رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أسئلة حول الظاهرة


محمد سليم شوشة
4/14/2018 1:11:13 PM

أثارت الوفاة المفاجئة للروائي المصري ذائع الصيت أحمد خالد توفيق وما كشفت عنه هذه الوفاة من محبة جمهور عريض من القراء له وارتباطهم به عددا من الأسئلة حول أدبه وكتابته الروائية التي لم يلتفت إليها النقد الأدبي كثيرا. كتابات أحمد خالد توفيق لها مقومات خاصة وتركيبة بعينها هي التي جعلتها مرتبطة بفئة بعينها وجعلت لها قبولا عريضا لدي هذه الفئة ويمكن النظر في هذه المقومات وبحثها لإعادة تقييم مثل هذه الظواهر الأدبية المهمة التي ليست جديدة علي فن الرواية بشكل خاص في العالم كله، فهناك ظاهرة أجاثا كريستي ودان براون وغيرهما كثير.
 لكن الظاهرة إجمالا تثير عددا من الأسئلة الخلافية أو الجدلية حول قيمة هذا النوع من الرواية وبحث ما له وما عليه، فلا خلاف مثلا علي أنه يوسع دائرة القراءة في المجتمع ويستحوذ علي قطاعات بعينها من الشباب ومن الذين يميلون إلي التشاؤم أو بعض السوداوية وإلي حكايات قوامها الرعب والحركة. وفي الوقت نفسه يقول بعض المثقفين إن هذه الكتابة تنتج قارئا نمطيا كسولا لا يتجاوز سمات سلبية معينة في التلقي فيظل ثابتا عليها، في حين يرد المدافعون عن الظاهرة مرة أخري، بأن هذا القارئ يتطور ويتجاوز مرحلته ولا يبقي ساكنا عند تقاليد الشكل الروائي الذي يكتبه أحمد خالد توفيق ويتطور مع الوقت فيمثل هذا النوع مجرد انطلاقة لهؤلاء الشباب تحفزهم علي المعرفة والقراءة المتسعة أو غير المحدودة.
 المهم في النهاية أنها بالفعل ظاهرة لها أبعادها الثقافية المختلفة ويجب بحثها من كافة الجوانب وتقييمها حتي نكون علي قدر كبير من الوعي بحركية الأنساق والفواعل الثقافية ودورها في تشكيل الوعي ولا يكون هناك ما هو خفي أو غيبي كما كان يتخيل الناس في العصور الوسطي، بل يجب أن نكون جزءا من العالم الذي أصبح يتعامل مع الثقافة بمعايير علمية ثابتة ولا يتجاهل شيئا منها بالقياس والرصد وكشف الأثر والفاعلية وبخاصة وقد أصبحت العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل كامل ذات طابع علمي موضوعي وفيزيقي مغاير تماما للتصور الميتافيزيقي القديم أو الموغل في القدم.
في عام 2009 قرأت رواية يوتوبيا وكانت قد أثارت ضجة كبيرة وقت صدورها بين الشباب ومن هم في عمري في ذلك الوقت، قرأتها ولا أنكر أنها استهوتني من عدة جوانب واختلفت معها كذلك وإن كنت الآن أكثر وعيا بصورتها الإجمالية وأستطيع أن أحدد ما لها وما عليها بدرجة أكبر من الموضوعية. لكن قبل أن أدخل إلي مقومات هذا الشكل والتفصيل فيه عبر تناول رواية يوتوبيا أشير إلي أمر مهم وهو أني من عام تقريبا حاولت قراءة روايته الأحدث (في ممر الفئران) لكني لم أستطع تكملتها ولم أجد نفسي قادرا علي التعامل بشكل طبيعي مع عوالم الرواية، فيبدو أني كنت قد تغيرت بعض الشيء وصرت قارئا مختلفا دون أن أدري بعد قرابة عشر سنوات تفصل بين التجربتين؛ قبولي بدرجة ما لأعماله وعزوفي عن تكملتها. لا بد أولا من الفصل بين ظاهرة المحبة في ذاتها لشخص من الأدباء قد يدرك القراء أنهم ارتبطوا به ويمثّل لهم مرحلة مهمة من وعيهم وثقافتهم وأسهم في تشكيلهم فيها وعزل هذا عن الموقف النقدي أو العلمي والجمالي لمجمل ما يكتب الرجل أو لمدرسته، فأنا نفسي برغم عدم تكملتي لرواية في ممر الفئران وشعوري بالغربة عن عوالم أحمد خالد توفيق وإبداعه في وقت متأخر حزنت لوفاته لأسباب إنسانية في المقام الأول ولكوني ارتبطت به عبر هذا العمل السابق الذي أصبح جزءا من ذاكرتي، فمسألة الحزن أو إدراك قيمة الرجل الإنسانية والأدبية تنفصل تماما عن الرأي النقدي الدقيق في مدرسته الروائية وطريقته في الكتابة.
