رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

ألبوم عائلي.. حكايات من زمن مضي


هذه الصور لعدد من العائلات السكندرية التي عاشت فى بدايات القرن الماضى، والتى جاءت حكايتها على لسان أحفادها فى كتب »ألبوم عائلى«

هذه الصور لعدد من العائلات السكندرية التي عاشت فى بدايات القرن الماضى، والتى جاءت حكايتها على لسان أحفادها فى كتب »ألبوم عائلى«

إسراء النمر
2/24/2018 3:00:46 PM

لطالما شغلتني الصور التي تحمل وجوهاً لا نعرفها. وجوهاً عاشت في بدايات القرن الماضي، أو في منتصفه. وربما قبل ذلك بكثير. والتي كنتُ أصادفها علي مواقع التواصل الاجتماعي، أو أجدها مُعلقة علي جدران الجاليريهات المتخصصة في بيع الانتيكات. وكثيراً ما كنتُ أحدق في هذه الوجوه، التي تُحدق هي الأخري، ليس فيّ أنا وحدي، إنما في الجميع. هذه الوجوه رغم ألفتها، إلا أنها دائماً ما تكسوها مسحة حزن. حتي الوجوه الضاحكة منها، كنتُ أراها حزينة أيضاً، وخائفة. ربما لأنها كانت تعرف جيداً، أنها في اللحظة التي سيلتقطها فيها المصوّر، تكون قد انتقلت إلي زمن آخر.
أذكر أنني وقفت مرة أمام إحداها لأكثر من نصف ساعة، وكان الوجه لإمرأة بدينة، ترتدي فستاناً غامق اللون، ولها ضفائر سميكة، تتدلي علي كتفيها، ووجدتني أفكرُ في حكايتها، واسمها، وعمرها آنذاك. لدرجة أنني سألت صاحب الجاليري، الذي كان يُعلق صورتها في مكان مميز عنها، فنظر لي بذهول، وقال: »لا أعرف، ولا يهمني أن أعرف، أنا فقط أبيع هذه الوجوه»‬. حينها شعرت بخيبة، وفكرت في الغربة التي ستنتاب هذه الوجوه، حين تجد نفسها في بيوت، ووسط أناس لا تعرفهم.
لذا، كان طبيعياً أن أشعر بامتنان تجاه كُتيب »‬ألبوم عائلي» الذي ضم صوراً وحكايات من زمن مضي. الكُتيب أحد نتاجات »‬حلقة أمكنة» التي تُعقد للعام الثالث علي التوالي، والتي هي أحد نتاجات مجلة »‬أمكنة»1. تقوم فكرة الحلقة علي قراءة وثائق الحياة اليومية »‬من مذكرات، ألبومات الصور العائلية، دفاتر اليوميات، دفاتر حسابات البيوت، وغيرها من الأشكال الذي نحتفظ فيها بنسخة موازية لحياتنا»، والتي تحوطنا في كل ممارسات حياتنا، ومن شدة اقترابها منّا نتعامل معها بلا اكتراث، كأحد أفراد العائلة الذي نراه كل يوم، ولكن بمجرد الاقتراب منها أكثر، نكتشف الكنز الذي تحتويه هذه الوثائق الحياتية. وذلك وفق ما قاله محرر أمكنة الكاتب علاء خالد، الذي أشرف علي هذا الكُتيب.
يضيف علاء خالد: »‬حاولنا من خلال الحلقة التي استغرقت حوالي ثلاثة أشهر، من نهاية أكتوبر 2017، حتي يناير الماضي، التركيز علي وثيقة »‬الألبوم العائلي»، والذي يحتوي بداخله علي التاريخ المصور المصاحب لحياتنا، وأهم لحظاتها تفرداً، وجماعية، وضرورة. فمن خلال هذه الألبومات، حاولنا قراءة السياق الاجتماعي/ السياسي لفترات تاريخية هامة، والذي تتناثر في فضائه هذه الصور والألبومات والذكريات. إذ قام كل مشارك بتقديم ألبوم شخصي لعائلته، ومن خلاله تم البحث والغوص في تاريخ وتفاصيل هذه العائلة، بواسطة صاحب الألبوم، وأيضاً بواسطة كل المشاركين2، للوصول لبعض السمات والنقاط المركزية التي تلخص تاريخ هذه العائلة التي تقف وراء الألبوم.
من بين هذه العائلات، عائلة الحاج محمود الخياط صاحب دار »‬سينما رشيد»، التي جاءت حكايتها علي لسان حفيده محمد كسبر بعنوان »‬جنينة ماما»، والذي روي علاقة جده بالممثلة الشهيرة آنذاك سامية رشدي، والذي بدت بالنسبة له علاقة مشوشة، نتيجة لاختلاف الروايات التي سمعها، والتي وجدها مُتعارضة في أحايين كثيرة، فأمه لم تؤكد له هل تقدم جده لطلب يد سامية فعلاً أم كانت مجرد أمنية »‬باح بها أب ملكوم لأولاده بعد موت زوجته وتحمله مسئولية ثمانية أولاد»، ليعرف بعد ذلك من أمه أن جده ترك رشيد، وانتقل للعيش في الإسكندرية، لينخرط في أعمال تجارية بعيدة عن السينما، لكن بالرغم من ذلك لم تنقطع علاقة عائلة أمه بالممثلين، »‬بل وُجِد دائماً خيط رفيع يجمع بينهم، ويُروي في حكايات، سواء كانت حكايات حب من طرف واحد، أو علاقات حب واحترام بين طرفين، أو علاقات ود مدروس تجمع بين المصلحة والعقلانية».
