رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

زرياب موسيقار الشرق والغرب


د. نبيل حنفي محمود
7/7/2018 1:46:18 PM

لم يلق موسيقيّ قط – طوال دولة الإسلام – ما لقيه أبو الحسن علي بن نافع الشهير بزرياب من المدح و القدح، حيث توالي امتداح ما قدمه لصناعة الغناء في مصادر تاريخية عدة، لم تكن مقدمة إبن خلدون التي ظهرت في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) أولها، ولن يكون كتاب »شمس العرب تسطع علي الغرب»‬ للمستشرقة الألمانية الشهيرة زيجريد هونكة – الذي صدرت طبعته الأولي في عام 1964م – آخرها، وفي الجانب الآخر... ترادفت الأقوال و الحكايات التي تحقر زرياب و تحط من شأنه في مظان تاريخية أخري، فمن إسحاق الموصلي المعاصر لزرياب وحتي كمال النجمي في عصرنا الحالي، تنوقلت الأحاديث وسطرت المقالات التي تطعن في موهبة زرياب وتشكك في إنجازاته، والمقالة الحالية تتحري – وبمنهج البحث العلمي -ما لزرياب و ما عليه.

النشأة و التكوين
اختلفت مصادر التاريخ كثيراً حول نشأة علي بن نافع، فبينما ذكر أحمد بن محمد المقّري  التلمساني (992 – 1041 هـ) في الترجمة الضافية التي أوردها له في كتاب : »‬نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» ما يلي : »‬علي بن نافع الملقب بزرياب، مولي أمير المؤمنين المهدي العباسي» (ص122)، بما يعني أن زرياب كان عبداً من عبيد الخليفة المهدي (126-169هـ)، فإن أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسيّ (246 – 327هـ) وهو الأقرب إلي عصر زرياب، قال بغير ذلك، حيث قال عنه الآتي في كتاب »‬العقد الفريد» : »‬وكان لإبراهيم الموصليّ عبدٌ أسود يقال له زرياب» (الجزء السادس، ص34)، ليجيء عبد الرحمن بن خلدون (732 –808 هـ) فيما بين عصريّ إبن عبد ربه و المقّري، ليقول بما قال به ابن عبد ربه، من أن زرياب كان عبداً لإبراهيم الموصليّ (125-188هـ)، حيث أثبت ذلك في مقدمة تاريخه بالنص التالي : »‬وكان للموصليين غلام إسمه زرياب أخذ عنهم الغناء» (الجزء الأول، ص357)، لذا وطبقاً للسياق التاريخي لكثير من الاحداث الهامة في مسيرة زرياب مع الغناء، فإن الأقرب إلي المنطق و الأحداث.. أن يكون زرياب عبداً لإبراهيم الموصليّ، اشتراه إبراهيم صبياً صغيراً، فلما توسم فيه مخايل النجابة و آنس منه ميلاً طبيعياً إلي الغناء و الموسيقي، تعهده بالتثقيف و التعليم، شأنه في ذلك شأن كثيرين في عصره، ممن كانوا يتعيشون من تربية القيان و الغلمان و تثقيفهم، فإذا ما باعوهم مرة أخري عاد عليهم ذلك – مع الموهوبين من تلك السلعة المرذولة – بالربح الجزيل، فلما توفي إبراهيم الموصليّ في سنة 188هـ،  انتقل زرياب بعد ذلك إلي ذمة إسحاق (155-235هـ) الذي يكبره بسنوات قلائل، مما لا يشكل عائقاً امام جلوس زرياب في موقع تحصيل فن الغناء وأسراره بين يدي أستاذه وولده، ومن هنا فإن ما عناه إبن خلدون في العبارة السابقة بقوله (للموصليين) هما إبراهيم الموصليّ وولده إسحاق، لذلك استخدم كلمة (للموصليين) من باب التثنية.
اكتسب علي بن نافع لقب زرياب من صفتين تميز بهما، وأولي الصفتين هي سواد بشرته، الذي ينبئ بموطن آبائه في أصقاع أفريقيا، التي كانت تجتاحها جحافل النخاسين لتختطف من الصبية و الفتيات ما تغصّ به أسواق بغداد وغيرها من مدن المنطقة الكبري، وتتمثل الصفة الثانية في جمال صوته وحلو شمائله، وهو في ذلك يشبه طائراً غرداً أسود اللون فيما ذكر الدميري في موسوعة »‬حياة الحيوان» (محمد بن موسي الدميري : حياة الحيوان، الجزء الرابع، ص663)، والزرياب في معاجم اللغة هو الذهب (محمد بن يعقوب الفيروزآبادي : »‬القاموس المحيط»، ص700)، لذلك يمكن القول بأن لقب زرياب قد لصق بعلي بن نافع بعدما اشتهر صوته وذاعت ألحانه علي ألسنة الناس، مما يرجح ارتباطه بذلك اللقب في مرحلة متأخرة من مسيرته الفنية.
