رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

صانع الأمل

حضور


طارق الطاهر [email protected]
2/24/2018 2:54:40 PM

لم يكن علي أبو شادي شخصية عابرة في الحياة، اختار من البداية أن يكون له صوته الخاص وأن يكون مؤثرا في أي مكان يتولاه، أو جلسة يحضرها، انتبه لذلك جيدا طوال عمره، فصقل نفسه بخبرات عديدة، حتي يستطيع أن يصنع لنفسه تفردا، ويحسب له أي أنه لم يكن في أي لحظة وفي أي مكان مجرد رقم؛ فلا يمكن أن تعتبره موظفا عاديا، أو قيادة يمكن أن تتكرر، أو ناقدا سينمائيا يمكن أن تستبدله بآخر، دون أن تشعر بالفارق.
لديه ذهن حاضر، فمن يتأمل وجهه يشعر أنه دائما في حالة » تفكير»‬ حتي عندما يكلمك، ما يقوله يخرج سلسا وحاسما في أي قضية يتناولها، من النادر أن ينفعل، فتفكيره العميق يجلب له هدوءا حقيقيا، وفي لحظة رحيله أتذكر موقفا تعلمت منه الكثير.
ذات يوم وأثناء اشتعال معركة الروايات الثلاث التي أصدرتها هيئة قصور الثقافة، وقت رئاسة علي أبو شادي، كنت أتحدث إليه تليفونيا من مكتبي بأخبار اليوم، لأسأله عن آخر التفاصيل، فقال لي أن الأمور ستمر بسلام، وأنه الآن يضع خطة لأنشطة وجولات سيقوم بها في مواقع الهيئة المختلفة، وبينما كنت أكتب ما يقوله، خرج الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطاني من مكتبه، ليبحث عني، فوجدني مشغولا، فوقف علي باب مكتبه، وأشار إلي بالحضور، فاستأذنت الأستاذ علي، وقلت له »‬رئيسي عايزني.. دقيقة وهارجعلك»، وبالفعل دخلت مكتب الغيطاني فقال لي أن قرارا قد صدر بإنهاء عمل أبو شادي في الثقافة الجماهيرية وتحويله لمستشار، فقلت له لا يمكن أستاذ علي هو »‬ اللي معايا» علي التليفون، ونتحدث عن أنشطة قادمة، بحسم رد الغيطاني: القرار صدر وتم إبلاغ الصحف به، فاستأذنته أن أبلغ الأستاذ علي، وعندما وصلت للتليفون كان لا يزال علي الخط، فقلت له ضاحكا: »‬هو أنت بتكلمني بصفتك إيه»؟ في قرار بتحويلك لمستشار، قال لي انتظر ثانية، وأجاب علي هاتفه المحمول، كان زميلي يسري حسان يبلغه هو الآخر بالخبر، فقال له عرفت طارق معايا علي التليفون وأخبرني، حينئذ وبحس الصحفي قلت له، خلاص ننسي الحوار السابق، وهاسألك أسئلة أخري، فقال اتفضل، وبدأت حوارا آخر عن رؤيته لهذا الاستبعاد، وموقفه من حرية التعبير، ورأيه فيما أقدم عليه وزير الثقافة، أجاب علي أبو شادي رغم قسوة اللحظة، بهدوء واتزان كبيرين ولافتين للنظر، وحققت علي يديه انفرادا صحفيا، أن أحاور من غضبت عليه »‬ الدولة» للحظة، إلا أنها عادت فاعتذرت له بكل وسائل الاعتذار.
وبعد أن أنتهيت من مكالمتي مع علي أبو شادي، لم أذهب للغيطاني، بل كتبت الحوار بسرعة شديدة، ودخلت وأنا ابتسم، فقال لي أعرف هذه الابتسامة جيدا، عملت إيه، فقلت له هذا أول حوار مع علي أبو شادي بعدما انحازت الدولة ضد الإبداع، وانحاز هو لموقفه الداعم للإبداع، ولم يتراجع خطوة واحدة، حتي بعد أن تمت إقالته من منصبه، هذا الحوار كان يوم الاثنين، وصفحة الأدب بجريدة الأخبار التي كان يشرف عليها الغيطاني تصدر يوم الأربعاء، فقال لي لن نتتظر لعدد أخبار الأدب القادم، لأنه بالتأكيد ستحدث تطورات، وسأنشر لك هذا الحوار في جريدة الأخبار، لتصدر الصحيفة يوم الأربعاء بحواري وبإشارة صفحة أولي، وحقق هذا الحوار ردود فعل قوية وإيجابية.
أستعيد الآن هذه اللحظة لأدلل علي كيف أن علي أبو شادي وهو يجرد من وظيفته، كان صاحب مبادئ، دافع عما رأه صحيحا، لم يتهاون أو يهادن، لذا عاد سريعا لوزارة الثقافة، وتدرج في مناصبها المختلفة، إلي أن تولي منصب الأمين العام للمجلس الأعلي للثقافة.
عندما تتأمل جوهر تجربته وكذلك علاقته بمن حوله تدرك أنك تستطيع أن تضع عنوانا لمجمل هذه التجربة وهو »‬ صانع الأمل»، فقد تولي أعلي المناصب دون أن يقدم تنازلات، وهو في هذا الأمر ينحاز لمجمل القيم التي تصنع الفارق ليس للأفراد، بل للمجتمعات، لذا ستستمر سيرة علي أبو شادي ملهمة للآخرين تعلما واقتداءا، وربما غيره - أيضا -.