رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

ألبير قصيري.. وحيدٌ كجثة جميلة في يومها الأول بالقبر


إسراء النمر
7/7/2018 11:48:01 AM

من كثرة الحكايات التي تتناول ألبير قصيري، من كثرة ما قالوا عنه إنه كسولٌ، وإنه جعل غالبية شخصياته من الكسالي، خصوصاً الرجال، يُهيأ للواحد أن ألبير لا يزال نائماً في قبره علي نفس الوضع الذي تركوه عليه، وأنه لم يتحرك من حينها، ولم يقم بفعل شيء، لم يقم مثلاً بتحريك أصابعه، أو حاجبيه، لم يقم بزيارة أحد من جيرانه الموتي، وأنه كما لم يغادر في حياته الغرفة 58 بفندق (لا لويزيان) في باريس قرابة الستين عاماً التي عاشها هناك، لم يغادر قبره، وأنه لا يزال يفضل أن يكون وحيداً، "وحيداً كجثة جميلة في يومها الأول بالقبر"‬، وهو بيته الشعري الذي ظل محتفظاً به، ولم يتبرأ منه، ربما إلي اليوم!

 لقد كان ألبير قصيري حراً، وخفيفاً، وبعيداً عن كل ما يشوش البال، والخاطر، فهو لم يمتلك في حياته شيئاً، لم يمتلك بيتاً، كي ينشغل كل آخر شهر بسداد إيجاره، لم يمتلك زوجة، وربما هذا أعظم ما فعله، فالمعروف عن الكُتّاب أنهم يمقتون الزواج، لكنهم يجربونه من باب أنهم كغيرهم، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، وبالتالي يقضون حياتهم يشعرون بالتعاسة، وبسوء الحظ، لأنهم يرون أن الآخر (أي آخر) يهدد إبداعهم. ألبير قصيري كان واضحاً مع نفسه، وحاسماً، رأي أن الزواج سيعصف بمزاجه، وراحته، فقد جربه لفترة قصيرة، حيث تزوج من ممثلة مسرحية فرنسية، وتركها، لأنه أدرك أن لا شيء يضاهي الحرية.

كما رأي أيضاً أن امتلاكه لطفلٍ أمر به الكثير من المخاطرة، لأنه لم يكن يحب الأولاد، وبالطبع لم يكن يضمن إذا أقدم علي الخطوة، سوف يحظي ببنتٍ، لكنه علي أي حال، كان سيرغب بأن تظل البنت طفلة، حتي لا تصير امرأة وتضطر يوماً ما إلي تحمل سخافة رجل، هكذا كان يري، وهكذا كان يبرر، حينما يتهمه أحد بالقسوة علي المرأة، لأنه كتب مرة أن النساء يجهلن كل شيء في الحياة، وفي الحقيقة تبدو علاقة ألبير قصيري بالمرأة مضطربة بعض الشيء، فهو يجعلها في أعماله نشيطة، وقادرة علي تحمل الأعباء، ويجعلها أيضاً عاهرة، وما يؤكد هذا الاضطراب اعترافه بأنه لم تكن تثيره سوي الفتيات المراهقات، الفتيات ذوات الخمسة عشر عاماً، لأن المرأة إذا وصلت إلي العشرين صارت بالنسبة له عجوز!

 ترتب علي هذا اضطراب مماثل في نظرته للحب، إذ كان يمقت قصص الحب العادية، التي تحدث بين أي رجل عادي وأي امرأة عادية، ولم يكن يورط شخصياته في حب مثل هذا، لأنه بالنسبة له حب بلا فائدة، ويجعل الحياة مملة، والأدب أكثر مللاً، وربما لأجل ذلك لم يكن يذهب إلي السينما، كي لا يشاهد قبلة عادية، واعتيادية، وبالنسبة له، كان حين يحب، يحب بشكل استثنائي، يحب لأنه رأي المرأة من داخلها، وعرف عنها ما لا تعرفه عن نفسها، هذا في حال إن كانت امرأة بالغة، وكان يري أن الفراق لا يشترط بالضرورة إنهاء الحب، علي العكس، قد يعمقه، ويجعله أبدياً.