والطريف في تصوري أن بعض القراء الذين قرأوا بعض أعمال أحمد خالد توفيق وأعجبتهم في وقتها وحزنوا جدا لصدمة وفاته لو حاولوا إعادة قراءة هذه الأعمال مرة أخري قد لا يستمتعون بها أو يستسيغونها علي النحو ذاته وقت القراءة الأولي. وفي ظني أن تفسير ذلك سهل وفي إمكان الجميع الإقرار به، فالرجل يكتب لمرحلة عمرية بعينها، والجميل في الأمر أن الرجل كان علي درجة كبيرة من الوعي بهذا وهو ما جعله غير متلفت نحو غايات أخري أو منشغلا بمسألة القيمة الأدبية أو أسئلة النقد وتقييماته بقدر ما انشغل بقارئه الذي يدرك طبيعته ويحاول دائما تقديم ما يناسب هذا القارئ بالتحديد. فهو لم يدّعِ أنه كاتب مهم أو مؤثر أو جاد أو يغير الكون أو يكتب بالدماء كما قد توحي بهذا أفعال وتصريحات وأقوال كثيرين من الروائيين الآخرين. والحقيقة كذلك أنه لم يكن مشغولا بالرأي النقدي حول كتاباته بحسب ما سمعت من أصدقائه أو القريبين منه، كما لم يكن يتطلع إلي فئات أخري من القراء غير الشريحة التي اكتسب بها كل نجاحه، وأتصور أن في هذه القناعة وعدم الالتفات إلي ما دونها يكمن سر نجاح أحمد خالد توفيق في الاستحواذ علي الفئة ذاتها من القراء.
لو حاولت إعادة النظر الآن في رواية يوتوبيا علي سبيل المثال لتأمُّل التركيبة التي اعتمدها الدكتور أحمد خالد توفيق في تقديري وجعلها قانونا لكتابته، فأتصور أنها لم تكن تطمح دائما إلي تصوير الحياة كما هي من كافة جوانبها وأبعادها بقدر ما كانت تركز علي تيمة بعينها وتصورها أو تنتجها بقدر كبير من الإحكام، لم ينقل الحياة أو يصورها أو يحاول أن يري فيها شيئا مغايرا بصورتها الطبيعية. أي أنه لم يكن يترك الحياة كما يراها الناس تسكن النص الأدبي ولكن علي نحو تتضح فيه رؤيته المختلفة فيكون القارئ أمام مشهد اعتيادي أو غير غرائبي والكاتب يبرزه علي نحو مختلف ويكشف فيه عن شيء جديد. فهو لم يكتب مثلا عن مشاعر إنسان مصري عادي ينتظر في طابور طويل لاستخراج جواز سفر أو أي من الأوراق الحكومية ثم يغوص مع مشاعره، بل كان نسقه في التعامل هو تجاوز الواقع وإنشاء عوالم جديدة، حاول بناء مجتمع مختلف، فيه الإنسان هو المصري نعم وفيه أسماء الأشياء في الحياة المصرية ولكن عبر تشكيل جديد، فيكون لدينا خيال السرد أو المتخيل السردي واضحا من البداية، ولا يرغب في التماهي التام مع الحياة والإيهام بها بقدر ما هو مدرك لكونه خيال سردي أو خيال ينتجه الخطاب السردي ولكن فيه محاولات ليكون مقنعا ومتسقا، والفارق بين الشكلين من الكتابة كبير. صبّ أحمد خالد توفيق رؤيته وأفكاره من البداية علي العوالم التي تنتجها رواياته أو تصدّرها وتنقلها للقارئ، وهذا الأمر هو ما قد ينتج أدبا مؤدلجا أو موجها من البداية بفكرة بعينها. فرواية يوتوبيا واضحة القيم الدلالية فلا يمكن الخلاف علي فكرتها المطروحة مهما تباينت القراءات، فهي تكشف عن توقع مستقبلي معين للمجتمع المصري يكون فيه المجتمع في أوج انقسامه الطبقي بين الأغنياء والفقراء، وهو الأمر الذي يؤثر في بقية الأبعاد الاجتماعية الأخري مثل منظومة التجارة والدفاع والحكم والعلاقة بين المدينتين المتناقضتين أو بالأحري الكتلتين المنقسمتين والمتصارعتين؛ مدينة الأغيار والأغيار المضادين!!! في عالم يري فيه كل طرف الآخرين محض أغيار. هذا النموذج البسيط والسلس أو الموجه من البداية بفكرة معينة هو ما يجعل روايات أحمد خالد توفيق مقبولة بشكل كبير لدي الشباب المفعمين والممتلئين بالرفض والطموح إلي مثالية يهدمها ويزعزعها الواقع في نظرهم في كل لحظة.