 عندما بزغ نجم زرياب في بغداد إبان عهد هارون الرشيد، كانت هناك مدرستان تتنازعان زعامة الغناء، مدرسة يتزعمها إبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق وتعتنق ما أرساه معبد بن وهب (توفي 124هـ) من طرائق و أساليب في الغناء، فيما عرف أيامها بالمدرسة القديمة في الغناء، ومن عجب أن إبراهيم الموصليّ الذي تلقي مبادئ الموسيقي و الغناء في الموصل و الريّ علي جمع من الموسيقيين و المغنين من عرب وفرس، فتفتحت مداركه علي آفاق موسيقية أرحب، مما كان مسوغاً لنزوعه إلي التجديد، فإذا به يركن إلي القديم.. يدافع عنه ويبتكر فيه، حتي قال عنه محمد بن الحسن فيما نقله د. محمود الحفني كما يلي : »‬كان لكل واحد من المغنين مذهب في الخفيف والثقيل، فكان معبد ينفرد بالثقيل، وإبن سُريج بالرَمَل، وحَكم الوادي بالهزَج، ولم يكن في المغنين أحد يتصرف في كل مذهب من الأغاني إلا إبراهيم الموصليّ» (د. محمود أحمد الحفني : الموسيقي العربية و أعلامها من الجاهلية إلي الأندلس، ص170)، ومحمد بن الحسن  الذي نقل عنه الدكتور الحفني هو محمد بن الحسن الأنصاري، ولد بالموصل و اشتهر كأحد القراء ببغداد، وقد توفي ببغداد في سنة 351هـ (محمد بن إسحاق (إبن النديم) : الفهرست، الجزء الأول، ص 33 )، والخفيف والثقيل والرّمَل والهزَج هي ضروب من الإيقاعات العربية القديمة، هذا وقد اشتهر إبراهيم الموصليّ بالغناء في جنس خفيف الثقيل الثاني والمعروف بالماخوري، حتي كاد ينسب إليه (غطاس عبد الملك خشبة : المعجم الموسيقي الكبير، المجلد الثاني : ص257 و 80 و425، المجلد الخامس، ص 426)، وله فيه ألحان كثيرة، منها لحنه للأبيات التالية من شعر إبراهيم بن سيابة (أبو الفرج الأصفهاني : كتاب الأغاني، الجزء الخامس ص ص 170-171):
ما لإبراهيم في العلــم بهذا الشأن ثاني
إنما عُمْر أبي إســحاق زَينٌ للزمان
كانت المدرسة التي نازعت مدرسة التقليديين أو المدرسة القديمة زعامة الغناء في ذلك العهد، هي مدرسة المجددين التي تزعمها إسماعيل بن جامع (توفي 188هـ)، وكان إبراهيم بن المهدي (162 -224هـ) – وهو أخ للخليفة هارون الرشيد (147-193هـ) ومن أعلام الغناء والموسيقي الكبار – يشارك ابن جامع في زعامتها، دعت مدرسة المجددين إلي نبذ التكلف والتعقيد في صياغة الألحان والغناء، ونادت بتخفيف الألحان وذلك بحذف نغم الأغاني المعقدة التراكيب وتخفيفها ليسهل أداؤها، وكان مزج الموسيقي العربية بالأخري الفارسية.. علي رأس ما بشرت به مدرسة المجددين.
في تلك الأجواء الزاخرة بأعلام الموسيقيين و المغنين، والمائجة بالقضايا و المنازلات الفنية، تفتح وعي الفتي ثم الشاب علي بن نافع، فأخذ ينهل مما حوته تلك الرياض الزاهرة من كل جميل في الغناء والتلحين والعزف، ومما لا شك فيه أنه لم يقف عند حدود ما تلقاه علي يدي أستاذه إبراهيم الموصلي ومن بعده ابنه إسحاق، وإنما هفت روحه وامتد سمعه إلي إبداعات معاصريهما من أصحاب الأسماء الرنانة، أولئك الذين لم يذهب كر الأيام ببريق ما صنعوه للموسيقي والغناء العربي.
الفرار إلي الأندلس
هناك في مسيرة كل نجم يتألق في آفاق الفنون، لحظة يلج فيها باب الشهرة، لتسلط عليه الأضواء، ويحفر اسمه مع الخالدين في مظان التاريخ ومصادره، وقد جاءت تلك اللحظة في مسيرة علي بن نافع بين يدي الخليفة العباسيّ الأشهر هارون الرشيد، حدث ذلك عندما سأل الرشيد إسحاق الموصليّ ذات يوم أن يأتيه : »‬بمغن غريب مجيد للصنعة، لم يشتهر مكانه إليه»، ولعل الرشيد سئم غناء من استمع إليهم كثيراً من أساطين موسيقيي العصر العباسي من أمثال إبراهيم الموصليّ وولده إسحاق وزلزل ويحيي المكي، وقد كانت لهم في بلاطه حكايات وحكايات، فأراد الرشيد أن يستمع إلي مغنِّ جديد من باب التغيير، تذكر إسحاق مملوك والده وتلميذه :علي بن نافع، فتحدث إلي الرشيد عنه قائلاً: »‬إنه مولي لكم، وسمعت له نزعات حسنة، ونغمات رائقة ملتاطة بالنفس، إذا أنا وقفتُه علي ما أستغرب منها، وهو من اختراعي واستنباط فكري، أحدس أن يكون له شأن»، فقال الرشيد:»‬هذا طلبتي، فأحضرنيه لعل حاجتي عنده» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني: مرجع سابق)، فلما أحضر إسحاق علي بن نافع بين يدي الرشيد، سأله الرشيد عما يحسنه من الغناء، فرد عليه عليّ بقوله : »‬نعم أُحسن منه ما يحسنه الناس، وأكثر ما أُحسنه لا يُحسنونه، مما لا يحسن إلا عندك ولا يُدّخر إلا لك، فإن أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك»، فَسُرَّ الرشيد بإجابته وامر إسحاق ان يعطيه عوده كي يعزف عليه، فرفض عليّ تناول عود إسحاق وقال: »‬لِيَ عود نحتّه بيدي و أرهفته بإحكامي، ولا أرتضي غيره، وهو بالباب، فليأذن لي أمير المؤمنين في استدعائه»، فلما أُحضر العود بين يديّ الرشيد بعد إذنه بذلك، تأمله الرشيد... فرآه شبيهاً بعود إسحاق، فتعجب لذلك وسأل عليّ قائلاً : »‬ما منعك أن تستعمل عود أستاذك؟»، فجاء رد عليّ علي سؤال الرشيد كما يلي : »‬إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي... غنيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي... فلابد لي من عودي»، فقال الرشيد: »‬ما أراهما إلا واحداً»، فقال عليّ: »‬صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غير ذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده ومن جنس خشبه، فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء (سخن) يكسبها (أناثة) ورخاوة، وبَمُّها ومَثْلثُها اتخذتهما من (مصران) شبل أسد، فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرها من (مصران) سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر علي تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، ص123)،والبَمّ في حديث عليّ هو الأعلي في ترتيب أوتار العود العربي الأربعة، ويطلق عليه إصطلاحاً الوتر الأول (غطاس عبد الملك خشبة: مرجع سابق، المجلد الأول، ص ص 321 – 322)، بينما المثْلَثْ هو الوتر الثاني في العود العربي القديم (غطاس عبد الملك خشبة: مرجع سابق، المجلد الخامس، ص63).
