رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

زهْر الياسمين


محمود عاطف
6/9/2018 10:08:50 AM

كلّ صباح، يأتي الفتي الصغير لبيت عائلتي الذي في القرية. يحاول أن يشبّ من موقعه الأوسط بين أبيه وأخيه الأكبر وسائق عربة النصف نقل. ولأنه ألثغ كنت أحب أن أسأله عن اسمه، فيجيب الذي لم يكن بلغ الثامنة من عمره بعد: نَصْي صَياح أبو جييشة، ومعناها نصر صلاح أبو جريشة، فأضحك، وألاطفه، وربما كنت أعبث بشعره حينها في أول سنوات الألفية الجديدة.

في هذه الفترة ومن قبلها بسنوات كان لعائلتي نشاط تجاري في أشهُر الصيف عبارة عن مُجمّع كبير لزهر الياسمين، حيث تشتهر قريتنا بزراعة هذا النبات العطري ذي المردود الاقتصادي المعقول. يجمع الفلاحين كل فجر ولبعد الشروق زهور الياسمين، نفّاذة الرائحة، من علي شجر تنسدل فروعه الخضراء حول الجذع الخشبي كشعر فتاة غجرية، فيما يقصر طول الشجرة نفسها عن كتفيْ فتي بالغ. يأتون بمحصولهم يوميا، نزنه وندوّن مقداره، ثم نضعه في طاولات بلاستيكية صفراء مثل المخصصة للدجاج الحي. نورّد ذلك كله - قرب الضحي أو الظهر - لعدد من المصانع المختصة بصنع المادة الخام العطرية، والتي بدورها تورّدها إلي فرنسا وغيرها من الدول الرائدة في صناعة العطور.
وكان والد الفتي الألثغ يملك مجمّعا صغيرا، يلمّ محصوله يوميا من الفلاحين ويأتينا به ليضاف لما جمعناه. إنها رحلة ممتعة لطفل صغير في عربة النصف نقل، حتي ولو كانت داخل القرية، خصوصا حين يتمرد علي مكانه جوار السائق ويفضل الجلوس في صندوق السيارة مع أخيه، الأكبر قليلا، خلف الطاولات، مستمتعا برؤية الرائحين والغادين في طرقات القرية، أو شاتما الأشقياء الأكبر منه ممن يستطيعون تسلّق العربة والتمسك ببابها الخلفي وهي تتحرك.
بيت الفتي هو الوحيد في القرية الذي يشجّع فريق كرة القدم بالنادي الإسماعيلي، ولم أكن أعرف السبب، ولِحدّ الآن. قال لي بلثغة الطفولة: نصي صياح أبو جريشة، إنه يعرف محمد صلاح أبو جريشة، كما يعرف أين يلعب، ويحبه ويشجعه، لكن اسم عائلة الفتي ليس أبو جريشة فعلا، ولهذا كنا نضحك، أبوه وأعمامي وأنا وأخوه الأكبر قليلا وأخي وسائقو العربات نضحك علي لثغته وعلي اسمه المنتحل. بينما أخوه الأكبر يرفع أمامي أو أمام أخي طاولات الياسمين من علي الميزان الحديدي الكبير. الفتي الأكبر اسمه محمد، يحب الكرة أيضا، حرّيف، ويصغرني بتسع سنوات كاملة. ولو اتّبعنا طرفة الألثغ الصغير سيكون أخوه الأكبر إذن محمد صلاح أبو جريشة لكن في عمر الثانية عشرة تقريبا.
>>>
قالت أمي: شفت البت اللي كاتبه كلام سافل عن ماجي بنت خالك؟! فأجبتها: حياة المشاهير بقي. لكني حذرتها بحدّة من أن ترد علي البنت التي سخرت من ملابس ابنة أخيها وهي برفقة زوجها علي أرضية ملعب أنفيلد.
