رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

علي هامش اللعب والتمثيل الخيط الرفيع بين المسرح وكرة القدم


ادوارد جاليانو

ادوارد جاليانو

جرجس شكري
6/9/2018 9:42:07 AM

حين اعتزل اللاعبُ
 بكت أقدامه
  وصار عويلها أهدافاً ضائعة .
  هل هناك علاقة بين خشبة المسرح وملعب كرة القدم ،هل اللاعبون ممثلون يؤدون أدوارهم في المساحة الخضراء، فضاء اللعب، هل المخرج المسرحي ومدرب الكرة يؤديان نفس الدور، مالعلاقة بين كرة القدم والمسرح هل هو الجمهور الذي يذهب طلباً للمتعة وطمعاً في الإثارة، هل هي غريزة اللعب لدي الإنسان ؟


دون شك كلاهما المسرح وكرة القدم  فن »الآن»‬ وأن البطولة لزمن الحدث الذي تدور وقائعه أمام الجمهور أثناء المشاهدة، ولكن هل مبارة كرة  القدم دراما، وهل صراع الفريقين حول الكرة عملاً مسرحياً ؟ سيقول قائل ويسخر من التساؤلات التي طرحتها، ويؤكد: الدراما تعتمد في جوهرها علي الصراع سواء أكان هذا الصراع بين الآلهة أنفسهم، أم بينهم وبين الفرد، أم بين فرد وأخر، أم ما يدور في دخيلة الفرد نفسه، فهل هناك أي نوع من أنواع هذا الصراع داخل الملعب ؟ فنحن أمام لعبة جماعية أذابت الفرد في الجماعة، رغم اعتمادها علي المهارات الفردية ، أما الصراع بين الفريقين فهو محض منافسة  وليس صراعاً درامياً! ربما يخلو الملعب من الدراما بالمعني التقليدي، يخلو من الحبكة، لكنه لا يخلو من النشاط التمثيلي ولا من العناصر الأساسية للظاهرة المسرحية وشرط وجودها »‬المؤدي ، المتلقي ، المكان الذي يجمع المؤدي والمتلقي لفترة زمنية محددة» فالنص يتم تقديمه علي خشبة المسرح من خلال إعادة إنتاجه مرة أخري من خلال المشاهدة من خلال المتلقي، النص يحدث ويتحقق حين يشاهده الجمهور، نعم ليس في ملعب كرة القدم دراما بمعناها العميق ليس هناك صراع، لكن هناك عناصر الظاهرة المسرحية التي تتحقق من خلال الجمهور الذي يشاهد الحدث ويتفاعل معه .
كان الشاعر والمسرحي الألماني برتولد بريشت يحلم بجمهور للمسرح مثل جمهور كرة القدم وقال »‬أن آمالنا معقودة علي الجمهور الرياضي» وبرر هذا بفساد الجمهور المسرحي  الناجم عن جهل  كل من المسرح والجمهور لما يجب أن يجري علي خشبة المسرح ، علي عكس ما يجري في قصور الرياضة فالأمر مختلف الناس وهم يبتاعون التذاكر يعرفون  حقيقة ما سيعرض عليهم لقد كتب بريشت هذه الكلمات قبل أن تصبح كرة القدم صناعة محضة تنشد الربح والنتائج الأفضل علي حساب جماليات اللعب فثمة شعور عال ودقيق بالمسئولية يترك شعوراً لدي الجمهور بأن اللاعب يفعل ذلك من أجل المتعة لا النتائج أو الربح ، ذلك الوجه الحقيقي لكرة القدم الذي لم تعد تملكه تماماً بعد أن أصبحت صناعة ، لقد أصبح اللاعب في أيامنا هذه سلعة خالصة للبيع والشراء دون أن يكون له حق المغامرة  حتي في طريقة اللعب، حتي أن إدوارد غاليانو وصفها بتكنوقراطية كرة القدم الاحترافية التي تفرض كرة قدم تعتمد السرعة المحضة وتستبعد الفرح وتستأصل المخيلة وتمنع الجسارة ولم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للممثل الذي بات عبداً لشروط السوق تارة ، وتارة أخري لتكنوقراطية المناهج والمدارس الحديثة  ولكن ظلت المتعة في المستطيل الأخضر باقية المجتمع أصبح مهيئاً للإستعراض وليس للدراما .  