بذلك الحوار الذي يشي بالحذق والتمكن الواثق من أسرار الصنعة، بدأ علي بن نافع لقاءه الأول والوحيد بهارون الرشيد،الذي لم يلبث أن أشار إليه بالغناء، فأصلح عليّ عوده و انطلق يغني مستهلاً غناءه بالبيت التالي :
يا أيها الملك الميمون طائره
 هارون راحَ إليك الناس وابتكروا
فما أتم عليّ غناءه، حتي كان الطرب قد أخذ من الرشيد كل مأخذ، فالتفت إلي إسحاق قائلاً : »‬والله لولا أني أعلم من صدقك لي علي كتمانه إياك لما عنده، وتصديقه لك من أنك لم تسمعه من قبل، لأنزلت بك العقوبة لتركك إعلامي بشأنه، فخذه إليك واعتن بشأنه، حتي أفرغ له، فإن لي فيه نظراً» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني: مرجع سابق )، إن حديث الرشيد السابق إلي إسحاق والذي لا يخلو من التأنيب والوعيد، يكشف أن علياً أخفي أمر ماوضع من ألحان... حتي عن أستاذه إسحاق، مما أحنق إسحاق، ولكنه كظم غيظه في حضرة  الرشيد، حتي إذا ما خلا إلي صنيعته بادره قائلاً: »‬يا عليّ، إن الحسد أقدم الادواء وأدواها، والدنيا فتانة، والشركة في الصناعة عداوة، لا حيلة في حسمها، وقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلوّ طبقتك، وقصدت منفعتك، فإذا أنا قد أتيت نفسي من مأمنها بإدنائك، وعن قليل تسقط منزلتي، وترتقي أنت فوقي، وهذا ما لا أصاحبك عليه ولو أنك ولدي، ولولا رعيي لذمة تربيتك، لما قدمت شيئاً علي أن أُذْهبَ نفسك، يكون في ذلك ما كان، فتخير في ثنتين لا بد لك منهما: إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبراً بعد ان تعطيني علي ذلك الأيمان الموثقة، وأُنهضك لذلك بما أردت من مال وغيره، وإما أن تقيم علي كرهي ورغمي مستهدفاً إليّ، فخذ الآن حذرك مني، فلست و الله أبقي عليك، ولا أدع اغتيالك، باذلاً في ذلك بدني ومالي، فاقض قضاءك» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني: مرجع سابق، ص 123 – ص124)، تقول رواية المقّري – والتي اتفقت مع روايات مؤرخين ثقات كابن عبد ربه وابن خلدون – أن عليّ بن نافع آثر السلامة، فاختار الرحيل عن بغداد، والذي أعانه عليه إسحاق.
قدح عليّ بن نافع زناد فكره بحثاً عن ملاذ آمن يفر إليه، فلم يجد مبتغاه لا في الشام، ولا في مصر، وهما الأقرب إلي مقر الخلافة العباسية ببغداد، وذلك لانضوائهما في كيان الدولة العباسية، ولكنه وجد ما ينشده من ملاذ آمن في ولاية افريقية وعاصمتها القيروان (حالياً تونس وأجزاء من ليبيا والجزائر)، التي كانت آنذاك تحت حكم الأغالبة، وهي أسرة إسلامية حكمت تلك المنطقة فيما بين عامي 800م (184هـ) و909م (297هـ)، وتنتسب الأسرة إلي إبراهيم بن الأغلب،  ولسنا نعلم – مما هو متاح من مصادر تاريخية – الوسيلة التي اتخذها علي بن نافع في نزوحه من بغداد إلي القيروان، ولا الطريق الذي سلكه في رحلته الشاقة، مما يتبلور في سؤالين اثنين : هل كانت رحلته إلي القيروان عبر البر؟، وبالتالي فإنه لا مفر من عبوره مصر، أم هل كانت رحلته تلك عبر البحر؟، وأياً ما كانت الوسيلة، فإن المصادر التاريخية تفاجئ قارئها بأخبار عليّ في بلاط زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب بالقيروان، ولما كانت ولاية زياد الله قد بدأت في ذي الحجة من سنة 201هـ، وبعد وفاة أخيه عبد الله (أبو الحسن علي بن محمد الجزري الشيباني الشهير بابن الأثير : الكامل في التاريخ، ص ص 1272 –1276)، الذي استمرت ولايته لإمارة افريقية لأكثر قليلاً من خمس سنوات، بينما حدثت وفاة هارون الرشيد في سنة 193هـ، فإن الأرجح أن استقرار عليّ بن نافع بالقيروان حدث في آواخر عهد مؤسس دولة الأغالبة : إبراهيم بن الأغلب، والذي توفي في شهر شوال من سنة 196هـ، لذا يمكن القول بأن عليّ قد قضي قرابة عشر سنوات بالقيروان قبل أن يتردد اسمه في أخبار بلاط القيروان، ولعل السبب في ذلك يرجع إلي قلة اهتمام كل من إبراهيم بن الاغلب وولده عبدالله بالآداب والفنون، حيث انحصرت جهودهما في تثبيت ملك الأغالبة في أفريقية، بينما كان زيادة الله شاعراً ومحباً للغناء والموسيقي، وبالرغم مما تحفل به المصادر التاريخية من أخبار الحروب التي خاضها زيادة الله في أفريقية وجزيرة صقلية، إلا أنها حوت أيضاً أخبار مجالس الغناء والموسيقي التي كانت تعقد في قصر الحكم بالقيروان علي عهده، وفيها أذاع عليّ بن نافع ابتكاراته الغنائية واكتسب اسم الشهرة الذي لصق به: زرياب، وقد وصف الدكتور محمود الحفني تلك المرحلة من رحلة فرار زرياب بقوله : »‬فإن زرياب منذ نزل عند ملوك الأغالبة، ذاع صيته في جميع ولاية أفريقية، ولم تنقض السنوات الأولي علي إقامته بالقيروان، حتي تحول جزء من هذه المدينة إلي منطقة خصصت للملاهي والترف، وكانت القيروان من قبل لا تعرف بغير الزهد والصلاح والإغراق في التدين»، ويستطرد الدكتور الحفني بعد ذلك فيقول: »‬حتي انقسمت المدينة إلي حييّن متناقضين، عرف أحدهما باسم (الحيّ الزريابي)، وعرف الآخر باسم (حي الزُهّاد)» (د. محمود أحمد الحفني : زرياب... أبو الحسن علي بن نافع موسيقار الأندلس ص 90 –ص 91).
