رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

محمود عبد الوهاب: أنا كاتب كلاسيكي


حوار: أسامة فاروق
8/2/2018 3:58:06 PM

لا يميل محمود عبد الوهاب للتجريب ولا لألعاب الكتابة. مخلص للواقع والحكي الخالص منذ أول أعماله »سيرتها الأولي»‬. لذا فكتابته تبدو عادية، تقليدية، عفوية وبلا زخارف أو زوائد، لكنها رغم ذلك تبدو جميلة ولافتة، بل إن هذا بالتحديد سر جمالها!
كعجوز يعشق الحكايات، يردد بعضها كل حين، يكرر الأحداث وربما يضيف شيئا هنا وهناك، لكنه يعرف جيدا كيف يورطك فيها، فلا تمل حكايته أبدا أو تهملها، في النهاية لا تبدو الحكاية هي الغرض إنما فقط الاستماع إليه يحكي.
انطباع شخصي تماما، لكن يؤكده بطل روايته الأحدث »‬زيزينيا»؛ يسأل نفسه مع الصفحات الأخيرة: لماذا أسرد ما حدث؟ ما الذي أبتغيه من الحكي؟ ويجيب: هناك دافع أساسي هو أنني أريد أن أحكي، وربما فقط لأنه حدث مرة واحدة، بينما أريد له أن يثبت ولا يختفي، ولهذا أحكيه ليحدث مرة ثانية، أو ليثبت فلا ينسي، لأنه في تقديري، أن الأمر إذا حدث مرة واحدة فقط فكأنه لم يحدث قط، أما إذا حدث مرتين، مرة بأحداثه ومرة بروايته فلعله يثبت إلي الأبد.
يقول بول أوستر أيضا إن الذاكرة هي الحيز الذي يحدث فيه الشيء للمرة الثانية، ومن الذاكرة يشيد بطل »‬زيزينيا» مدينة بكاملها، ليستعيد زمنا أحبه، يعيد تشييد منزله القديم بحي زيزينيا، وعبر حياة عائلته نري إسكندرية السبعينيات والثمانينيات، بمبانيها الفاخرة وعزها القديم، ثم تحولاتها حتي الانهيار الكامل في الألفية الجديدة، يتوالي الفقدان.. يتساقط أفراد العائلة واحدا تلو الآخر ومعهم تتوالي الخسارات في المدينة نفسها، يتغير حالها، تظهر الأبراج القبيحة محل القصور والبيوت الأنيقة، تتغير العادات والمظاهر والناس أنفسهم، تولي المدينة ظهرها للبحر، ويتعود بطل الرواية علي الفقد والخسارة.
لذا فهو علي عكس بول أوستر وبعكس ما كان يؤمن به هو نفسه، يدون حكايته لا لتحدث مرة ثانية، بل لينساها أو علي الأقل ليتقبل خسارتها.

  12  سنة مرت منذ عملك الأول »‬سيرتها الأولي». أصدرت خلالها 5 أعمال أخري بين المجموعة والرواية. أحداث كبري مرت علي مصر والعالم. تغير وجه المنطقة ولا يزال.. ما الذي تغير في محمود عبد الوهاب؟
أعتقد أن هذا ينسحب بشكل رئيسي علي المجال السياسي، فقد تغيرت قناعاتنا السياسية من الاعتقاد الحالم بأن بإمكاننا أن نصنع التغيير إلي القبول بالأمر الواقع.
دعني أقول أيضا قبل أن يشتد الهجوم بأن مصر ليست هي القاهرة والإسكندرية وعواصم المحافظات، مصر بلد ممتد جغرافيا ليشمل أعراقا مختلفة بثقافات مغايرة تماما لما نعرفه نحن سكان العواصم، مصر ليست ميدان التحرير كما كنا نظن ونحلم، وقد تسببت السياسة منذ السبعينيات في انحراف التوجه الديني من الاعتدال إلي التشدد، ولذلك ففي الثورة وجدنا أن الطبقة الوسطي المدينية التي كانت علامة من علامات الثورة قد اختفت حتي خلال تلك الأحداث وإلي غير رجعة، وعدنا ثانية إلي المربع رقم واحد وما جد علينا شيء سوي إحلال أفراد محل آخرين بالإضافة إلي أن ثمة إرادة لمكافحة الفساد، مع بقاء حقيقة أن هذه الإرادة نفسها ليست مؤسسية، والمعني المقصود هو أننا لا نضمن بقاءها بعد رحيل الرئيس الحالي وتغير المحيطين.
