رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في دورته التاسعة والأربعين:معرض طارد وجمهور مبشر


سور الأزبكية .. الملاذ الأخير

سور الأزبكية .. الملاذ الأخير

جمال المراغي
2/10/2018 11:41:32 AM

بعد عودتي من زيارتي الأخيرة لمعرض الكتاب، وبينما كنت أختار مدخلا لفضفضتي عما تملكني من رؤية وشعور من وجودي لساعات أجول في جنبات أرض المعارض، حاولت أن أعمل بنصيحة صديقي قدر استطاعتي وأن أبحث عن شئ إيجابي أبدأ به، فكان سلواي مع أحمد فؤاد نجم، وسيد حجاب، وفؤاد حداد، وزكريا الحجاوي ، وشادية، وبابا شارو، وأبلة فضيلة ومحمد فوزي وغيرهم من القامات الأدبية والفنية الذين حملت قاعات ومخيمات المعرض أسماءهم، ولكن إشارات المخ عندي أرّقتني بتساؤلات مؤلمة عن المحتوي إن كان يتناسب مع قيمة هؤلاء، وعن شعوري بالغربة والحنين للماضي الذي لم يفارقني بعد.

حاولت تجاوز صدمتي بإقامة الافتتاح ليلا علي غير ما اعتدنا، وبدأت أيامي مع المعرض وطبعته رقم 49 في اليوم التالي، فتجلت أمامي أيام المعرض الأخيرة بملامحها المزعجة، حيث الفوضي وأكوام القمامة، وكان التعذر وقتها بأن الإقبال والزحام هو الذي أحدث هذا مقبولا إلي حد ما، وأن هناك ما هو أهم يجب أن نلتفت إليه, كالكتب والفعاليات، إلا أن وجود ذلك في الساعات الأولي يبدو مستهجنا.
هذه الحركة غير المقصودة والتي لا مبرر لها بتغيير موعد الافتتاح، وضعتنا مجددا أمام حقيقة الفكر الروتيني الخرب العالق بمؤسساتنا منذ عقود، فحضور وزير الثقافة صباحا وتجوله المتوقع بمختلف الخيم والقاعات عبر طرقات المعرض مترجلا يجعل القائمين عليه حريصين علي النظافة والنظام في المكان، وقبل الافتتاح, تلتزم كل الأكشاك داخل وخارج الأجنحة علي جمع بقايا الأشولة والحبال وغيره مما تخلف، سواء عند إعدادها أو جلب الكتب والمطبوعات المختلفة بها، كما تحرص كذلك علي تصفيف الكتب قبل الافتتاح لتكون كل الأمور في أفضل صورة ممكنة.
لكن ولأن السيدة الوزيرة والمسئولون حضروا ليلا والجميع نيام، فكانت المشاهد المزرية في استقبال الجمهور في اليوم التالي، فوجدوا القمامة تنتظرهم ولا يمكن أن يحملوا وزرها هذه المرة، وصعوبة الوصول للكتب نتيجة إلقاء البعض منها في الممرات، أو لغلق الأكشاك عمدا بحجة أنهم لم ينتهوا بعد من ترتيب وتنظيم الكتب وهو الأمر الذي استمر حتي ختام الأسبوع الأول.
 واصلت خريطة المعرض الكبري الغياب عن المشهد وكذلك الإشارات التي توجه الزائرين، وإن قلل من الشعور بهذا الغياب ظهور بعض الفتيات ممن يرتدين زيا موحدا عليه شعار »قناة دي إم سي»‬، يبادرن بتقديم المساعدة لمن يرغب، ومع كل منهن خريطة تفصيلية لأرض المعارض مزودة بأسماء المكتبات الخارجية في اجتهاد منهن يشكرن عليه.
طالت الفوضي كذلك »‬سور الكتب» واختلط فيه الحابل بالنابل، وخاب أمل الكثير ممن حضروا إليه بحثا عن حاجاتهم كملاذ أخير، ظنا منهم أن التصفيف الذي كانت عليه الكتب العام الماضي سييسر عليهم البحث، ولكن هيهات، فالكثيرون عبروا عن استيائهم من المتاهة التي واجهوها لعدة ساعات دون جدوي، وعجز البائعين عن مساعدتهم في ظل غياب خبراء السور ومن يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن الكتب المتوفرة ومكان وجودها.
لم تتوقف المتاهة عند السور فقط، ولكنها كالعادة تجدها في كل الأجنحة، فيصعب علي أي من الحضور الوصول لدار نشر بعينها، وعليه أن يتجول لساعات من جناح لآخر وبين ممرات كل منها حتي يصل لهدفه، وربما لا يصل، وخاصة أنه لن يجد من يساعده، فلا أحد من أمناء المكتبات يعرف حتي من يجاوره، ثم فجأة وبعد أن تتجاوز الساعة السادسة مساء، يظهر المسئول أخيرا، ولكنه حضر ليصيح في الزائرين ليغادروا من أجل غلق الجناح، يأتي هذا رغم استمرار العديد من الفعاليات حتي التاسعة مساء، في الوقت الذي يستنكر فيه الأمن بالبوابات الخارجية حضور جماهير، بل ويمنعونهم من الدخول في السابعة، متناسين أن هناك ندوات وأحداث ستبدأ توا.