في ذلك العصر... مثلت العدوة وهي الطريق البحري عبر مضيق جبل طارق بين الشاطئ الشمالي للمغرب وساحل الجزيرة الخضراء في الأندلس، مثلت حبلاً سرياً ربط بين المغرب وشبه الجزيرة الأيبيرية، وعبره انتقلت أخبار نجم الغناء الذي بزع في سماء القيروان، ولما كان ذلك العصر في الأندلس هو عصر الإمارة من الدولة الأموية في الأندلس، حيث زهت فيه حواضر الأندلس بجمهرة من الأعلام في كل علم وفن، وإستكثر أمراء ذلك العصر من استقدام العلماء و الادباء والشعراء والفنانين، فلما نمي إلي علم الحكم بن هشام – الذي حكم الاندلس فيما بين سنتيّ 180هـ و 206هـ - ما تحقق لزرياب من مكانة في بلاط القيروان، وهو– أي الحكم –الذي ازدهرت في عصره العلوم والآداب والفنون، فإنه أرسل منصور المغني اليهودي مبعوثاً منه إلي القيروان، وحمّله الدعوة لزرياب للقدوم إلي بلاط الأندلس في قرطبة (المرجع السابق: ص 93 ).
للدهر في حياة البشر حوادث ومفارقات، وقد وافق شهر ذو الحجة من سنة 206هـ (مايو 822م) في حياة زرياب حادث ومفارقة، وقع الحادث في قصر زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب بالقيروان، وقد رواه ابن عبد ربه في النص التالي : »‬فدخل (الضمير عائد لزرياب) علي زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، فغناه بأبيات عنترة الفوارس، حيث يقول :
فإن تك أمي غُرابيةَ    
     من أبناء حام بها عبتني
فإني لطيف ببيض الظبا    
    وسُمر العوالي إذا جئتني
ولولا فرارك يوم الوغي     
    لقدتُك في الحرب أو قُدتني

فغضب زيادة الله، فأمر بصفع قفاه وإخراجه، وقال له : إن وجدتك في شيئ من بلدي بعد ثلاثة أيام ضربت عنقك، فجاز البحر إلي الأندلس، فكان عند الأمير عبد الرحمن بن الحكم» (أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي: مرجع سابق)، بينما وقعت المفارقة عندما وطأ زرياب بقدميه أرض الجزيرة الخضراء من جنوب الاندلس في أحد الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة 206هـ (مايو 822م)، وكان زرياب قد بلغ ذلك الموضع برفقة رسول الحكم بن هشام: منصور المغني، وذلك بعد رحلة طويلة امتدت بين البر والبحر، فقد صحب منصور المغني زرياب و أسرته من القيروان، فسلكوا طريق البر حتي ميناء سويتا في شمال بلاد المغرب، ليعبر الركب من هناك مضيق جبل طارق إلي الساحل الجنوبي للأندلس، وما ان بدأ الركب المسير إلي قرطبة، حتي جاءت الأخبار بوفاة الحكم، فأسقط في يد زرياب، وأسودت في عينيه الدنيا، لولا أن تدارك منصور الأمر، فكتب إلي عبد الرحمن بن الحَكَم (176-238هـ) – الذي آلت إليه مقاليد حكم الأندلس – يخبره بموقف زرياب ويزين له استقباله، »‬فجاء كتاب عبد الرحمن يذكر تشوقه للقائه وسروره بمقدمه، وكتب إلي جميع عماله يوصيهم بإكرامه، وأن يحسنوا إستقباله، ويوصّلوه بالتوقير من بلد إلي بلد حتي يدخل قرطبة، وأمر غلمانه ان يتلقوه بالركائب وبما عساه أن يكون في حاجة إليه»  (د. محمود أحمد الحفني :مرجع سابق، ص 105 –ص 106)، وهنا... فإن الرواية التاريخية تختلف في شأن قدوم زرياب إلي قرطبة فيما أثبته عنها المقّري بكتاب »‬نفح الطيب من غضن الأندلس الرطيب»، حيث أسقط المقّري في روايته عن رحيل زرياب إلي الأندلس ما قضاه من سنوات في القيروان، وأجمل ذلك الرحيل علي النحو التالي: »‬ومضي زرياب إلي المغرب فنُسِيَ بالمشرق خبره، إذ لم يكن اسمه شهر هنالك شهرته بالصقع الذي قطنه ونزعت إليه نفسه وسَمَت به همّته،، فأمّ أمير الأندلس الحكم المباين لمواليه، وخاطبه وذكر له نزاعه إليه واختياره إياه، ويُعْلمه بمكانه من الصناعة التي ينتحلها، ويسأله الإذن في الوصول إليه، فَسُرَّ الحَكَم بكتابه وأظهر له من الرغبة فيه و التطلّع إليه و إجمال الموعد ما تمناه، فسار زرياب نحوه بعياله وولده، وركب بحر الزقاق (أي مضيق جبل طارق) إلي الجزيرة الخضراء، فلم يزل بها حتي توالت عليه الأخبار بوفاة الحَكَم، فهم بالرجوع إلي العُدْوة (أي إلي المغرب)، فكان معه منصور اليهودي المغني رسول الحكم إليه، فثناه عن ذلك ورغّبه في قصد القائم مقام الحكم، وهو عبد الرحمن ولده، وكتب إليه بخبر زرياب، فجاءه كتاب عبد الرحمن يذكر تطلّعه إليه والسرور بقدومه عليه، وكتب إلي عماله علي البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلي قرطبة، وأمر خصياً من أكابر خصيانه أن يتلقاه ببغال ذكور وإناث وآلات حسنة» ( أحمد بن محمد المقّري التلمساني: مرجع سابق، ص 124 – ص125).