رواية يوتوبيا كسائر أعماله حافلة بالحركة والتشويق وهي التركيبة التي تستهوي قطاع الشباب فكأنهم ينزعون إلي حركة موازية لما يرغبون فيه في شبابهم ولكن عبر الكتابة والورق أو في الخيال الروائي والحكايات العجيبة، فإذا كانت القوالب الاجتماعية تقيّد حركة الشباب فهم يحاولون التحرر منها والانطلاق نحو مساحات الخيال الأدبي بما به من حركة أو يمكن القول إنه أحيانا ما يشعر الشباب في كل العالم في مرحلة التحفز والانطلاق أن العالم ضيق عليهم ولا يتسع لهم فيلجؤون إلي الكتابة المفعمة بالحركة والنشاط وكتابة الرعب والأكشن التي تعوضهم عن هذه الحركة المنقوصة أو المقيدة في واقعهم. هذا السرد الروائي في رواية يوتوبيا لا يثير قدرا كبيرا من الأسئلة الشائكة ولا يجهد العقل كثيرا بالمضمر والخفي بل يتعامل مع الظاهر من الحياة ولا تقصد الرواية في ظني إلي تحفيز القارئ علي أن يكون مفكرا في المشاكل التي لا حل لها أو تلك التي تظل معضلة دائمة مهما تم تناولها فكريا وفلسفيا. فالقيم الدلالية والمعاني في الرواية ولديه عموما دائما سلسلة وبسيطة ومباشرة والظاهر من العالم والوجود في روايات أحمد خالد توفيق أكثر من الخفي منه. اللغة كذلك تتسق مع هذا الطابع فلا غموض فيها أو لبس أو صور شعرية نابعة من حال شعورية مستغلقة أو غامضة أو خاصة جدا فيحتاج القارئ لوقت حتي يستوعبها، بل يغلب عليها اللغة الواصفة المتدفقة التي لا تقطع نهر استرسال العالم وشخصياته وانتقالها إلي مخيلة القارئ بأريحية كبيرة. الفواصل بين الخير والشر دائما في عوالمه واضحة، فلا يوجد النموذج الإنساني المعقد أو الغريب الذي يمتزج فيه الخير والشر، بل هناك دائما قوي واضحة المعالم ومتباينة الاتجاهات تتصارع والقارئ يعرف موضعه بدقه ولا يحتار أبدا في موقفه أو إلي من سينحاز. نموذج البطل بالتحديد في أدب أحمد خالد توفيق وسرده الروائي هو نموذج الإنسان العادي لكنه الأكثر نقاء ووضوحا في تركيبته بحيث يبدو علي قدر من البساطة والمثالية في الوقت نفسه، وهو أمر مهم جدا في جعل هذه الأعمال مقبولة؛ لأن البساطة تجعل القارئ يجد نفسه في هذا النموذج البشري وغير الخارق، أما المثالية وغياب الشر عنه فيجعل القارئ يشعر بالانحياز لهذا البطل والانتماء له والانفعال بحالته ويتمني أن يواكبه في كل الرواية ويظل معه حتي النهاية ليراه منتصرا ومتفوقا أو علي الأقل يصل إلي حلّ يشعره بقدر من الاطمئنان.
