة بعنوان »‬نجيب محفوظ.. 30 سنة علي نوبل»، تم التوقف أمام تجربة نجيب محفوظ، الذي لا يحتاج إلي مناسبة لنتحدث عنه، إذ قالت الناقدة أماني إن التغيرات التي طرأت علي الأدب واللغة والثقافة جعلت المبدعين والكُتّاب يأملون في تكرار ما فعله محفوظ، الذي كان السبب وراء الانفجار الروائي الذي نعيشه بعد حصوله علي نوبل. بينما قال الناقد خيري دومة إن الرواية قبل نجيب محفوظ كانت محض تقليد للغرب، حتي جاء نجيب محفوظ ليضع معني جديداً للرواية نتيجة لدراسته للفلسفة، وذلك عبر مقالاته التي نُشرته له بعد وفاته، فمحفوظ كان يحلم بأن يكتب 50 رواية تاريخية وأن يصل إلي المعني الأبعد الذي تقصده معاني الرواية، لكنه لم يستكمل حلمه، وكتب الرواية الاجتماعية التي من خلالها صار روائياً عالمياً.