بين واش وحاسد
شهد الأندلس تحت حكم عبد الرحمن بن الحَكَم – والذي عرف في مصادر التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط -واحداً من أزهي عصوره، وقد جاء عن ذلك في كتاب »‬المُغرب في حلي المغرب» الآتي : »‬وهو أول من فَخّم السلطنة بالأندلس بأمور يطول ذكرها، من انتقاء الرجال والمباني وغير ذلك، وهو الذي بني جامع أشبيلية و سورها، وتولّع جواريه ببناء المساجد وفعل الخير» (علي بن موسي بن محمد بن عبد الملك :المُغرب في حليّ المغرب (تحقيق د. شوقي ضيف)، الجزء الأول، ص 45)، ويضيف كُتّاب الكتاب إلي ما سبق من أعمال عبد الرحمن الأوسط الآتي : »‬وكان مكرماً لأصناف العلماء محسناً لهم» (المرجع السابق :ص 46)، وكان إلي ذلك جواداً كريماً، أطنب الكتّاب في الحديث عن كرمه، ومن هؤلاء الكتّاب أبو محمد الحجاري، الذي تحدث عن كرم عبد الرحمن الأوسط في كتاب »‬المُغرب في حُليّ المغرب »‬ فقال : »‬إن جواد بني أمية بالأندلس عبد الرحمن» (المرجع السابق : ص 50)، وقد لقي زرياب من كرم عبد الرحمن الكثير، ومن ذلك ما جاء في كتاب »‬المُغرب في حُليّ المغرب» بالنص التالي : »‬وله (الضمير عائد لعبد الرحمن الأوسط) في الكرم حكايات، منها: أن زرياب غناه يوماً، فأطربه، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، فاحتوشه جواريه وولده (الضمير عائد لزرياب)، فنثرها عليهم، وكتب أحد السُّعاة إليه (الضمير عائد لعبد الرحمن) بأن زرياب لم يعظم في عينيه ذلك المال، وأعطاه في ساعة واحدة، فوقّع (أي عبد الرحمن) : نَبهتَ علي شيء كنا نحتاج التنبيه عليه، وإنما رزقه نطق علي لسانك، وقد رأينا أنه لم يفعل ذلك إلا ليحببنا لأهل داره، ويغمرهم بنعمنا، وقد شكرناه، وأمرنا له بمثل المال المتقدم، ليمسكه لنفسه، فإن كان عندك في حقه مضرّةٌ أخري فأرفعها إلينا» (المرجع السابق :ص 51) !!.
هكذا جاء رد عبد الرحمن الأوسط علي سعي واش أراد النيل من زرياب، فأخرس ألسن الوشاة عنه في الأندلس، ولكن كيف السبيل إلي مداراة سهام الحسد التي ما فتئت تنوش زرياب من المشرق إلي المغرب؟، فها هو أبو الفرج الأصفهاني ينقل عن المطرب الكبير علّويه ( توفي 275هـ) ما تحدث به ذات يوم فأغضب منه الخليفة المأمون، قال علّويه  أنه صحب المأمون في زيارة للشام، فبعد أن طافا بقصور بني أمية في دمشق، طلب المأمون من علّويه أن يغني، يقول علّويه: »‬فكأن الله عزّ وجلّ أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت :
لو كان حولي بني أمية لم تنطق رجالٌ أراهُمُ نطقوا
فنظر إلي مغضباً وقال : عليك وعلي بني أمية لعنة الله ! ويلك ! أقلت لك سُؤْني أو سرَّني ! ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرِّض بي !، فتحيّلت عليه وعلمت أني قد أخطأتُ، فقلت : أتلومني علي أن أذكر بني أمية ! هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلام مملوك له،ويملك ثلاثمائة ألف دينار وهبوها له سوي الخيل والضياع والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعاً»‬ (أبو الفرج الأصفهاني : مرجع سابق، الجزء الحادي عشر، ص 356 –ص 357 )، أيكون ذلك ما تتحدث به نفس أحد نجوم الغناء في ذلك العصر وكل عصر، بتأثير ما ترامي إلي سمعه عبر آلاف الأميال عما تحقق لزرياب في الأندلس من نجاح، فكيف يكون رد فعل من زاحمهم زرياب في قرطبة علي المكانة والعطايا؟،إن ذلك لن يكون بأي حال أقل مما نفّس به علّويه  عما يشعر به من غبن وضيق رزق، إن لم يحتذ حساد الأندلس بما كان من أمر إسحاق الموصلي مع زرياب، عندما اكتشف حجم موهبته في حضرة الرشيد، فما عرف إسحاق راحة البال وحقق الحظوة والمكانة في بلاط الرشيد ومن جاء بعده من الخلفاء، إلا برحيل زرياب واختفائه، وقد تكرر نفس الموقف مع شاعر بلاط قرطبة : يحيي بن حكم الشهير بالغزال (توفي 250هـ)، فبعد أن كان يحيي الغزال هو نجم بلاط قرطبة، حتي أرسله عبد الرحمن الأوسط إلي بلاد النورمان الشماليين (الدنمارك) رسولاً (علي بن موسي بن محمد بن عبد الملك : مرجع السابق، الجزء الثاني، ص57)، فإذا بزرياب يطغي بنجاحه وتألقه – منذ قدومه إلي قرطبة - علي جميع من بالبلاط من ندامي وحاشية، فانحسر نفوذهم وتهددت مصالحهم، مما أوغر صدور فريق منهم تزعمه يحيي الغزال، فانطلقوا يشوشون عليه ويدبرون له المكائد، غير أن يحيي الغزال تمادي في الأمر إلي حد الهجاء المقذع لزرياب، وقد سجل المقّري  ما تعرض له زرياب من يحيي الغزال وصحبه بقوله : »‬وكان الغزال أقذع في هجاء علي بن نافع المعروف بزرياب، فذُكر ذلك لعبد الرحمن، فأمر بنفيه، فدخل العراق» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 260).