قديماً كان العرض المسرحي صناعة جماعية بين المخرج والكاتب والممثلين وصاحب الفرقة ، يرتجل الممثل يبدع ، يضيف ، يحذف ينطلق باحثا عن مكنون الشخصية ، يضيف إليها المخرج مع الكاتب وهكذا كان العرض مغامرة تلعب فيها الفطرة دوراً كبيرا وتعتمد علي الغريزة الإنسانية التي تؤكد ميل الإنسان نحو اللعب والتمثيل، وأيضا كانت مباراة كرة القدم في الماضي تحكمها مغامرة اللعب والمتعة لكنها أصبحت الآن تخضع لشروط المدرب العلمية الصارمة دون تدخل اللاعب ،فثمة خطة مسبقة لها الكلمة العليا، وفي المسرح أصبحت المدارس والأساليب الحديثة والتقنيات أيضاً تكبل الممثل كما تكبل الخطة العلمية وطريقة اللعب اللاعب ، بالإضافة إلي شروط السوق ومراعاة الربح والخسارة .
وكما كان النشاط التمثيلي وغريزة المحاكاة لدي كل الشعوب وفي كل الحضارات كل بطريقته وتطور بعض هذا النشاط ليصبح مسرحاً عند بعض الشعوب وظل نشاطاً تمثيلياً عند شعوب أخري ، أيضاً عرفت الشعوب كرة القدم بالفطرة وكل منهم صنع الكرة بطريقته فالمصريون صنعوا كرة من القش وقشور الحبوب ، وتطورت الفكرة إلي الكرة الشراب رمز المتعة و في مصر أطلق علي من يجيدها الحرّيف ا الذي يلعب من أجل المتعة يلعب بالفطرة ويكفيه ثمناً تصفيق الجمهور وانتزاع الأهات من  الجماهير مثله مثل الممثل الذي يظل هاوياً عاشقاً لخشبة المسرح دون أن يسلم نفسه لقانون الربح والخسارة في تجارة الفضائيات !
نعم اللاعب ممثل كبير  وكلاهما اللاعب والممثل محكومان بالمهارة والموهبة معا ، فكما أن للممثل شخصية هي نتاج موهبة وثقافة، أيضا لمحترف كرة القدم  شخصية فاللاعب في أوربا يختلف عن اللاعب في أفريقيا ولاعب أمريكا اللاتينية لديه مزايا لا يحظي بها غيره ، وبعد مشاهدة مئات المباريات لا أستطيع أن أصدق ماهو شائع أن اللاعب يفكر بقدمه ، وإن كانت هي سلاحه  الحاد إلا أنه يستخدم كل جسده، عقله بل وروحه أيضاً أنه ممثل كبير وتتفاوت موهبة التمثيل من لاعب وأخر وبين ثقافة وأخري ، فما يفعله اللاعب في المستطيل الأخضر في شوطين علي مدي تسعين دقيقة أو أكثر أحياناً لايختلف كثيراً عما يفعله الممثل في فصول المسرحية، كلاهما يعي وجود الجمهور وتؤثر فيه المشاعر الملتهبة في المقاعد، المدرجات أو صالة المسرح، كلاهما يرتجل أحياناً، وتأتي المتعة وفقاً لحجم الموهبة لدي الممثل واللاعب، فكما يرتجل عادل إمام علي خشبة المسرح كان محمود الخطيب أو حسن شحاتة يرتجل داخل الملعب مستعرضاً مهارته الفنية سواء بالتمثيل ممثلاً في الأداء بكل مفرداته الصوتية والحركية أو بمهارة القدمين ، ناهيك عن مواقف أخري درامية ، بل وذات طابع مأساوي أحياناً ، فماحدث علي سبيل المثال بين الفرنسي من أصل جزائري زين الدين زيدان و اللاعب الإيطالي اماركو ماتيراتزي  في نهائي كأس العالم عام 2006 خير دليل ، فكان الأخير يسب زيدان ويخفي فمه بيديه حتي لايسمعه الحكم أو تلتقطه الكاميرا ، يقترب منه يسبه بأهله  لإثارة مشاعره ، يرتدي قناع البراءة  ويركض  بعيداً وحين كررها هاجمه زيدان ونطحه كثور هائج  ثم طرده الحكم . هذا المشهد لايمكن قراءته بمعزل عن فنون الأداء التمثيلي بما في ذلك نهايته المأساوية بخسارة فرنسا وبعد عشرة سنوات نشر ماتيراتزي لوحة يحتفظ بها في بيته علي موقع انستجرام يظهر فيها زيدان وهو ينطحه ، ويظهر هو رافعاً كأس العالم في إشارة إلي انتصاره وليس زيدان ، وفي مشهد أكثر حضوراً في الإذهان وهو اعتداء البرتغالي سرجيو راموس قلب دفاع  ريال مدريد علي المصري محمد صلاح لاعب ليفربول الإنجليزي وإصابته بدون كرة إصابة تجاوزت حدود الملعب وكبرت مثل كرة الثلج لأن البعض رأي أنها غير أخلاقية ومتعمدة ، الإصابة التي سوف تؤثر علي مشاركة الأخير في كأس العالم مع فريق بلاده في مونديال روسيا  ساهمت في صنع مأساة متكاملة الأركان ، ليصبح المشهد حديث العالم ، لتكون اللقطة نموذجاً مأساوياً ، فهل تعمد راموس هذا الفعل وخاصة أنه مشهور بالعنف ؟ تباينت الآراء وأصبحت اللقطة التي لم تستغرق سوي ثوان معدودات مادة ثرية للتأويل والقراءت المختلفة  ، فهل كان راموس يؤدي دوراً متفق عليه ، هل كان يقصد ولماذا وأي قناع كان يرتدي حين  أدئ هذا المشهد المأساوي؟ وأمثلة عديدة تجعل من المستطيل الأخضر مسرحاً ، أوفرجة العصر الحديث . كرة القدم الأقرب في طبيعتها إلي لهو الأطفال إلي اللعب بالغريزة لا تخلو من الأداء التمثيلي بل الأداء جزء من البناء العميق لهذه اللعبة ، لقد خرج لاعب الأهلي السابق ارمضان صبحي عن النص أكثر من مرة في ديربي الأهلي والزمالك ،خرج عن نص اللعب وراح يلهو كطفل مع الكرة في  مشهد خاص بين أقدامه والكرة ، وصفق جمهور الأهلي وهاج جمهور الزمالك الذي اعتبرها إهانة ، حين استعرض مهاراته ووقف فوق الكرة بعد إحراز الهدف ، وأنتهت المباراة ولم ينتهي المشهد الذي ظل عالقاً في الأذهان، مشهد الغرام بين رأس الحربة ومعشوقته كرة القدم ! نعم يدخل الممثلون إلي خشبة المسرح ومعهم حكاية  ذات حبكة واضحة وشخصيات وضع المؤلف مصائرها قبل الصعود إلي خشبة المسرح ، في حين ينزل اللاعبون إلي المستطيل الأخضر ولا يملكون سوي تعليمات الخطةب لا يعرفون المصير المجهول، لكن بعد نهاية المباراة تتراكم الحكايات ، تتكون الحكاية أثناء اللعب، يتم تأليفها ولا أقول ارتجالها، وذلك من خلال المواقف والأحداث التي تولد أثناء اللعب ، بل وتنمو وتكبر فيما بعد، يساهم المعلق الذي يدير الحكاية حيث يضع المشاهد في عمق الحدث ، بل وفي أحيان كثيرة يشير إلي نهاية الحكاية ! لذلك كان من الطبيعي أن يلاحظ »‬رولان بارت» أن كرة القدم تؤدي وظيفة المسرح في العصر الكلاسيكي. وقال »‬أن الرياضة هي الشكل الحديث للفرجة »‬ بعد أن باتت  الجماهير الغفيرة  تعيش من خلالها نفس المشاعر والأجمل أنه قال »‬أن كل مايحدث للاعبي كرة القدم يحدث للجمهور» وظني أن هذا أيضاً يحدث في المسرح الكلاسيكي وهو أقرب إلي فعل التطهير الذي يحدث للمشاهد بفعل مشاهدة المآسي ، فثمة مشاعر يتبادلها المستطيل الأخضر مع مدرجات الجمهور حيث ينتقل التوتر من المدرجات إلي الملعب والعكس ، الفرح ، الحزن  وفي الحالتين - الكرة والمسرح - يرفض الجمهور الخسارة  لايقبلها من اللاعب أو من الممثل  فكما أن الخسارة ممنوعة في كرة القدم ، الفشل ممنوع عند الممثل أيضاً ، كلاهما يهبط بصاحبه إلي الحضيض من السماء إلي الأرض في لحظة ! ففي مباراة مصر والكونغو التي أقيمت في برج العرب وأثناء نشوة الفرح بعد أن  تقدم منتخب مصر، أحرز لاعب الكونغو هدف التعادل الذي يعني تأجيل  نبأ الصعود حتي الجولة الأخيرة  الغير مضمونة في غانا ، فجأة تحولت المدرجات التي كانت تغص بالفرح إلي مقبرة كبيرة أنتقل الحزن من الملعب إلي الجمهور والتقطت الكاميرا صورة لمراهق يبكي ضياع الحلم ، يبكي بصدق ، وبعد أن أحرز متخب مصرهدف الفوز في الثواني الأخيرة من ضربة جزاء  تحولت المقبرة إلي فرح صاخب ، فليس هناك حلولاً وسط ، لأن نجاح اللاعب في المستطيل الأخضروالممثل علي خشبة المسرح  يحدث أمام الجمهور ، فهو الحكم الفعلي ، والجمهور لا يسامح أو يغفر للممثل أو اللاعب حين لا يمنحه المتعة التي كان ينتظرها ،تتحول مشاعر الحب إلي غضب يطيح بالنجم اللاعب أو الممثل بعيداًعن الأضواء .