أمي أنشأت حديثا حسابا شخصيا علي فيسبوك، وكأي أم مصرية عادية (وليعذرني من تُوجعهم التعميمات) فإنها تتعامل مع فيسبوك كما لو كان بيتَ العائلة الكبيرة. إنها ترد علي نساء وبنات العائلة، وكذا صديقاتها في العمل، بالتهاني والأمنيات بنجاح الأولاد والفرح بالبنات. كما تتبادل معهن الفيديوهات المرحة والدينية وتلك التي تصاحبها موسيقي، ولا بد أن تكون ميلودرامية جدا، لتؤكد علي أهمية وجود الأم. ثم تنشر علي صفحتها ما يعجبها من فيديوهات وصور منقوشة بورود تتساقط من السماء تحوي أدعية للأحياء والأموات، ترفقها أمي بدعوة مكتوبة منها: اللهم احفظ أولادي محمود ومحمد وبارك لي فيهما.
أضافت ماما: دي حتي بنت خالك أمّورة وبسيطة في لبسها. شرحت لماما كيف أنه باتت هناك للجمال معايير مسيطرة عالميا، ونحن جميعا نستنبطها بدرجة أو بأخري، بوعي أحيانا، وبلا وعي معظم الأوقات. واستطردت " أضيفي إلي ذلك أن ابنة أخيكِ وزوجها ظاهرة جديدة علي ملاعب الشهرة الأوروبية والعالمية هذه، والبعض هنا – وخصوصا من النساء – يقارنونها بزوجات لاعبي أوروبا حسب النماذج التي تعجبهم أو يسعون لتقليدها. المهم يا ستّي أنه يحبها وتحبه".
هنا لمعت عينا أمي كأنها تذكرت أمرا عزيزا علي قلبها، وابتسمت. ثم طفقت تسرد لمحة من حكاية حب الفتي الأكبر لابنة أخيها، الفتي الذي كان يحمل أمامي طاولات زهر الياسمين لنضعها علي الميزان المعدني الكبير.
لا تفوّت ماما فرصة للاعتزاز بهذه الحكاية، والفرص تنعقد لها بلا أي تخطيط، فالفتي الأكبر صار حديث الدنيا. كيف إذن ألا تعيدها علي سمعي وأنا من أعطيتها المفتاح قاصدا!
تحكي ماما عن خطوبة الأخت التوأم لماجي، وكيف وقف زوج ماجي جوارها طوال الخطوبة، التي تمت في بيت خالي عليه رحمة الله، محوّطا كتفها بيده، أو لحظة أن أمسك بكفها وقبّله أمام الجميع بلا خجل. هذا والخجل الريفي المقيم يتأبّي هذه الأفعال. أضافت ماما "كانوا ييجوا يشوفوا الحب".
>>>
كلما ظهرت صورته في التليفزيون، في إعلان أو مباراة كرة قدم، أو حتي رأي صورته معلّقة في بيت خالي، صاح مازن ابن أخي: محمد صلااااااح. مازن الذي لم يكمل عامه الثالث بعد، يروح ويجيء في صالة بيت أهلي مسددا كراته الكثيرة بقدمه اليسري، وهو يهتف: شوط يا صلاح، جون يا صلاح. ثم: شوط يا حوده. – مش دلوقت يا مازن، علشان هاقرا. فيقفز جواري وهو يطلب أن يقرأ معي، ثم يمدّ يده ليعبث بصفحات كتابي.
لما صاح مازن صيحته أمام زوجة خالي، قالت: لازم أحكيله عنك. ووقتما تعود من زيارة لليفربول، سيكون معها، من بين هدايا ماجي ومحمد الكثيرة، الملبس الرياضي الكامل لفريق ليفربول، مقاس الأطفال. إنهما حتي لم ينسيا أن يرسلا جوربا رياضيا صغيرا كذلك بحجم الكف. قالت زوجة خالي إن صلاح كان يود لو طبع اسم مازن علي القميص الرياضي بدلا من اسم صلاح الشخصي، لكنّ الوقت لم يسعفه.
>>>
لقد صار الفتي الأكبر أيقونة عالمية، وبسط الله له محبة واسعة في قلوب الناس. لا زال أبوه يدير مجمّعا للياسمين، فيما أوقفت عائلتي نشاطها ذاك منذ سنوات ليست بالقليلة. ما عاد الفتي يرفع طاولات زهر الياسمين، ولا عدتُ كذلك. غير أن رائحة الياسمين لا تغيب عن بالي، ولا غابت أبدا عن بال الفتي رائحة الكرة. لقد صار الفتي "مو صلاح".