رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

د. خالد أبو الليل الفائز بجائزة الدولة التشجيعية:مشغول بدراسة تأثير التكنولوجيا علي الأدب الشعبي


حوار : أحمد سراج
9/1/2018 11:36:38 AM

تبرهن كلية الآداب بجامعة القاهرة أنها قادرة علي رعاية مختلف الأجناس والأنواع والأفكار والنظريات الأدبية دون انتصار للسائد، وإقصاء للمهمش، بل تبرهن علي أنها نسيجٌ وحدها في حماية هذا المهمش ظلمًا أو خطأ أو إهمالاً حتي يأخذ مكانه ومداره، وأحد مجالي هذه القدرة هو الأدب الشعبي فمنذ عبدالحميد يونس وعبدالعزيز الأهواني، ومرورًا بأحمد مرسي وأحمد شمس الدين، ووصولاً إلي خالد أبو الليل يحصل هذا الأدب علي حقه في الوجود، والتوثيق والتطور.
مما يميز مشروع أبوالليل – وهو في أوجه – جمعه بين الرؤية النقدية وبين الجمع والتوثيق، ليس هذا فحسب، بل نحن أمام تطور لافت أعني دراسة الأدب الشعبي من خلال الدراسات البينية؛ فكتاب التاريخ الشعبي لمصر في العصر الناصري، ليس أدبًا شعبيا فقط وإنما هو تاريخ بامتياز، ودراسات أبوالليل للمراة أو لليهودي تحليل اجتماعي.
هذا الحوار لا يهدف إلي تقديم مشروع أبوالليل، بل هو دعوة للجهات المسئولة، الأهلية والحكومية إلي تحويل هذا المشروع بمختلف محاوره إلي مشروع مؤسسي، فنحن بحاجة إلي تاريخ شعبي كامل لمصر ولمحافظاتها، وإلي معرفة بأدوار المرأة في المجتمع المصري شعبيا، وما أثق به هو امتلاك هذا البلد كفاءات كثيرة في هذا المجال، وكل ما تحتاج إليه هو: مشروع مؤسسي لدراسة الأدب الشعبي بمفهومه الواسع.

لك رؤية خاصة تحكمك في تعاملك مع الأدب الشعبي.. وهي أن دراسته لا تعني دراسة نصوصه فقط.. فما ملامح هذه الرؤية؟
هذا حقيقي، فدراسة الأدب الشعبي لابد أن تنطلق من دراسة النصوص الشعبية بوصفها إبداعا يستحق الدراسة والتحليل والنقد، فهي تقدم مفهوما أوسع للأدب يتجاوز المفهوم الضيق له، الذي ينحصر في الأدب الفردي أو الرسمي، وإنما مفهوم الأدب الذي أدعو إليه هو متسع يشمل الأدب الفردي والأدب العامي والأدب الشعبي. وينبغي أن نتجاوز النصوص، فليس معني انطلاقنا منها، أن تكون هي منتهانا، فهي مبتدانا، الذي يفتح لنا آفاقا رحبة من الدراسات الاجتماعية والنفسية والتاريخية والدراسات البينية.
كيف يمكن ربط الأدب الشعبي بحقل الدراسات البينية؟
النقلة المهمة للأدب الشعبي تتمثل في فتح أفق دراسته في ضوء الدراسات البينية المتصلة به، وفتح سبل الإفادة من هذه العلوم المتعددة في خدمة مجال الأدب الشعبي، وكذلك الإفادة من الأدب الشعبي في دراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية ذات الصلة به. وهو ما أسعي إليه في عدد من دراساتي، مثل دراساتي عن المرأة في الأدب الشعبي كما في »المرأة والحدوتة»‬، أو »‬المرأة المصرية والإبداع الشعبي»، التي أفاد فيها الأدب الشعبي من دراسات المرأة »‬النسوية»، والدراسات الاجتماعية، وكذا دراستي عن »‬صورة اليهودي في الأدب الشعبي العربي»، التي تربط الدراسات الشعبية وبالتاريخية وبالاجتماعية بالدراسات العبرية. وأخيرا كتابي »‬التاريخ الشعبي لمصر في فترة الحكم الناصري: رؤية جديدة من وجهة نظر المهمشين».
تعكف الآن علي إنهاء كتاب يناقش علاقة النخبة بالعامة وبأدبهم.. فما فكرة هذا الكتاب؟
فكرة الكتاب هي استكمال لجهود الراحلة الدكتورة ألفت الروبي عندما تناولت القضية نفسها في كتابها المهم »‬الموقف من القص في تراثنا النقدي، الصادر عام 1990، وكذلك لجهود نظرية أو إشارات عند الدكتور سيد البحراوي و الدكتور سامي سليمان، من هنا جاءت فكرة كتابي المقبل عن تناول هذه العلاقة ولكن في عصرنا الحديث، من خلال إعادة قراءة جهود ومشروعات جيل رواد النهضة في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ بهدف التعرف علي موقفهم الفكري من العامة؛ ومن ثم من أدب العامة. وإلي أي حد كان العامة يمثلون جزءا من المشروعات النهضوية لهؤلاء الرواد.