والآن... ألا يحق للقارئ أن يقف علي أسباب حنق الوشاة وغيظ حساد زرياب ؟، و إنها لكثيرة... حتي ليضيق المجال بذكرها، ولكن لننظر فقط إلي ما أغدقه عليه عبد الرحمن الأوسط من مال و ما أنزله من منزلة،  وعن ذلك يقول المقّري  الآتي في وصف ما لقيه زرياب من عبد الرحمن الأوسط عقب حلوله بقرطبة : »‬وبعد ثلاثة أيام استدعاه، وكتب له في كل شهر بمائتي دينار راتباً، وأن يجري علي بنيه الذين قدموا معه – وكانوا أربعة : عبد الرحمن وجعفر وعبيد الله و يحيي – عشرون ديناراً لكل واحد منهم كل شهر، و أن يجري علي زرياب من المعروف العام ثلاثة آلاف دينار،منها لكل عيد ألف دينار، ولكل مهرجان ونوروز خمسمائة دينار، وأن يقطع له من الطعام العام ثلاثمائة مدي ثلثاها شعير وثلثها قمح، وأقطعه من الدور والمستغلات بقرطبة وبساتينها ومن الضياع ما يقوّم بأربعين ألف دينار» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، المجلد الثالث، ص 125)!!، وللتعجب هنا علامتان كما سبق، أولاهما لحجم ما أولاه عبد الرحمن الأوسط لزرياب من أموال وإقطاعات، بينما تعبر ثانيتهما عما تحقق لنجوم الغناء في ذلك العصر من مكانة، لا بد وأن تذكي حسد الحاسدين، وأياً ما كان الأمر... فإن المقّري  يستطرد بعد ذلك ليخبر القارئ بتفاصيل دقيقة عن مكانة زرياب عند عبد الرحمن الأوسط فيقول : »‬فلما قضي له سؤله (الضمير عائد لزرياب) وأنجز موعوده، وعلم أن قد أرضاه وملك نفسه.... استدعاه، فبدأ بمجالسته علي النبيذ وسماع غنائه، فما هو إلا أن سمعه فاستهوله واطّرح كل غناء سواه، وأحبه حباً شديداً وقدمه علي جميع المغنين، وكان لما خلا به أكرمه غاية الإكرام وأدني منزلته وبسط أمله، وذاكره في أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء، فحرّك منه بحراً زَخَر عليه مدة، فأعجب الأمير به وراقه ما أورده، وحضر وقت الطعام فشرّفه بالأكل معه هو وأكابر ولده، ثم أمر كاتبه بأن يعقد له صّكاً بما ذكرناه آنفاً، ولما ملك قلبه واستولي عليه حبّه، فتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متي أراده» (المرجع السابق)، وهنا... فإن قارئاً لما سطره المقّري  قبلاً، سوف يعتقد أن المقّري  يبالغ فيما يرويه عما أغدقه عبد الرحمن الأوسط علي زرياب من الأموال ومظاهر التكريم، غير أن هذا الاعتقاد سوف يتبدد عندما يطالع القارئ ما أثبته ابن خلدون عن ذلك في تاريخه، وذلك لأن ابن خلدون يعد الأقرب تاريخياً إلي عصر زرياب من المقّري ، حيث جاء الآتي في حديث ابن خلدون عما لقيه زرياب بعد لقائه بأمير الأندلس : »‬فبالغ في تكرمته وركب للقائه، وأسني له الجوائز و الإقطاعات والجرايات، وأحله من دولته وندمائه بمكان» (عبد الرحمن بن خلدون : مرجع سابق).
آثار موسيقية وحضارية
يزخر البعض من مصادر عصر زرياب التاريخية، من القليل النادر الذي نجا من تراث الأندلس من محرقة القشتاليين بقيادة الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا، يزخر بإشارات إلي ما أدخله زرياب من آثار في مجتمع الأندلس، وتنقسم تلك الآثار إلي قسمين رئيسيين، ينطوي أحدهما علي ما أبدعه من آثار موسيقية، بينما يشتمل الآخر كل ما أضافه من آثار حضارية وثقافية إلي مجتمع الأندلس في عصره.
تمثل آثار زرياب في الموسيقي الأندلسية – بل والعالمية – درة إبداعاته وخلاصة إسهامه الحضاري، وقد أجمل ابن خلدون آثار زرياب الموسيقية في مقدمة تاريخه بالنص التالي : »‬فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلي أزمان الطوائف، وطما منها بأشبيلية بحرٌ زاخر، وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلي بلاد العدوة بإفريقية و المغرب، وانقسم علي أمصارها وبها الآن منها صبابة علي تراجع عمرانها و تناقص دولها» (المرجع السابق)، ولكن تفصيل آثار زرياب الموسيقية حوته مصادر أخري، ومن ذلك ما ذكره المقّري  في كتاب »‬نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» عن ابتكار زرياب في عوده، فقال : »‬وزاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، إذ لم يزل العود ذا أربعة أوتار علي الصنعة القديمة التي قوبلت بها الطبائع الأربع، فزاد عليها وتراً خامساً أحمر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطف معني وأكمل فائدة، وذلك أن الزير صُبغ أصفر اللون، وجُعل في العود بمنزلة الصفراء من الجسد، وصُبغ الوتر الثاني بعده أحمر، وهو من العود مكان الدم من الجسد، وهو في الغلظ ضعف الزير، لذلك سميّ مثني، وصُبغ الوتر الرابع أسود، وجعل من العود مكان السوداء من الجسد، وسُمّي البمّ، وهو أعلي أوتار العود، وهو ضعف المًثْلث الذي عُطل من الصبغ وترك أبيض اللون، وهو من العود بمنزلة البلغم من الجسد وجُعل ضعف المثني في الغلظ، ولذلك سمّي المَثْلث، فهذه الأربعة من الأوتار مقابلة للطبائع الأربع» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني: مرجع سابق، المجلد الثالث، ص 126)، هذا وقد أكد اختراع زرياب لوتر العود الخامس أكثر من كاتب، ومن هؤلاء مدير المعهد المغربي الوطني للموسيقي : عبد العزيز بن عبد الجليل، الذي أثبت في كتاب »‬الموسيقا الأندلسية المغربية» ما نقله محمد الصغير الأفراني في كتاب »‬المسلك السهل علي شرح توشيح ابن سهل» عن بعض سابقيه، من أن زرياب : »‬اخترع وتراً خامساً أحمر وأضافه إلي الوتر الأوسط الدموي، ووضعه تحت المَثْلث وفوق المثني، فكمل في عوده قوي الطبائع الأربع، وأقام الخامس المزيد مقام النفس في الجسد» (عبد العزيز بن عبد الجليل : الموسيقا الأندلسية المغربية (فنون الأداء)، ص ص 232 – 233)، ونقل