رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

سياحة ثقافية


إشراف : منصورة عز الدين
3/3/2018 2:00:03 PM

قبل سنتين حكت لي أستاذة للفلسفة بجامعة زيوريخ أنها في مراهقتها، وخلال زيارة سياحية مع أسرتها لتونس، قررت مغافلتهم والسير بمحاذاة ساحل المتوسط حتي تصل إلي الإسكندرية، مدينة أحلامها، مدفوعة فقط بعشقها لرباعية لورانس داريل.
وقابلت غيرها كثيرين ممن أخبروني برغبتهم في زيارة الإسكندرية خصيصاً لرؤية أماكن داريل وكفافيس فيها، وممن حلموا بالخطو في قاهرة نجيب محفوظ في محاولة لتلمس ما بقي من عوالمه فيها. بل أعرف أن كتاباً عرباً يأتون للقاهرة بهدف وحيد هو معاينة الأماكن الواردة في روايات محفوظ، وزيارة مقاهيه.
هي سياحة ثقافية تجيدها دول عديدة وتستثمرها لزيادة مواردها، لكن النجاح فيها يتطب الحفاظ علي بيوت هؤلاء المثقفين وأماكنهم، وإقامة متاحف لعرض مقتنياتهم، وتنظيم جولات سياحية للراغبين في اقتفاء أثر أماكن كاتب بعينه.
في دوسلدورف، مثلاً، يعد بيت هاينريش هاينه أحد المعالم البارزة في المدينة، يتوافد عليه كثيرون وتقام ندوات وأنشطة ثقافية مهمة في المكتبة الموجودة في دوره الأرضي. وفي فيينا يتباهي كل ركن في المدينة بموسيقييها وفنانيها التشكيليين ومثقفيها، لدرجة أن الوسائد في فندق نزلت فيه هناك كانت تحمل مستنسخات للوحات جوستاف كليمت.
وفي براغ هناك جولات سياحية للراغبين في السير علي خطي كافكا والتجول في الأحياء التي اعتاد التنقل بينها. كل شيء هناك يذكرك به، صورته واسمه علي تذكارات تتنوع بين الأكواب والـ»تي شيرتات»‬ والأقلام والأطباق، بدرجة قد تشعر معها أن تسويق صاحب »‬المحاكمة» بهذه الطريقة يتناقض مع ما تمثله أعماله، لكنك تتفهم هذا وتتقبله ما إن تتذكر التجاهل الذي نعامل به كتابنا الراحلين والإهمال الذي نتصرف به تجاه معالمنا الثقافية.
لستُ في حاجة طبعاً للإسهاب في علامات التجاهل والإهمال، يكفي أن متحف نجيب محفوظ لم يُفتتح حتي الآن وأن »‬فيللا» داريل في الإسكندرية قد هُدِمت قبل فترة دون أن يكترث أحد أو ينتبه إلي أنها صارت تنتمي لتراثنا الثقافي وذاكرتنا بقدر انتمائها لاسم داريل وتراثه، بل وربما أكثر.
الاهتمام بكتابنا الكبار وبما تركوه لنا، وكذلك استثمار إقامة كتاب بحجم داريل وكفافيس وأونجاريتي وغيرهم في مصر في الماضي، ليس خدمة نقدمها لهولاء وأولئك، لكنه بالأساس خدمة نقدمها لأنفسنا، إذ عبرها ندعم الثقافة ونجعلها جزءاً من نسيج حياتنا اليومية، وفي الوقت نفسه نحولها إلي مصدر للدخل. ولا أتكلم هنا عن القاهرة والإسكندرية فقط إنما كل المدن والقري المصرية التي وهبتنا كتاباً وفنانين ومثقفين من الصعب تعويضهم.

م.ع