 ما دافعك لتأليف هذا الكتاب؟
في الحقيقة انشغالي بموضوع معين هو الذي يحدد اهتمامي باستكمال هذا الموضوع. فهناك من الموضوعات ما يبدأ وينتهي ببحث أو دراسة مطولة، لا تكون في حاجة إلي كتاب كامل. وهناك موضوعات تكون في الأساس فكرة بحث، ولكن بعد الانتهاء منها أدرك أهمية هذه الفكرة، وأن هذه الفكرة لم ينته الحديث فيها، بل في حاجة إلي استكمالها في دراسات أخري. وفي الحقيقة معظم كتبي جاءت علي هذا النحو، فليست هناك نية لكتابة كتاب، وإنما هناك فكرة تستحق- من وجهة نظري- التوقف عندها والبحث فيها، فلما نشرتها في بحث، ووجدتها تلقي رد فعل طيب، وأن لهذه الفكرة وجودا في فترات تالية، أو في كتابات أخري، فهذا يستحثني علي مواصلة البحث فيها، رأسيا أو أفقيا.
أثار بحثك في علاقة النخبة بالعامة مجموعة من القضايا منها، اكتشاف سبب لعدم استمرار مشروعات رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده التنويرية؟
هذا البحث وكان عنوانه: »‬الموقف من القص الشعبي في القرن التاسع عشر»، كان بحثا ألقيته في الأساس في مؤتمر قسم اللغة العربية بآداب القاهرة عام 2009، ثم نشرته في دراسة مطولة بمجلة كلية الآداب عام 2011. والعجيب والغريب أنني واجهت انتقادات كبيرة وعنيفة وقت إلقاء هذا البحث في المؤتمر؛ نظرا لآراء ظنها البعض جريئة أو متجرئة علي قامات من رواد نهضتنا، خاصة حديثي عن الشيخ محمد عبده. علما بأن حديثي عنه أو عن رفاعة الطهطاوي أو علي مبارك وغيرهم ينطلق من الاحترام والتقدير لهم شخصيا، ولجهودهم العلمية والفكرية التي لاتزال تمثل لنا قيمة ننطلق منها. ولا أنسي دوما وأنا أعيد قراءة هذه الجهود ربطها بسياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي، كل في مرحلته التاريخية. غير أنني لست ملزما بأن أكرر نفس الأفكار، أو ألزم نفسي بتبني هذه الأفكار. صحيح أنني دوما ألزم نفسي بضرورة الانطلاق من هذه الأفكار، ولكن لست ملزما بتبنيها أو التغني بها، أو الانتهاء إلي تمجيدها. دائما أنا منشغل بالإجابة عن سؤال النهضة، لماذا لم تكتمل مشروعاتنا النهضوية الرائدة؟ ودائما تكون الإجابة من داخل كتابات هؤلاء الرواد، فأصدق شيء ما يكتبه الشخص، لا ما يكتب عنه.
حصل كتابك التاريخ الشعبي علي جائزة الدولة التشجيعية، فمن أين جاءتك فكرته؟
هذا الكتاب تطبيق حي لما سبق أن ذكرته فيما يتعلق بنبت فكرة بحث، ثم أجد إلحاحا داخليا او خارجيا من أصدقاء أو قراء بضرورة استكمال البحث في مواصلة هذه الفكرة. جاءت فكرة الكتاب عام 2004، عندما قدمت بحثا عن »‬الأدب الشفاهي والتاريخ: إلي أي حد يمكن الاعتماد علي المأثورات الشفاهية مصدرا تاريخيا»، ضمن مؤتمر »‬الأدب والتاريخ»، الذي عقد بالتعاون بين المركز الثقافي الفني بالقاهرة وجامعة القاهرة. وكان ضمن هذا البحث المقدم مني مبحث صغير عن جمال عبد الناصر بين الذاكرة الشعبية والتاريخ. ولقي البحث اهتماما وتشجيعا لم أكن أتوقعه؛ خاصة أنني كنت في بدايات حياتي العلمية، كنت وقتها مدرسا مساعدا بآداب القاهرة. فلما وجدت رد الفعل الكبير عقدت العزم علي أن أستكمل هذا العمل مستقبلا ليصبح كتابا. وظلت الفكرة بداخلي حتي أواخر عام 2009، عندما سمحت الظروف بأن أعود إلي هذه الفكرة ثانية لأستكمل البحث فيها، رابطا بين التاريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة والفولكلور في كتاب واحد. والحمد لله خرج الكتاب إلي النور عام 2015 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.