رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

يوسف شاهين.. الحدوتة لم تنته بعد


إسراء النمر
8/2/2018 4:10:57 PM

حسناً، دعونا نبدأ من شيء تم تداوله مؤخراً علي الفيسبوك، لأن الكتابة عن يوسف شاهين مثل الكتابة عن الحياة؛ صعبة، ومُحيرة. أنت أمام شخص أسطوري. شخص لن يتكرر ثانية. شخص يُشبه الصحراء في اتساعها، ويُشبه الأفق في لا نهائيته. شخص قرر أن يظل موجوداً. أن يظل يرقص، ويغني، ويصوّر. هذا الشيء هو فيديو يتحدث فيه جو، ليسمح لي أن أقول له جو، عن الحضارة، حيث كان يحدثه شخص أيرلندي، أظن أنه صحفي، عن إحساسه لكونه من العالم الثالث. وبطريقته المعهودة، زعق فيه جو بلطف، وبخفة، وبجدية، في آن، قائلاً والسيجارة تتدلي من فمه: يا إلهي.. لقد كُنا هنا منذ سبعة آلاف سنة.. أنت الذي من العالم الثالث!
هو ليس كالذين لا يفعلون شيئاً سوي التغني بالماضي، هو  يعي ويدرك قيمة بلاده، وتاريخها، وربما لأجل ذلك لم يفكر يوماً في الهجرة، رغم أنه درس التمثيل وفنون المسرح والدراما في أمريكا وهو في بدايات شبابه. إنه يؤمن بالسفر، برؤية عوالم جديدة، وبشر مختلفين. يؤمن بالانفتاح علي الآخر. يؤمن بالذهاب، لكنه في نفس الوقت يؤمن بالعودة. فعلي الرغم من المقولة التي يرددها البعض: سافر فأنت لست شجرة، إلا الإنسان مثل الشجرة فعلاً، يظل جذره ممتداً في الأرض الذي نبت فيها. وهذه كانت قناعته التي ظهرت جلياً في غالبية أفلامه، فأبطاله أو شخصياته إما يتطلعون للسفر، أو يحلمون برؤية البحر. مثل عمر الشريف في (صراع في الميناء) الذي كان يتهيأ دائماً للسفر، ومثل عزت العلايلي في (الاختيار) الذي لعب دور البحار. السفر بالنسبة له طريقة لمعرفة الذات، إذ يري أنه وسط الغرباء فقط يستطيع المرء أن يعرف نفسه، ويفهمها جيداً.
وكان يطلق علي هذه الشخصيات اسم الشخصية البحرية، وكان يعرفها بأنها الشخصية التي تكتسب من البحر صفاته، وطباعه، فهي شخصية منفتحة، متقلبة، هادئة أحياناً، ثائرة كثيراً، وعاصفة إذا تطلب الأمر، وهذه كانت شخصيته، فهو ابن البحر، ابن إسكندرية، التي ولد فيها عام 1926 - لعائلة كاثوليكية لبنانية- والتي كانت حينها مدينة كوزموبوليتانية، أو مجتمعاً للخواجات، كما كان يُطلق عليها، ويبدو أن جو تأثر بها دون أن يشعر، للحد الذي جعل وجهه مع مرور الوقت يكتسب ملامح أجنبية، وجعل فنه كوزموبوليتانياً، إذ كان يأخذ من هنا (الثقافة المصرية) وهناك (السينما الغربية)، حيث اهتم بالرقص والموسيقي والغناء، وعرف كيف يوظفهم جيداً داخل السياق الدرامي للفيلم، كما اهتم بالصورة، أو الكادر السينمائي، الذي كان يسيطر فيه علي حركة الممثلين بداخله، فينتج لوحة فنية بامتياز.