شيء أخر لم يفكر ألبير قصيري في امتلاكه، السيارة، ربما لأنها تحتاج هي الأخري إلي متطلبات، وستحوله إلي رجلٍ مسئولٍ، وهو لم يعتد ذلك، فلقد نشأ في أسرة، كان الأب فيها لا يعمل، ويعيش ويصرف علي أبنائه من عائدات الأراضي والأملاك، بالتالي لم يكن رجلاً مسئولاً، لم يكن رجلاً له كلمة، أو بالأحري سلطة، لا علي زوجته، ولا علي أولاده، وكان لذلك الأثر الأكبر في الصورة التي كوّنها ألبير قصيري منذ صغره عن الرجل الذي يجب أن يكنه، أو عن الرجل بصفة عامة، فهو لم يلتحق بأي وظيفة، وظل عائشاً علي ما تجلبه له كتبه من أموال، وهي أموال بالطبع تكفي بالكاد رجل مثله، بلا أسرة، أو متطلبات.

منطقه، وإيقاعه في الحياة، انعكس بشكل أو بأخر علي الكتابة، فهو لم يلزم نفسه بخطة ما، أو بكتابة عدد من الصفحات كل يوم، وكان يترك للفكرة الفرصة كاملة لتختمر بداخله، وإن لم تكن فكرة مغايرة، وجديدة، وستضيف شيئاً، له، قبل القارئ، يقوم باستبعادها،  إنه يري أن الكتابة تحتاج إلى صبر طويل، حتى تكون كتابة صادقة، وحرة، كتابة تعكس صورة حقيقية عن العالم الذى يراه، وليست محض كتابة جمالية والسلام، وهو ما يفسر لماذا كان بحاجة دوماً إلى وقت قدره البعض بعشر سنوات  بين عمل وآخر كى يرتاح فيه ويأخذ نفسه. ويفسر أيضاً روتينه اليومي، إذ كان ينهض فى العاشرة صباحاً تقريباً، يأخذ قهوته، وينتظر ساعتين كاملتين، كى يستوعب ما حوله، ليكتب.

ساعده على ذلك أيضاً رؤيته لكونه كاتباً، وليس روائياً، كاتباً يعمل على الشيء نفسه، على بلده  مصر، وهذا عزز كثيراً من موقفه أمام نفسه، فهو لا يطمح لشيء، ولا يفكر فى جائزة، وليس فى سباق مع أحد، ولا أحد يقف وراء ظهره، كى ينتهى الآن من الكتابة. بإمكانه أن يقضى أياماً كاملة فى تأمل جملة، يريد أن تخرج بشكل معين. وبالطبع لم تكن تعنيه أراء الآخرين فيه، لأنه يرى أن على المرء، على الكاتب تحديداً، أن يكون له طريقته الخاصة فى التعامل مع الأشياء. وكانت فكرة انتظار كتاب له، فكرة عبثية  لأنه هو نفسه لم يكن ينتظر ذلك. هو ينتظر فقط أن يظل قادراً على قول ما يريده .

وبالنسبة لطقوسه فى الكتابة، لم تكن لديه أى طقوس، كان يحتاج فقط إلى قلم رصاص وورقة ليك
تب، واحد مثله كان من الطبيعى جداً ألا نجده يتفاعل مع التكنولوجيا، لأنه لايميل إلى فكرة الامتلاك، لأن الامتلاك يحوّله -فى نظره- إلى عبد، فلم يستخدم الكمبيوتر، ولم يستخدم الموبايل، خصوصاً أنه فى آخر عشر سنين من عمره كان قد فقد القدرة على النطق، بعد أن أصيب بسرطان فى الحنجرة، أدى إلى استئصال أحباله الصوتية، وكان إذا أراد صحفى إجراء حوار معه، يرد عليه كتابة.

كان يكتب بالفرنسية، ويتحدث بالفرنسية، لأنه لم يكن يلتقى فى فرنسا أحداً من المصريين، سواء كانوا أقارباً، أو أصدقاء قدامى، كى يتحدث معهم بالعربية، وحتى لو وجد أحداً فيهم كان يحدثه بالفرنسية، وكان هذا يثير فى نفسه الغربة، والحزن أيضاً، لأنه كان يعرف جيداً من داخله أنه لم يخرج من مصر، حتى شخصياته جعلهم جميعاً مصريين، وحين سأله أحد الصحفيين عن سر تعلقه بهذا البلد، وهل السبب أنه ولد هُناك، أم الأمر يتعلق بشيء آخر  قال: «لا أعرف  ربما لأن الإنسان فى مصر يُعجبنى لأنه قادر على التغلب على صعوبات الحياة بالسخرية وربما لأن هناك الحكايات الغريبة، والتى لا تنتهى  فلدى كل شخص حكايته و لدى كل شخص طريقته.  لا أحد هناك يشبه الآخر».