دون شك أن  مايحدث داخل المستطيل الأخضر ليس عملاً درامياً تتوفر فيه عناصر العمل المسرحي ، ليس هناك الصراع الذي هو جوهر الدراما لكن هناك عناصر عديدة من مفردات العرض المسرحي داخل المستطيل الأخضر والتي تحقق شروط الفرجة أهمها شراكة الجمهور، والأداء التمثيلي للاعبين داخل حيز اللعب، بالإضافة إلي الاستعراض الذي يبدو واضحاً في صور متعددة بين اللاعبين  أنفسهم  وأيضاً بينهم وبين الكرة، بركان الطاقة الذي ينفجر حين يلمس اللاعب الكرة أقرب إلي »‬مسرح الطاقة »‬ الذي اقترحه »‬فرانسو ليوتار» إبداع مسرحي يعتمد فيه علي الطاقة »‬ أي مسرح بدون مضمون، مسرح القوي المكثفة بحضور الأحاسيس والمشاعر »‬ وهو مسرح مابعد الحداثة ، حيث المحرك الرئيسي للعرض المسرحي ليس القصة التي تُحكي، بل اللعب الذي يُمارس فوق الخشبة . وفي كل مباراة داخل المستطيل الأخضر يمارس الفريقان كل فنون الأداء ليس فقط بأقدامهم ولكن بكامل مشاعرهم في عرض مسرحي يسقط فيه الحائط الرابع في ذروة النشوة والاندماج حين يطلق الحكم صافرته بعد كل هدف أو بعد  كل خطأ ، بعد كل أداء تمثيلي فاشل من اللاعب الذي يعرقل منافسه بدون مهارة فيعاقبه الحكم بإشهار البطاقة الصفراء إذا كان الأداء ضعيفاً ، أما إذا كان فجاً فبطاقة حمراء أي طرده بعيداً عن الأضواء وحرمانه من اللعب ، وفي أحيان كثيرة أتمني أن يتم تطبيق مبدأ البطاقات في المسرح في مواجهة الأداء المزيف والضعيف وطرد أصحابه خارج  فضاء اللعب .
لست في العرض السابق معنياً بالمقارنة بين الكرة والمسرح أو إثبات التقارب ، فهذا التقارب يفرض نفسه بقوة من خلال الجمهور الذي يتجاوز عن كل قواعد الدراما ويعتبر كرة القدم مسرحه المفضل، أو قل الفرجة المعاصرة ، الفرجة التي تخلو من الحبكة  وتتخلي عن قواعد أرسطو، منذ أن كان الرومان يغمرون مسارحهم بالماء - المدرج الروماني الأقرب إلي ملاعب الكرة - ويدفعون بالمصارعين  لمحاكاة المعارك الحربية ، بل وكانوا يطلبون من الإمبراطور عدم إرسال المصارعين للحرب وإبقاءهم في المسارح للمتعة والتسلية ! سوف يظل المستطيل الأخضر الذي يساوي طوله نصف عرضه  وينتشر فيه الفريقان  وفقاً  لنظام دقيق ، أحد عشر لاعبا يحتل النصف الأول، ومثلهم يحتل النصف الثاني مثل جيش نظامي متحفز للدفاع والهجوم ، وفي نهاية المستطيل الأخضر كل فريق يحتل نصف المستطيل وهدفه غزو النصف الآخر للوصول إلي الفوهة/ المرمي  التي في آخر المستطيل هنا أو هناك  إذ  يقف إلي جوار كل واحدة  حارس المرمي المسكين الذي سوف يكون هدف الجميع سواء بالهجوم أو الدفاع ، وبينهم كرة صغيرة يراها البعض الكرة الأرضية التي مازالت لغزاً غامضاً للبشر، وفي الملعب هي القوة الفاعلة التي تحرك الأحداث ، الجميع يراقبها ، يتأملها ، ويركض خلفها ولسان حالهم  يصرخ في وجه الكرة الأرضية  / كرة القدم :
 يا أمنا الكرة
 التي لم تحرز هدفاً واحداً
في مرمي أحلامنا
يوماً ما
ربما نقتلك  
بركلات الحظ .