لقد منينا جميعا نحن أبناء المدن بخيبة الأمل الواضحة وأدركنا أننا عدديا لا قيمة لنا علي الإطلاق خاصة أمام صناديق الانتخاب التي تفسح المجال للمتشددين ليقرروا مصير بلد مثل مصر، إذن عودة إلي سؤالك ما الذي تغير في محمود عبد الوهاب، تغير الأمل الحالم صاحب الألوان العديدة مثل قوس قزح إلي أمل مقيد محدود بلون واحد، لكننا علي الوجه الآخر قد أصبحنا أكثر وعيا، ليس بفضل من أحد، ولكن بفضل الأحداث الإقليمية الجارية.
أما علي المستوي الشخصي فلقد تقدم بي العمر كما يتقدم بالجميع، وخرجت من داخل نفسي مساحات لم تكن موجودة للكتابة، الأمر الذي أسعدني لأنه يعني أن البئر لم تنضب، وأتوق حقيقة إلي التحرر من عبء الوظيفة والذي سوف يحدث بعد عدة سنوات قليلة، لأعطي وقتا أكبر للقراءة والكتابة والعيش في سلام، ولكن يؤرقني كما يؤرق الجميع البحث عن لقمة العيش بعد التقاعد خاصة في هذه الحالة الاستثنائية التي نمر بها جميعا.
أخرجت كثيرا من نفسي في كتبي الست السابقة، ولاتزال هناك مناطق أتوق للخوض فيها، وأرجو أن يمتد بي العمر فقط إلي أن أكتب كل ما أريد، فلا أحب أن أموت وفي قلبي شيء لم أقله أو أكتبه.
قلت لي في حوار أجريته معك وقت إصدار روايتك الأولي، إنك تنظر لنفسك ككاتب هاو.. كيف تري نفسك الآن؟
منذ اثني عشر عاما كنت أنظر لنفسي ككاتب هاو، والآن أنا مازلت كاتبا هاويا، جاهدت كثيرا وتعثرت قليلا لكي أعرف كينونتي ونقاط قوتي في الكتابة، إلي أن وصلت بعد مرحلة معينة إلي القناعة بأن أقوي هذه النقاط تكمن في تمسكي بروح الهواية، فأنا لا أريد أن أكتب رواية أو مجموعة قصصية كل عام وإن كان هذا يحدث أحيانا، ولا أستطيع أن أحدد نظاما أكتب به، ولا ساعات معينة للكتابة كل يوم، مهما حاولت، وقد حاولت فعلا، ووجدت أن أسوأ كتاباتي تلك التي أكتبها بالإكراه، إكراه نفسي علي الاستمرار وإنجاز ما يسمونه بالمشروع، ولقد ذكرت في رواية سيرتها الأولي علي لسان البطل ما قاله بأن ليس له هدف في الحياة، وإن كان ضروريا فليكن الهدف أن يكون سعيدا، هكذا فقط كان البطل يعرف طريقه، في سعيه نحو ما يسعده، أو يسبب له الراحة، أو حتي اللذة.
هنا الهدف من كتابتي كما ذكرت لك منذ اثني عشر عاما في الحوار الذي تم بيننا هو أن أعزي نفسي وأرتاح، وباللغة العامية »‬الفضفضة» أنا إنسان تتعبني أمور الحياة من فقدان أحباب وعراقيل أمام كل إنسان، ولهذا أكتب دائما عن الفقد، ويبدو أن الأزمة أكبر من مجرد الفقد، لأن للمشكلة بعدا ميتافيزيقيا فلسفيا، فأي فقدان سببه الزمن، الذي لولاه ما حدث لنا أي ألم، وعلي الوجه الآخر لتوقفنا عن الحياة ذاتها مبعث السرور.