باختصار قد يكون مخلا يمكن القول بأن هناك نقاط التقاء بين السمات النفسية للفئة العمرية التي تقرأ أدب أحمد خالد توفيق وهذه المدرسة بشكل عام وهي تنفتح علي عدد من تلامذته المعروفين الآن في الكتابة الروائية في مصر ولا يختلفون عنه كثيرا وسمات هذه الكتابة وما تشتغل عليه لديهم من مطالب قرائية تحققها عبر النص الروائي، أبرزها كما قلت هو عنصر التشويق والحركة الزائدة التي تكاد تكون ركضا دائما طول الرواية في بعض النصوص. لا نتحدث هنا عن ميزة أو عيب بقدر ما نتحدث عن نقطة اتفاق والتقاء بين منتج للنص وقارئه، وأظن أن عملية القراءة تشبه البيع والشراء في الخضوع لمبدأي العرض والطلب، وهذه السمات لطبقة من المستهلكين حاصلة وستظل هكذا دائما وهي قابلة لأن يستثمرها أي أحد من الكتاب في أي وقت، قديما كان في الرواية العربية نموذج خليل حنا تادرس وكان صاحب مقروئية واسعة ومثله نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق وأحمد مراد ومحمد صادق، والحقيقة أنه قطاع يفرض نفسه وحضوره دائما علي مسألة القراءة العامة والبيع أو (البيست سيلر) دون أن يفرض نفسه علي النقد الأدبي أو علي الدراسات التربوية أو الاجتماعية، فلا أذكر أن نادي أحد بدراسة القضية من أي جانب ثقافي أو اجتماعي أو وجه إلي أهمية هذا الانتشار ونادي بضرورة بحثه، اللهم إلا ما سمعت من الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور من اقتراح منح أحمد مراد جائزة الرواية، وأظن أنه اقتراح قائم فقط علي مبدأ الانتشار واستقطاب قطاع عريض من الشباب نحو الكتب وقدرته علي اقتناصهم من الميديا وانفجار وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا ألعاب الفيديو وغيرها من الوسائل الحديثة التي نتصور بشكل إجمالي أنها سبب في تراجع القراءة في حين أنها قد تكون نقيض ذلك وتمثل فيما تمثل باعثا علي المعرفة والاطلاع والتواصل مع الآخر والانفتاح علي الثقافات الأخري المتوارية وراء الحدود الجغرافية والبحار.
 إجمالا أتصور أن هذا كله بحاجة لدرس جاد متواصل في ظل إيمان كامل بخطورة كل هذه المؤثرات. فالنزعات الثقافية قد تبني مجتمعا أو تهدمه، نمط معين من القراءة أو من الكتب قد يقود إلي تشكيل جيتو ثقافي داخل المجتمع أو يشكل فريقا بعينه أو يقولب العقل أو النقيض يسهم في مد تيار التنوير والثقافة بالمزيد من الشباب والبشر. قد تعمل كتابة ما علي استهداف مرحلة عمرية بعينها في المجتمع المصري وتذهب إلي تنميطها أو شحنها بنزعات بعينها قد تصور لها المجتمع كله فاسدا وجديرا بالحرب والتدمير، فالكتاب في النهاية منشور مثله مثل أي منشور أو وسيلة اتصال، مثل رسالة الموبايل أو منشورات الفيس بوك أو المنشورات التي كان يتم توزيعها ضد الاحتلال البريطاني مثلا لتحفيز الشعب علي الثورة، بل للكتاب قدرات أكبر في التسلل الناعم والمتدرج إلي العقل المصري والعربي عموما، وهذا الطرح علي خطورة الكتاب والثقافة ليس في إطار الحديث عن قيم سلبية تبثها كتب أحمد خالد توفيق أو أحمد مراد أو غيرهما بل عن القيم الإيجابية قبل السلبية، فالمسألة في النهاية هي دراسة لوسيلة اتصال وطاقات يمكن الإفادة منها في تشكيل العقل المصري أو إصلاح بعض مكوناته أو ترميمه أو حتي إعادة صياغته. فأي حديث عن التنوير أو تجديد الفكر يجب ألا ينفصل عن الأدوات الفاعلة في المجتمع من إعلام أو ثقافة والكتاب في ظني أكثرها جميعا من حيث الخطورة وأهم دورا بكثير من السينما والإعلام المباشر وهذا لعدة أسباب يمكن التفصيل فيها في وقت آخر، والحقيقة أنه يجب ألا ينتظر المجتمع المصري جنازة عظيمة حاشدة بالشباب لهذا الرجل حتي يندهش أو تأخذه المفاجأة من حجم تأثيره والتفاف الشباب حوله ثم يبدأ في طرح أسئلته عن قيمته وقيمة أدبه وكيف كان له كل هذا الحضور، فالرجل لم يكن نائما طوال هذه السنوات السابقة بل كان يكتب والنقد والدراسات هي التي كانت في غفلة وتجاهل للظاهرة في ذاتها ثم يحاول بعض أصحاب الرأي أو ذوي الاتصال بالثقافة الاستسهال وإطلاق حكم قيمة عام ومتسرع علي كتابته يختزل فيه الظاهرة وأثرها وهو أمر لا يخرج عن الإدانة الكاملة أو التمجيد الكامل وهو ما أظنه بعيدا عن الدقة ولسنا في حاجة إليه.