ولعل هذا ما جعل شركة انتاج (مبارزيم) تستعين به وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ليخرج فيلمه الأول (بابا أمين) عام 1950، بطولة فاتن حمامة وكمال الشناوي، كنوع من التجديد في دماء السينما المصرية، إذ قالت الشركة في تقديمها للفيلم: “حاولنا في إنتاجنا لهذا الفيلم أن تكون في القصة طرافة (..) وعهدنا بها إلي مخرج شاب درس الفن في مدينة هوليوود وقد التقت أهدافه بأهدافنا في أن نسمو بالفيلم المصري، وإنا لواثقون بأنه سيدعم ثقة المؤمنين بالفيلم المصري وسيكون للمتشائمين نقطة التحول نحو الإيمان بأن السينما المصرية تستطيع أن تقف في معرض الإنتاج العالمي قوية ثابتة رأسها في السماء»1. ربما كان الإيمان الشديد به دافعاً لأن يظل حريصاً كل الحرص علي أن تكون أفلامه مغايرة، أفلاماً لا يكون هدفها تسلية الجمهور، بل أن تجعل المتفرج يخرج من صالة العرض وفي ذهنه تساؤل عما يريد أن يقوله هذا الرجل (المخرج).
جو نفسه كان يحاول أن يفسر أحياناً بعد أن ينتهي من الفيلم، ما يريد قوله، أو ما يقصده، ولأنني لا أريد أن أخرج بهذه السرعة من الحديث عن الإسكندرية، كان لجو مشهد افتتاحي ظهر فيه في فيلم (إسكندرية كمان وكمان) وهو ينظر فيه من شرفة إلي البحر، وحين سُئل عن سبب هذه النظرة، قال: »‬احتاج لمشاهدة الفيلم مرة أخري لأحلل معني نظرتي. لقد تركت نفسي علي حريتها»‬. لقد كانت إذن نظرة عفوية، تُعبر عن إحساسه تجاه المدينة التي ظلت تثير إعجابه، وحزنه، في آن، فهناك أدرك معني الحياة، ومعني أن تعيد المُدن بناء نفسها. كما أن هناك تربي، ونشأ، وتعلم العوم، وكاد أن يغرق لمرات عديدة. هناك أيضاً تشاجر، وتمزقت ملابسه، وعمل في الميناء، خلال الحرب العالمية الثانية، وحصل علي أول أجر في حياته.
كانت الإسكندرية إذن مؤثرة فيه، كإنسان، وكمخرج، ليس لكونها مدينته، ولكن لكونها نموذجا مُصغراً لبلده، ولكل البلاد العربية. جو لم يكن متفائلاً في السنوات الأخيرة من عمره بما نمر به من فقر وبطالة وقهر، إذ كان يري الخطر قادماً،وربما عبر عنه في أخر أفلامه (هي فوضي)، والذي تناول فيه التعذيب في السجون، وبطش رجال الأمن، وثورة الناس في النهاية، واقتحامهم للأقسام، كما لو أنه كان يتنبأ بما سنتعرض له في عام 2011، وما بعده. جو كان يؤمن بالتعددية في الأفكار والأحلام والنظم، وكان ضد الأبوية بكل أشكالها. كما كان يُقدس الإبداع لأقصي حد. ومرة قال: »‬هناك فئة ترفض التنوير وترفض مخاطبة العقول، وتريد من المبدعين أن يكمموا أفواههم، ويريدون من أمثالي تقديم الأعمال الهابطة».
نعود إلي الفيديو الذي تحدثنا عنه في البداية، كان يوسف شاهين يري أن العالم لا يجب أن يُقسم هكذا، وأن علينا فهم ما تعنيه الحضارة. الحضارة هي أن تعرف كيف تتواصل مع الآخرين. تعرف كيف تحب. كيف تهتم. يضيف: »‬في مصر، إذا ذهبت إلي رجل فقير، لا يملك شيئاً، سوف يأخذ من جاره قطعة خبز ليعطيها لك، أما في أوروبا ربما يُغمي عليك كجثة في الشارع، وتجد الناس يسيرون إلي جوارك، كأنهم لا يرون شيئاً». هكذا كانت ثقافته، وفكره. هكذا كان ينحاز للمهمشين والضعفاء والذين ينشدون الحرية. هكذا كان يري العالم والفن والحضارة من وجهة نظر يسارية. جو حدوتة حقيقية، وعلي الرغم من مرور عشر سنوات علي رحيله، إلا أن الحدوتة لم تنته بعد، ولن تنتهي أبداً.