وأتذكر مقولة لكاتب غربي نسيت اسمه بأنه يكتب بقلب ساخن وعقل بارد، هذا هو المعني الذي أقصده بالضبط، هناك روائيون يخططون للكتابة، ويرسمون الشخصيات، ويستمرون في العمل بدأب، ويعرفون ما سوف يكتبون في اليوم التالي، هذا هو الجهد المنتظم، وهناك آخرون ينتظرون لحظة الانفعال، ولا يتحركون إلا بها، وإذا انتهت يتوقفون لينتظروها ثانية، كانوا يسمون هذا قديما لحظة الإلهام، وهي تسمية ليست دقيقة، أفضل تعبير »‬لحظة الانفعال».. فالموضوع أنا أعرفه، ولكني لا أستطيع أن أكتبه دون انفعال قلبي، وهذا الانفعال هو الذي يحميني من التقريرية، ويجعلني أبدأ بأي شيء تافه صغير، بتفصيلة لم تخطر علي بال، بأي شيء يبدو بلا معني، ولكنه بالضبط ما يوصل للمعجزة، وهو بالضبط ما سيجعل العمل فريدا ومتفردا، أعرف أن في هذا اعتمادا أكبر علي الموهبة دون الجهد، ولكني لست وحدي وأنا متأكد من هذا.  
بالمناسبة كيف رأيت اعتزال ناشر روايتك الأولي؟
قرار حسني سليمان الاعتزال هو قرار شخصي يتعلق بالظروف الخاصة في النهاية، ولا يمكن القول بأن هذا قرار صائب لظروف السوق الصعبة مثلا، وإلا كان معني هذا أن الآخرين علي خطأ، هو قرار خاص جدا وأنا أشعر بالحزن بشكل شخصي لأن حسني رجل فنان وليس مجرد ناشر وقد أفادني كثيرا في عملي الأول معه بالقراءة والنصائح إلي أن خرجت الرواية إلي النور في أجمل صورة، لكني أجد أيضا أن الأمر له علاقة بالشكل المؤسسي الذي بنيت عليه الدار، بما يسمح أو لا يسمح بالاستمرار بعد رحيل الشخص.       
قلت وقت إصدار عملك الأول أنك لا تؤمن بالتخييل وأن 80% من أحداث روايتك حقيقية.. هل لازلت تؤمن بالأفكار نفسها؟ وهل يمكن بالتالي اعتبار روايتك الأخيرة جزءاً من سيرتك الشخصية؟

أؤمن الآن بالتخييل ولكنه ليس أسلوبي مع ذلك، فأنا أظن أني كاتب كلاسيكي واقعي، قماشة الواقع لها مساحة كبيرة من كتاباتي، لكن مع ذلك فالجزء الباقي من العمل ليس هينا، لأن أولا هناك اجتزاء وانتقاء، وإلا ففي روايتي الأخيرة »‬زيزينيا» هل يمكن تصور أن مائتي صفحة يمكن أن تحتوي علي خمسين عاما من الحياة؟ بعد دور الاجتزاء في تلوين العمل تجيء الرؤية، فما هو مكتوب ويقرؤه القاريء ليس ما حدث، ولكن ما شعر الراوي أنه حدث، أو أنه ما حدث من وجهة نظر الراوي، ولو أننا تخيلنا صوتين في رواية ما يحكيان نفس الموضوع فسنجد الفروقات الواضحة في وجهات النظر وفي إخراج الموضوع. والرؤية هنا هي العامل الآخر من عوامل تلوين الواقع، وهناك أساليب أخري لكنها في ظني تندرج أو تنحصر ــ في الغالب ــ  تحت هذين العاملين.
وفي رواية »‬زيزينيا» هناك تخييل في مشاهد كاملة، إلا أنه لم يأخذ حيزا كبيرا من النص ككل، ومنبع التخييل مستمد أيضا من قماشة الواقع، فكأننا نشد قطعة القماش ونشكلها علي صورة معينة ولكن بما تسمح به طبيعتها التي نعرفها.
 متي بدأت كتابة »‬زيزينيا» ومتي قررت نشرها؟
بدأت كتابة »‬زيزينيا» في مارس 2011، أزكاها الزخم العاطفي الذي عشناه في صدورنا باندلاع ثورة يناير، والمدهش في الأمر هو الانتهاء من ثلثيها تقريبا في أربعة أشهر، حيث كانت هناك مجموعة قصصية جاهزة للدفع بها نحو المطبعة، فطبعتها لسذاجتي في مايو 2011 ظنا مني أن الثورة انتهت وقد حققنا أهدافنا، إلا أن الأحداث السياسية والاضطراب تواليا، فماتت المجموعة هذا أولا، وكان اسمها »‬علي قيد الحياة» ثم أثر الاضطراب السياسي تأثيرا عظيما في منع الاستمرار في كتابة الرواية، بل لقد أفرز هذا الاضطراب كتابة من نوع آخر، فصدرت المتوالية القصصية »‬أحلام الفترة الانتقالية» عن دار آفاق في 2013، تبعتها رواية عن نفس الدار عام 2014 بعنوان »‬العيش في مكان آخر» وبدا لي أن زيزينيا قد سكنت إلي الأبد. كنت في الحقيقة غير قادر علي الإكمال، إلي أن أخذت في العام الماضي قرارا حاسما، بالتخلص من كل المرتبك في النص وغير المعني بزيزينيا كمكان، وأسفر هذا القرار عن حذف ما يقرب من مائة وثلاثين صفحة كاملة، أصف محتواها بالرائع ولكن غير المتصل بزيزينيا بل بالإسكندرية علي وجه العموم، وهذه الكتابة باقية وهي نواة لعمل آخر لم يتحدد بعد.    