عبد العزيز بن عبد الجليل عن الباحث الموسيقي الشهير : البارون ديرلانجي تفسيره لابتكار زرياب في العود و الذي قال فيه : »‬إنه (الضمير عائد لزرياب) أراد بذلك إحلال هذه الآلة المكانة الرئيسية في الأوركسترا بعيداً عن أن يكون تحت تأثير اليونان، كما لم يكن عمله من جنس عمل الفارابي الذي حاول فيما بعد الاقتراب من اليونان في طريقة عزفهم» (المرجع السابق : ص 233)، واستطرد عبد العزيز بن عبد الجليل بعد ذلك إلي بلورة ابتكار زرياب في آلة العود و استنباط أسباب ذلك الابتكار، ففي مجال بلورة ذلك الابتكار... قال عبد العزيز الآتي : »‬وقد نسب إلي مدرسة زرياب أنها سّمت الوتر المضاف الزير الثاني، وجعلته أكثر الأوتار حدة»، واستنبط الباحث المغربي أسباب ابتكار زرياب للوتر الخامس في العود، فقال أن ذلك ينحصر في سببين، يتمثل أولهما في رغبة زرياب في تجاوز التقاليد الشرقية القديمة التي كانت تفترض وجود تناسب عددي بين الطبائع الأربع وأوتار العود، بينما يتبلور ثانيهما في حرص زرياب علي استيعاب طبقات صوتية أوسع مدي وأبعد في درجات الحدة، وذلك بغية تحقيق متطلبات فنية جديدة، واتساقاً مع ما ساقه معاصره الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي (توفي 251هـ) من نظريات في كتابه »‬رسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقي» (المرجع السابق -د. يوسف شوقي : رسالة الكندي في خبر صناعة التأليف )، ويختم عبد العزيز بن عبد الجليل حديثه عما أضافه زرياب لآلة العود بقوله »‬وقد أصبح العود منذ عهد زرياب (القرن الثالث للهجرة) يحتل المكانة المذكورة، بعدما كان دوره محصوراً في المصاحبة الباردة لأصوات المنشدين، ثم انتقل هذا التقليد إلي المغرب فيما بعد، وأصبح من تقاليد الأجواق الأندلسية حتي اليوم، أن يختص أغلب رؤسائها بحمل آلة العود» (عبد العزيز بن عبد الجليل : مرجع سابق، ص 235)، ولعلنا في مصر قد عاصرنا ذلك التقليد خلال العصر الذهبي الأخير للغناء المصري (فيما بين عشرينيات وسبعينيات القرن الماضي)، عندما كان المطرب والملحن الكبير : فريد الأطرش، يتصدر الفرقة الموسيقية في حفلاته المسرحية حاملا عوده الشهير.
قد لا يتبقي هنا في مجال الحديث عما أثري به زرياب الموسيقي العربية من آثار موسيقية سوي حديث المستشرقة الألمانية المعروفة : زيجريد هونكة عن ذلك، حيث قالت عن ذلك في كتابها »‬شمس العرب تسطع علي الغرب» ما يلي : »‬وبينما كان العازفون في الغرب يعزفون علي الهارب والسيتار والسنطور معتمدين علي السماع فقط، كان الطلبة في مدرسة زرياب يعزفون بإتقان علي العود والجيتار بالعفق علي الدساتين لتحديد درجة كل نغمة، ولهذا لقيت الموسيقي العربية في الشرق رواجاً كبيراً وخاصة العود منها، وقاد العرب الغرب إلي الموسيقي المتعددة الأصوات (الهارموني) بالعزف علي أكثر من وتر» (زيجريد هونكة : شمس العرب تسطع علي الغرب،ص493) !!، والعفق في حديث هونكة هو ضغط العازف علي الوتر بأصابعه وشده إليه، والدساتين جمع دستان... وهي العلامات التي تستعرض سواعد الآلات الوترية لتعيين أماكن النغم، إن ابتكارات زرياب في آلة العود لم تكن قصراً علي إضافة وتر خامس، حيث يذكر المقّري  في ترجمته الضافية لزرياب الآتي : »‬وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، معتاضاً به من مرهف الخشب، فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفته علي الأصابع وطول سلامة الوتر علي كثرة ملاز مته إياه» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، المجلد الثالث، ص ص126 – 127)، إن ما أضافه زرياب للموسيقي خلال إقامته بالأندلس أرسي مدرسة أثرت في الموسيقي في عصره وما جاء بعده من أعصر، وهو ما عبّر عنه المقّري كما يلي : »‬واستمر بالأندلس أن كل من افتتح الغناء، فيبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقرٍ كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأهزاج تبعاً لمراسم زرياب» (المرجع السابق : ص 128).
بالرغم من الأثر الكبير الذي مثلته آثار زرياب الموسيقية، فإن المرء يقف حائراً أمام ما أسبغه علي مجتمع الأندلس من آثار حضارية تعبر عن مكنون نفسه وعبقريته، حيث امتد تأثير زرياب من الموسيقي والغناء إلي نواح عدة من المجتمع، فمن الملابس وحلاقة الشعر وألوان الأطعمة يمتد تأثير زرياب وبصمته إلي آداب المجالسة والحديث، مما يثير العجب إزاء نبوغ الرجل وتشعب تأثيره في مجتمعه، وعن تأثير زرياب في صفوة المجتمع الأندلسي... قال المقّري  الآتي : »‬وكان زرياب قد جمع إلي خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب ولطف المعاشرة، وحوي من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يُجده أحد من أهل صناعته، حتي اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلي آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوماً به» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، المجلد الثالث، ص 127)، وأما تأثيره في جميع طبقات المجتمع الأندلسي... فقد تمثل في اتخاذ الجميع بالأندلس طريقة زرياب في تصفيف شعره !، وعن ذلك قال المقّري الآتي : »‬فمن ذلك أنه(أي زرياب) دخل إلي الأندلس وجميع من فيها من رجل أو امرأة يرسل جُمّته مفروقا وسط الجبين عاماً للصدغين والحاجبين ، فلما عاين ذوو التحصيل تحذيفه (أي قصة شعره) هو وولده ونساؤه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها إلي آذانهم، وإسدالها إلي أصداغهم – حسبما عليه اليوم الخدم الخصية والجواري – هوت إليه أفئدتهم، واستحسنوه» ( المرجع السابق).