 ألبير قصيري، الذى ولد عام 1913، وعاش فى حى الفجالة، يعرف جيداً رائحة الأزقة، وسحرها، يعرف الطرقات، والبنايات، يعرف أن البشر هُنا معجونون بالألم، ولأنه لم يكن طفلاً عادياً، إذ كان يدرك أنه سيصير كاتباً منذ كان فى العاشرة من عمره، كان لا يمر عليه شيء، سواء كان  كلمة، أو حكاية، أو مشهدا،إلا ودقق النظر فيه، حتى استطاع أن يكون له قاموسه الخاص، قاموس لايتضمن فقط المصطلحات المصرية، بل والمشاعر أيضاً، إذ كان قادراً تشكيل شخصياته، كما لو أنه التقى بهم أمس، كان يعرف أيضاً أن الطريقة الوحيدة لفهم الحياة، هى اللهو، فكان يقضى وقته فى التسكع، وفى خوض التجارب، وهذا ساعده على الاحتكاك المُباشر بالناس، خصوصاً البسطاء، وهذا ما كان سيحدث أبداً، إن لم يفعله بنفسه، لأنه ابن عائلة ارستقراطية شامية أرثوذكسية، ليس من بين قوانينها هذا.

فى الشارع المصري، لمس ألبير قصيرى شيئاً لم يلمسه فى الشارع الفرنسي، وهو الكرم، وكان يدلل على ذلك بحكاية عن طفل كان يمثل فى فيلم (شحاذون ومتعجرفون) - وهو الفيلم المأخوذ من روايته التى تنحاز إلى المهمشين والفقراء والبسطاء والشحاذين والعاهرات، الفيلم الذى حضر تصويره فىالقاهرة - كان هذا الطفل وديعاً، وبسيطاً، فى الخامسة من عمره، وكان بطبيعة الحال مهمشاً من باقى الممثلين فى الجلسات الخاصة التى تجمعهم، لأنه ببساطة طفل، فلم يكن ينتبه أحد إلى وجوده، وفى يوم ما، نسى الحاضرون أن يدعو هذا الطفل إلى تناول الغداء معهم، فأعطاه ألبير نقوداً كى يشترى شيئاً يأكله، لتكن فلافل مثلاً، فذهب الطفل، ولما عاد،بسط كفه ناحية ألبير، ليعطيه قطعة من الشوكولا، تحية له.

يقول ألبير قصيري: «من الممكن أن تجد نفسك شحاذاً، أو فقيراً، لكن عليك أن تتمتع بالنُبل، وألا تفقد احترامك لذاتك».

 ظل متأثراً بمصر، وكان بسبب تناوله المُفرط لها فى كتبه، كان الفرنسيون من قرائه يتحمسون للسفر إليها، كى يروا أناسها الغرباء، وعوالمها الأغرب، بل هناك من قرر منهم العيش فيها بسبب ألبير، وظل يردد دوماً أنه متمسك بمصريته، كما ظل يحكى عن الفترة التى عاشها فيها، فهو لم يقصد فرنسا لأجل جواز سفر أو عمل، إنما قصدها لأن الحرب العالمية الثانية فرضت على الجميع العودة إلى جذورهم، وكان -رغم أن أصل  عائلته من سوريا- جذره فرنسياً، فقد وجده نفسه حين بدأ يتحدث، يتحدث الفرنسية، لأنه كان مُلتحقاً بمدارس فرنسية، ولم يكن فى بيته من يتحدث العربية سوى أمه، حتى حين بدأ يقرأ، قرأ الكتب الفرنسية التى كان يجلبها أشقائه إلى البيت.

 هكذا عاش ألبير قصيري، جسده فى فرنسا، وقلبه فى مصر، لذا كان طبيعياً جدا، أو ربما كان واجباً، أن تذكره مصر، بمناسبة مرور عشرة أعوام على رحيله، إذ أقام المركز الثقافى الفرنسى احتفالية له، حضرها الكاتب الفرنسى كريستوف عياد، الذى التقى ألبير فى تسعينيات القرن الماضى كى يتعرف عليه عن قرب ويكتب عنه مقالة، وصاروا بعدها أصدقاء، يلتقون حين تسمح الظروف بذلك. حكى كريستوف كيف كان ألبير يشعر بالألم فى فرنسا، وكيف كان يشعر أنه منفي، لكنه رغم ذلك لم يكن يأمل بالعودة إليها، ربما لأنه اعتاد المكوث فى غرفة الفندق، وربما لأن الوقت قد فات، وربما لأنه لا يؤمن بشيء اسمه العودة، فحين سُئل عما يريده قبل الموت، قال: «لا أريد شيئاً، سوى أن أظل ممدداً هكذا على سريرى، وأغمض عينيّ إلى الأبد».