وهذا التخلص كان مفيدا للغاية، حيث أمكن لي مراجعة النص واستكمال الفصول والانتهاء من الرواية.
 »‬زيزينيا».. عنوان يحيل لإسكندرية أسامة أنور عكاشة. هل كان هذا مقصودا؟ نفس فكرة الحنين لكن لزمن آخر قريب نسبيا؟
غير مقصود علي الإطلاق التماهي مع نص آخر كمسلسل زيزينيا للكاتب الأشهر أسامة أنور عكاشة، كل ما في الأمر أن أحداث الرواية تقع في زيزينيا، وبعد المفاضلة بين العناوين وجدنا أن المكان له روح ثقيلة في النص، فالفيلا هي المحرك الرئيسي الثابت في الأحداث، وإذن لم نجد أفضل من هذا العنوان »‬زيزينيا» ليكون جامعا مانعا ويحتوي علي كل شيء بدون الحاجة إلي عنوان فرعي كان سيجزئ الأمر بطبيعة الحال.
 في تقديمه لروايتك »‬العيش في مكان آخر» قال الكاتب والروائي محمود الورداني إنك لا تهتم بمغامرات الكتابة قدر اهتمامك بمغامرات الروح. ربما تؤكد »‬زيزينيا» الفكرة نفسها.. كيف رأيت المسألة علي أي حال؟
هذا توصيف دقيق للغاية، أعززه بعنوان قديم لمقال آخر عن روايتي سيرتها الأولي، حيث صدر العنوان هكذا »‬رواية لا تعتمد علي الألعاب الشكلية»، وهنا تكاد تتطابق الجملة السابقة والمعني الذي قصده محمود الورداني في عبارته مغامرات الكتابة، وهذا أمر يسعدني للغاية، لأن كتابتي هي كتابة انفعالية وليست عقلية، أي أنني أبدأ مشحونا بانفعال ما، حيث يكون العقل مجرد أداة لإحكام السياق والوعي بالمسار، ولذلك فلدي ما يكفي من المتعة لأبدأ الكتابة ولا أجد متعة علي الإطلاق فيما يسمونه بتعدد الأصوات أو بتجربة أية ألعاب أخري، الحكي النابع من الانفعال عندي هو الأساس وبدونه لن أكتب إلا أسوأ الأشياء، هذا كل ما أحتاجه في الكتابة كهبة لا دخل لي بها، والباقي أنا متكفل به، ويغلب علي الظن بأني كاتب تقليدي أو كلاسيكي جدا والحكاية عندي هي أهم مرتكزات الحكي وهذه الجملة قالها محمود الورداني أيضا.
مرة سألني الورداني سؤال الأستاذ للتلميذ: ماذا بعد أن تفرغ من الحكايات؟ قلت له ببساطة إني عندما أفرغ من الحكايات سيكون قد مر زمن تكونت لدي فيه حكايات أخري.
  الاقتباسات التي طعمت بها »‬زيزينيا» من »‬أحلام الفترة الانتقالية» في رأيي لم تضف للنص، ربما فقط تؤيد فكرة كتابتك عن نفس العالم الذي دارت فيه بعض أعمالك السابقة.. لماذا قررت إضافتها؟
سؤالك وجيه، بالطبع لم أقصد أن أؤكد كتابتي عن نفس العالم الذي دارت فيه بعض أعمالي السابقة، لكن الأمر جاء هكذا: الشغف الذي كتبت به المشاهد والفصول في زيزينيا اتخذت شكلا واقعيا جدا، كأنها سيرة ذاتية، وقد تعمدت الإيغال في هذا كجزء من لعبة »‬الإيهام بالواقع» التي أحبها جدا، ثم بعد أن انتهيت تماما إذ بي أحتاج جزءا شعريا يخفف من غلواء الواقع وسيطرته علي مناح كثيرة في النص، احتجت إلي بعض المسام لأتنفس فزججت بهذه القصص القصيرة التي كتبتها من قبل في كتابي »‬أحلام الفترة الانتقالية» كي أباعد ما بين الحكي وبعضه، ولم أغفل أن أضع هذه النصوص في أماكنها بالضبط لأنها تتحدث عن نفس المكان ونفس الأبطال ولكن بشيء من الحلم والتمني، وهي تجربة علي أي حال ربما لم تعجب البعض ولكنها بالتأكيد تعجب البعض الآخر.