حاولت خلال تجوالي أن أستعير عين ووجدان أحد الجماهير، والذي يلجأ للفعاليات بعدما ينتهي من جولته سواء وفق فيها أو أصابه الإرهاق بدنيا، وإن كان سعيد الحظ سيعثر مصادفة علي برنامج المعرض المطبوع, والذي أُعِّد بتميز وطبعة فاخرة تليق بالحدث، ويبدأ بخريطة عامة تتكرر قبل كل قسم بها، موضح عليها مكان الفاعلية، ويعبر عن الزخم الثقافي والفني للمعرض رغم ما يشعرون به من ارهاق, ولكن تفاجأ بأن كثيرين منهم في ترحال من قاعة إلي أخري وتظن أنهم يرغبون في الاستمتاع بأكبر قدر من الفعاليات، ولكنه في الحقيقة هروب من الملل داخل الخيم والقاعات، ملل لا يمكن أن يتحمل ذنبه من يديرون المناقشات والندوات أو المشاركين فيها، ولكنها العناوين الفضفاضة التي توضع للعديد من الفعاليات ولم تعد تجدي، ويعجز معها الحضور بشكل عام.
عناوين فضفاضة مثل »‬الإعلام والقوي الناعمة»، »‬واقع الترجمة الروسية والعربية»، »‬الإصلاح الإداري» وغيرها، ولم يكن كافيا اختيار رموز مثل توفيق الحكيم، شادية، يحيي حقي، ونجيب محفوظ، ولكن يتطلب الأمر جهدا أكبر من اللجنة المسئولة عن البرنامج لتناول موضوعات محددة بدقيقة، ومحاور رئيسية وفرعية حتي تعود المناقشات بالنفع وتسفر عن برامج تطبيقية يمكن متابعة تنفيذها خلال عام واختبار مدي جدواها خلال المعرض التالي، كما تأثرت الأحداث بعدم حضور بعض المشاركين في ظاهرة تتكرر منذ سنوات.
وبدت الموائد المستديرة والأمسيات الشعرية أقل كثيرا فكريا وإبداعيا من الأعوام الماضية، في حين أثبتت فكرة ملتقي شعراء الجامعات للعام الثاني أنها تستحق العناء فيما يشبه التباري بين الطلاب من جامعة حلوان إلي طنطا، المنوفية، دمنهور، الإسكندرية وغيرها، لكنها تحتاج لإعداد أكبر وانتقائية تمنح الفرصة للأفضل.
بينما ظهر قسم »‬ كاتب وكتاب» بقاعة سيد حجاب الأكثر ثراء بفضل جودة الأعمال وحماس الحضور وتفاعلهم، وإن عابها أن بعض من يديرون الندوات لم يطلع علي الكتاب محل النقاش بما يكفي، وتميز ملتقي الشباب بقاعة محمد أبو المجد بتنوع موضوعاته ما بين التنموية وما يحض علي الحفاظ علي الهوية وحب الوطن وما يتعلق بروافد التنمية والصناعات الثقافية من الموسيقي إلي السينما، في غياب المسرح، وإن عاب مناقشاتها أنها لم تكن عميقة بالقدر الكافي.
وكانت المخيمات الأكثر تعبيرا عمن تحمل اسمه ، مخيم مكاوي سعيد وبه ملتقي الإبداع ، سواء علي مستوي الأعمال أو المشاركين أو موضوعات الندوات، وكذلك المقهي الثقافي لصاحبه أحمد فؤاد نجم وخاصة لمناقشته كتابات الأقدمين لابن هشام وابن ماسويه وغيرهما، وموضوعات أكثر تنوعا وعمق، في حين عانت حفلات التوقيع المعلن عنها في الجدول والتي أغلبها لإصدارات الهيئة العامة للكتاب من غياب الكتب، بخلاف المكتبات الخاصة التي وفرتها، بل واهتمت بالتنسيق مع الكاتب لتوجيه دعوات الحضور.
يحتاج مخيم يوسف شاهين السينمائي لاهتمام أكبر، وإعداد مسبق بشكل جيد، في حين بدأت حفلات المسرح المكشوف بحفل مبشر لمدارس محافظة المنيا، ثم حبس الجمهور فيما بعد مع مدارس القاهرة الكبري، ورغم قلة العروض في مخيم فنون شادية ولكن العناصر المشاركة حاولت الاجتهاد وسط فوضي تنظيمية.
وأختتم بإحساس شخصي بالغربة وغياب الشغف القديم عندما كنت أحضر مع والدي برفقة أخوتي ولم يكن هناك مكان لنجلس ونستريح به فكنا نفترش الأرض،  ولا مصدر ماء سوي صنبور وحيد وسط أرض المعارض يذهب أحدنا ليملأ منها زجاجة أحضرناها معنا بينما يذهب الوالد إلي خارج المعرض لجلب الطعام، ولكننا كنا نشعر بالدفء وأن الجميع بداخل وخارج الخيم يتعاونون معا من أجلنا، أمر يتعلق بالسلوك العام لا يقع علي عاتق القائمين علي المعرض بالطبع، ولكن الابتسامة تعود رغم عوامل الطرد مع الصبية والصبايا الذين يجرون أرجلهم وهم يغادرون ويحملون أكياسا بها عشرات الكتب يستقلون بها عربات المترو، ولا يطيقون الانتظار، فتجد فتاة وسط الزحام تقرأ »‬ الحب في المنفي» لبهاء طاهر ومثلها فتي يطالع الحماسة للبحتري ليبعثا فيك الأمل.