النهاية
أوضحت المصادر التاريخية فيما سبق مكانة زرياب في مجتمع الأندلس علي عهد عبد الرحمن الأوسط، إلا أن تلك المصادر خلت أو كادت من شيئين هامين، أولهما تاريخ وفاته، وثانيهما نماذج وافية من أعماله، فبينما أفاض المقّري  في الترجمة الوافية التي أفردها لزرياب في كتاب »‬نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» في ذكر أولاده وتتبع أخبار البعض منهم، حيث ذكر المقّري  أن زرياب رزق بثمانية من البنين هم : عبد الرحمن وعبيد الله ويحيي وجعفر ومحمد وقاسم وأحمد وحسن، ومن الإناث ثنتان هما : علية وحمدونة، وقال المقّري  عنهم : »‬وكلهم غنّي ومارس الصناعة، واختلفت بهم الطبقة» (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، ص 178)، وأفاض المقّري  في تتبع أخبار البعض من ذرية زرياب  وفي بعض ما حفلت به حياة زرياب نفسه من مواقف وأحداث،إلا أنه أمسك ولسبب غير واضح عن ذكر تاريخ وفاة زرياب أو ما اتصل بها من أحداث، وقد استلفت ما أحاط بوفاة زرياب من غموض انتباه الباحث الموسيقي الكبير الدكتور محمود الحفني، مما جعله يرجح في ختام كتابه عن زرياب أن وفاته حدثت قرابة سنة 238 هـ (852م ) وفي نهاية حكم عبد الرحمن الأوسط، واستند الدكتور الحفني في ترجيحه لذلك التاريخ إلي عودة خصم زرياب : يحيي الغزال من منفاه بالعراق في أول عهد محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (د. محمود أحمد الحفني : مرجع سابق، ص 178)، غير أن ندرة ما حوته المصادر التاريخية من أعمال زرياب هو الأهم، حيث كادت تلك المصادر تخلو من نصوص لما لحن من غنائيات، اللهم إلا نصاً واحداً أثبته المقّري  في ثنايا ترجمته لزرياب في »‬نفح الطيب»، حيث قال المقّري عن ذلك ما يلي: »‬ولما غني زرياب بقول الشاعر ذو الرمة (أحمد بن محمد المقّري التلمساني : مرجع سابق، ص 133):
»‬ولو لم يَشُقْني الظاعنون لشاقني حمام تداعت في الديار وُقوعُ تداعين فاستبكين من كان ذا هوي نوائحُ ما تجري لهن دموع ُ
»‬لقد أغري اندثار معظم معالم ما أضافه زرياب إلي الموسيقي العربية، تحت وطأة ما تعرضت له الحواضر العربية والإسلامية من هجمات التتار والصليبيين وغلاة المتطرفين، أغري بعض المعاصرين من النقاد علي التشكيك في انجازاته الموسيقية، ومن هؤلاء المعاصرين – ولعله لن يكون آخرهم – الناقد الراحل كمال النجمي (1923-1998م)، الذي أفرد مقالة من مقالات الفصل الأول في كتابه الأخير »‬تراث الغناء العربي بين الموصلي وزرياب وأم كلثوم وعبد الوهاب» لتفنيد جميع ما حوته كتب التراث من أخبار زرياب وإنجازاته، فأنكر الأستاذ النجمي – رحمه الله – ما ورد في تلك الكتب عن إرغام إسحاق الموصلي لزرياب علي الخروج من بغداد إلي الأندلس، واستشهد بان بعض مصادر التاريخ الأندلسي لم تذكر شيئاً عن إضافة زرياب لوتر خامس في آلة العود، ليقول الأستاذ النجمي عن تلك المصادر ما يلي : »‬ولا تذكر أن عود زرياب كان يختلف عن عيدان بغداد»، وذلك بالرغم من أن بعض ما استشهد به النجمي من مصادر تاريخية ككتاب »‬العقد الفريد» لابن عبد ربه لا يعد بأي حال من المؤلفات الموسيقية التي شاعت في ذلك العصر، وخلص النجمي في نهاية مقالته إلي أن زرياب اختلق الكثير مما ذاع عنه في كتب التراث، ومن ذلك أسطورة حكايته مع إسحاق الموصلي التي يري النجمي أن : »‬هذه الأسطورة التي لا نستبعد أن يكون زرياب نفسه قد اخترعها بعد وصوله إلي الأندلس» (كمال النجمي : تراث الغناء العربي بين الموصلي وزرياب... وأم كلثوم وعبد الوهاب،ص ص 25 – 31)!!، إن تفنيد ما ساقه النجمي من آراء حول زرياب وإنجازاته، يضيق به المجال هنا، إلا أنه يمكن الاكتفاء هنا بما ساقه الباحث والعالم الموسيقي الدكتور محمود الحفني في كتاب »‬علم الآلات الموسيقية» عن فضل زرياب علي آلة العود، حيث قال الدكتور الحفني الآتي : »‬ وظل العود عند العرب ذا أربعة أوتار تسوي فيما بينها علي بعد الذي بالأربع (الرابعة التامة)، حتي زاد أبو الحسن علي بن نافع المشهور باسم (زرياب) الوتر الخامس عليه في أوائل القرن التاسع الميلادي ببلاد الأندلس، كما استخدم ريشة النسر في العزف وكانت قبلا من الخشب»، ويذكر الدكتور الحفني فيما يلي ما يؤكد علي إضافة وتر خامس للعود : »‬تركيبة الأوتار في العود عشرة في العادة أو اثنا عشر وتراً في مجاميع ثنائية» (د. محمود أحمد الحفني : علم الآلات الموسيقية، ص ص 73 – 77 )، إن حديث الدكتور الحفني السابق يعني  أن ما بأيدينا الآن من نسخ العود تتركب من خمسة أو ستة أوتار مزدوجة، وهو ما يقوم دليلاً علي صدق الروايات التاريخية بشأن اختراع زرياب للعود، والذي لم تقل به أية رواية قبل عصر زرياب، إن ما شاده زرياب للموسيقي والغناء العربيين من إنجازات و ابتكارات،سيبقي خالداً في ذاكرة التاريخ ما بقي علي وجه الأرض ناطق بالعربية.