 يمكن القول إن الرواية تعتمد علي ثلاثة تواريخ: تاريخ بعيد في الستينيات والسبعينيات، ثم تاريخ آخر قريب يرصد تحولات المدينة بعد ثورة يناير 2011، ثم أخيرا التاريخ الشخصي يربط هذا كله ببعضه.. كيف تنظر لفكرة توظيف التاريخ في العمل الروائي، وكيف تري التاريخ بشكل عام؟
توظيف التاريخ في العمل الروائي بالطريقة التي أكتب بها معناه أن يكون هامشيا، وأن تجيء التغيرات الاجتماعية والسياسية بشكل غير مباشر عن طريق إدماجها في الحياة الشخصية والعائلية للأبطال، هكذا أحب الفن متواريا في أسلوب طرحه، محملا الأفكار علي الأحوال، وليس فاصلا للأفكار عنها، بحيث تقترب الكتابة من التحقيق الصحفي، ولا أقصد أن الأنواع الأخري من الكتابة أقل موهبة، لأن من يكتب بها أساتذة كبار، ولكني فقط أقول إن هذا أسلوبي.
ودعني أذكرك بالقصة الشهيرة التي تتحدث عن ويلات الحرب وما بعدها في أوروبا وكل ما جاءت به هو الزوج والزوجة نائمين جائعين والثلاجة ليس بها إلا النذر اليسير والزوج يكاد يميته الجوع فيتسلل ليسرق لقمة إضافية خلال نوم زوجته، هكذا إذن هي تتحدث عن الحرب رغم أنها في الظاهر لم تذكر كلمة عنها، والأمثلة أكبر من أن تحصي وخاصة في الأدب الروسي.
أما بشكل عام فالتاريخ منذ أن بدأ التدوين معظمه مزيف أو منحاز علي أحسن الفروض، فهو كما يعرف الجميع يكتبه المنتصرون هذا أولا، وإذا أضفنا قلة وسائل المعرفة قديما قبل الانفجار الحالي فلنا أن نعرف كيف أن المنتصر محتكر أيضا، ولن تتوافر أبدا سبل التدقيق والغربلة كما سيحدث في المستقبل بالنسبة لتاريخ الحاضر الذي يحتوي علي التدوين اليومي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الالكتروني والبرامج والتطبيقات المختلفة.
  أخيرا كيف تري الجوائز الأدبية؟
يمكن فرضيا تحسين المناخ العام لهذه الجوائز من خلال تطبيق مبادئ الحوكمة فيما يتعلق بمعايير اختيار المحكمين، هل مارسوا العمل الأدبي فنا أو نقدا أم أن الأمر له شروط أخري عامة وماهي؟ يجب أن يعلن ذلك. وكذلك طريقة عملهم، فهل يقرأ كل المحكمين كل الأعمال أم توزع عليهم ثم يخرج كل منهم بترشيحاته التي تتوافق وذائقته؟ أيضا ماهي معايير الحكم علي الأعمال فهل تتبع مدارس نقدية معينة أم هي الذائقة؟ باختصار يجب أن يكون شيئا واضحا وضوح الشمس في يوليو، بهذا فقط يمكن تطوير الأداء والالتفات إلي العيوب والتخلص منها، وبعد ذلك امنح الجوائز لمن تشاء وسيحاسبك الناس قبل أن يحكم عليك المشاركون، أما ما يحدث حاليا فهو استمرار لمسلسل التعتيم الذي لا يؤدي إلا إلي إثارة المزيد من الريبة والشكوي الدائمة كل عام ممن لم يفز والاتهام بالفساد والمحاباة الأمر الذي قد لا يكون صحيحا في كثير من الأحيان، لكن هناك أحيانا جوائز لا تسمع عنها إلا عند الإعلان عن الفائز!