رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

كتابة

زمن القليوبي ( ٤٧ ) إثارة الغبار


محمود الورداني [email protected]
2/24/2018 2:44:49 PM

 كنتُ إذن أحد شهود العيان علي التطورات اللاهثة في أعقاب حرب أكتوبر، وربما كان عام 1974 وحده هو الذي توقفت خلاله حملات أجهزة الأمن الموسمية عن القيام بحملة الشتاء السنوية ، والمعتاد والثابت آنذاك أن تضم عددا كبيرا من الشعراء والكتاب والنقاد والفنانين التشكيليين.
 من جانب آخر، كنت قد ذكرت من قبل أنني شاهدت خلال عام 1974 الغارات الأمنية، التي كانت شكلا جديدا لم نعتده في الجامعات، وهو قيام أفراد الأمن بأنفسهم بتمزيق مجلات الحائط ، والاعتداء بالضرب المبرح وبواسطة الخراطيم والكرابيج لتفريق التجمعات. وتولت المهمة بعدهم قوات شباب الصحوة الإسلامية الذين أطلق السادات سراح قادتهم وفتح لهم الأبواب ليعودوا لممارسة نشاطهم وضرب الطلاب اليساريين وسحلهم وتصفيتهم والسيطرة علي سائر الجامعات.
 وفي العام التالي – 1975 – استؤنفت حملات الشتاء السنوية، وبعد يومين فقط من اندلاع مظاهرات احتجاجية بسبب رفع الأسعار المفاجئ لعدد من السلع الأساسية، بدأ عمال حلوان في محطة قطار باب اللوق، بعد أن تجمعوا وهم في طريقهم لركوب المترو في الهتاف ضد الحكومة، واستمرت تلك الاحتجاجات يومين أو ثلاثة، واتهم اليسار بتدبير تلك الأحداث، وصدر أمر النياية باعتقال عدد من الكتاب والشعراء من بينهم أحمد فؤاد نجم وصلاح عيسي ومحمد صالح ونجيب شهاب الدين ومحمود الشاذلي زين العابدين فؤاد، ومن كتاب القصة إبراهيم منصور ومحمد روميش ومن السينمائيين محمد كامل القليوبي، ومن الفنانين التشكيليين عزالدين نجيب الذي سجّل التجربة في كتابه »رسوم الزنزانة»‬- هيئة قصور الثقافة – 2014، وكان من بين الأسئلة التي وجّهت له: »‬ماقولك فيما جاء بمذكرة السيد يوسف السباعي وزير الثقافة إلي مباحث أمن الدولة بأن جمعية كتاب الغد من الشيوعيين و أنهم يتخذون منها واجهة لتنظيم اليسار الجديد» وكان من المثير للخزي أن تكون مهمة وزير الثقافة هي كتابة مذكرات من النوع السالف الذكر.
  وهكذا تم اختراع تنظيم لاوجود له، ونسبة الشغب الذي حدث في أول يناير من ذلك العام إلي تدبيره، وبات كل من كان عضوا في جمعية كتاب الغد التي كانت وزارة الشئون الاجتماعية قد وافقت علي إشهارها القانوني محلا للاتهام، وهرب من أمر الضبط عدد آخر من الشعراء والكتاب مثل عزت عامر وفؤاد قاعود ومحمد سيف ومحمد الفيل وغيرهم.
كنت آنذاك علي وشك استعادة بعض صلاتي التنظيمية، وأتيح لي أن أشارك في تهريب بعض رفاقنا وتوفير أماكن لهم وإخفائهم، واضطررت لاستضافة هاربة لم أكن أعرفها من قبل، ووافقت أمي الرفيقة نعمات علي استضافتها، علي الرغم من أنها مغامرة غير مأمونة العواقب، لأنني كنت مازلت في الخدمة.
والحقيقة أن الشعراء والكتاب لم يتوقفوا عن إثارة الغبار طوال الوقت . مثلا الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم كانا يتسللان إلي الجامعات للغناء والشغب ، وهناك ندوات كانت تعقد في بعض الكليات ويلقي محمد سيف وعزت عامر وفؤاد قاعودوأحمد عبيدة أشعارهم فيها، وعندما ذهب عزت عامر وأحمد عبيدة إلي بركة السبع لإلقاء شعرهما أمام الفلاحين تم القبض عليهما وإلقائهما في سجن شبين، وهناك تم إبلاغ عزت عامر بفصله كضابط احتياط في القوات الجوية، وأمضي شهرين دون توجيه اتهام محدد له، وبعد الإفراج عنه بعدة شهور، اضطر للهرب بسبب طلب اعتقاله في حملة يناير 1975، وفي عام 1976 ترشح في انتخابات مجلس الشعب علي برنامج حزب العمال، في العام التالي، وفي يناير بالطبع هربتُ معه من أمر ضبطنا وإحضارنا، وتلك قصة أخري أظن أنني سأعود إليها.
 ربما كانت السطور السابقة إشارة إلي ما أقصده بإثارة الغبار، فلم يكن الشعراء والفنانون يقاتلون في ساحة الوغي، وكل ماكانوا يفعلونه هو الغناء أو إلقاء القصائد أو إصدار بعض النشرات غير الدورية، ويبدو أن الأجهزة المسئولة اعتبرتهم مهددين لها إلي حد اختراع تنظيم لهم يضم الكتاب من الشيوعيين اسمه اليسار الجديد، وجّهت لهم اتهامات محددة تم التحقيق فيها علي نحو ماورد في كتاب الفنان عز الدين نجيب.
  في الأسبوع المقبل أواصل إذا امتد الأجل..