من هذا المنطلق، يبدأ محمد كسبر بالحكي عن أمه، وعن علاقتها بنادية لطفي، التي ربطتها بها صحبة، تخللتها الزيارات والسؤال عن الصحة وآخر الأخبار. وكان السبب في هذه العلاقة، كلب نادية لطفي، فعضته الشرسة لخاله عمر جعلت النجمة الشهيرة تزور شاليه العائلة في العجمي، لتتعرف بذلك عليهم، هي وصديقتها سميحة أيوب. إضافة إلي كثير من الحكايات التي تخص عائلة الأم فقط، ويبرر محمد كسبر ذلك قائلاً: »‬ذكري لأمي دون أبي، ليست محاولة جندرية تستهدف مواجهة السلطة الأبوية، أو استراتيجية يسارية تطمع في زرع الوعي بجذور الملكية. فالموضوع ببساطة هو الحقائق الموضوعية المتمثلة في انفصال أبي عن أمي في فترة مبكرة من حياتي، وتولي الأم مسئولية التربية بالكامل».
عائلة أخري، وهي عائلة عز الدين مكيوي وزوجته وفية الكيلاني وأبناؤهما الستة الذين أنجبوا خمسة عشر حفيداً، لم يبق منهم  سوي آسر مطر، الذي حاول أن يتتبع أثر هذه العائلة في حكايته التي جاءت تحت عنوان »‬سلفاجو سابقاً» وهو اسم الشارع الذي تقع فيه العمارة رقم 13 التي كانت تسكن فيها عائلة مكيوي والتي تجاور القنصلية التركية، والمعروف الآن بشارع كامل الكيلاني، الذي يصف آسر احساسه تجاهه قائلاً: »‬لا أشعر بالانتماء إلي هذا الشارع الضيق، الذي يموج بضجيج الحياة نهاراً، فتوقظني أصواته المختلطة لأبواق السيارات، وشجار المارة، ونباح الكلاب، ونداءات الباعة، وأذان الفجر، ثم الظهر، ثم العصر الذي يأتي وأنا أحاول النهوض من الفراش».
في الحكاية، يستحضر آسر روح جده، وهو يمارس يومه في أحد أيام صيف 1994، إذ يتخيله في مشهد يستيقظ فيه في الثامنة صباحاً، »‬بينما يغط أحفاده الذين ملأوا حجرات المنزل في نوم عميق، بعد أن سهروا حتي الصباح يتابعون مباريات كأس العالم المُقامة في أمريكا، والتي تُذاع في وقت متأخر من الليل بسبب فارق التوقيت»، محاولاً تخيل بعض عاداته، مثل احتسائه لكوب كبير من القهوة التركي المحوجة بالحليب، والتي يعدها بنفسه، مع تناوله لباكو بسكويت »‬لوكس»، وذهابه إلي بائع الجرائد، ليأخذ منه تشكيلة متنوعة من المطبوعات، ثم توجهه إلي حي المنشية، حيث بيت العائلة القديم، وحيث ما تبقي من دكاكين وفنادق ورثها عن أبيه الحاج خميس مكيوي، مثل فندق »‬الجبل الأخضر» الذي يحتل الطابقين الأخيرين في إحدي البنايات الضخمة القديمة، والذي تم تسميته بذلك تيمناً بإحدي مناطق شرق ليبيا، نظراً لأن والد جده علي علاقة وثيقة بالتجار الليبيين الذين كانوا يأتون للإسكندرية في الخمسينيات والستينيات.
أما ميرهان مرزوق فتذكر في »‬يمامة حلوة» حكايات عائلتها الكبيرة، المثيرة، والمتعددة، إذ تبدأ من عند الجدة ماريا التي أحبها الشاب علي المريوني، والذي تزوجها رغماً عن الجميع وهرب بها من الإسكندرية إلي أطراف المنيا خوفاً من بطش عائلتيهما، ليعيشا هناك في أمان، وينجبان ثمانية أولاد، خمسة ذكور، وثلاث بنات، الوسطي منهن هي والدة جدتها، بهيات، والتي تزوجها السيد عبد المغيث رغماً عن عائلته أيضاً، كونها ابنة امرأة المسيحية. لينشأ بعد ذلك جيل خلق حكاياته بنفسه، حكايات منبثقة من الحكاية الأولي: حكاية ماريا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١. تصدر في مدينة الإسكندرية، منذ 1999، وتعني بثقافة المكان.
٢. المشاركون هم: »‬آسر مطر، ومريم يس دهب، وسارة إبراهيم الراجحي، وميرهان مرزوق، ومحمد هلال، وسارة يونس، وهدي عاطف، ومحمد كسبر، وسارة صلاح، ونورهان عامر، ونورهان عبد اللطيف، ونورهان القرم».