ولا أخفيك قولا أن هذا الكتاب كنت أخشي من ردة الفعل التي سيقابل بها؛ نظرا لجدية الموضوع، وهو موضوع متشابك بين التاريخ والفولكلور. ولكم أسعدني هذا الاستقبال الحافل والحفاوة الكبيرة التي قوبل بها الكتاب. فلن أنسي الأستاذ سيد محمود، الذي كان رئيسا لتحرير جريدة القاهرة آنذاك، عندما خصص صفحة كاملة للكتاب في أحد أعداده، ثم أتلقي اتصالا مهما من مفكر كبير هو الأستاذ السيد يس رحمه الله، الذي أتحفني بكلمات ثناء أسعدتني كثيرا، وأكمل دينه معي بمقال رائع قدم بها الكتاب في الأهرام، ثم تتابعت الكتابات عنه، منها ما ساهمت أنت فيه كتابة أو بتنظيم ندوات؛ اقتناع منك بالفكرة والتجربة. ثم تزداد سعادتي عندما يقوم بعض أساتذة التاريخ بإقرار هذا الكتاب علي طلاب الدراسات العليا، وهو ما يعد بالنسبة لي نجاحا أعتز به، وأقدره وأثمنه؛ لأن خوفي الكبير كان من رد فعل أساتذة التاريخ المتخصصين، كيف سيقابلون هذا الكتاب؟
لكن مفهوم الشعبية وبالتالي تطبيقاتها يختلف لديك عنه لدي هوارد زن.. فهل أدي هذا إلي اختلاف كبير؟
مفهوم الشعبية ليس ثابتا، فهو متغير من فترة إلي أخري، وكذا متغير من باحث إلي آخر. والباحث الأمريكي الذي أدين له بفكرة كتابي، له كتاب مهم »‬التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية» وهو يقع في جزأين، وعلي نحو ما أشرت في الكتاب، فأنا أدين بفكرة كتابي إليه. غير أن مفهوم الشعبية عنده أكثر اتسعا من المفهوم الذي أستخدمه للشعبية في كتابي. فالشعبية عنده تقترب مما نطلق عليه الجماهيرية، أي كل ما له صلة بالناس، مسموعا كان أو مقروءا أو مرئيا. لذلك نجده يعتبر الصحف مصدرا شعبيا ، وفي الحقيقة هي ليست كذلك. أما مفهوم الشعبية الذي اعتمدته فهو أن يكون مصدري هو الناس العاديين أو البسطاء ممن يعايشون الحدث الذي أكتب عنه، وربما قد أعتمد علي بعض الكتابات المجهولة التي كان لها صدي في توجيه الرأي العام.
ورد في التاريخ الشعبي أن أصحاب الشهادات التي تم جمعها.. أرادوا أن يغيروا فيها بعد قيام ثورة يناير.. فما مؤشرات ذلك؟ وكيف يمكن الاطمئنان إلي شهاداتهم في الحالين؟
هذا حدث بالفعل مع مجموعة قليلة من أصحاب بعض الشهادات، ممن كانوا يشعرون بالخوف والقلق ممن أجري معهم الحوار؛ ظنا منه أن يمثل جهات أمنية رقيبة عليه، لذا جاء حديثهم في البداية محوطا بالحذر والخوف والقلق؛ وكان هذا أمرا طبيعيا خاصة مع زيادة القبضة الأمنية فيما قبل عام 2011. ولكن مع قيام الثورة تجرأ الناس، ووجدنا بعضهم يعاود الاتصال مبديا رغبته بإعادة التسجيل معه ليقول ما كان يتمني أن يقوله في المرة الأولي. وهذا الحذر بسبب القبضة الأمنية آنذاك مثل لنا مشكلة حاولنا كثيرا تفاديها أو التخلص منها بحيل شتي، نجحنا- كفريق عمل- في تجاوزها احيانا، وفشلنا في أحايين أخري. وبهذه المناسبة أود أن أكرر شكري لفريق العمل الكبير الذي عملت معه في إعداد المادة الميدانية لهذا الكتاب، التي اتسعت جغرافيا لمعظم محافظات مصر، خاصة تلك المحافظات التي كانت مركزا للأحداث الرئيسية في فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. كما أشكر الراحل الكبير الدكتور فيصل يونس علي مساعداته لنا ولفريق العمل.
عارض البعض قيام غير المؤرخين بكتابة التاريخ.. فيما دعم »‬المؤرخ الحافي» كثيرون فإلي أي الاتجاهين تميل؟
في الحقيقة الجهد الذي قمت به في هذا الكتاب كان أحري بالقيام به أقسام التاريخ، ولكن هذا يرتبط بضرورة إعادة النظر في أمرين، أولهما: ما المصادر التي يعتمدها المؤرخ؟؟ هل هي مصادر وثائقية فقط إلي جانب بعض المصادر المدونة؟ أم يتسع المفهوم ليشمل المصادر الشفاهية كشهادات شهود العيان والمصادر المتنوعة مثل المأثورات الشعبية؟ الأمر الثاني: هل آن الأوان ليحظي التاريخ الشفاهي بما يستحق من تقدير مناسب في اقسام التاريخ المصرية؟ أو ليحظي بمكانة تقترب به من مكانته عالميا؟ من وجهة نظري لابد من إعادة النظر في مفهوم علم التاريخ، وفي عدة المؤرخ وأدواته؛ لذلك عندما ذهبت إلي هذا المجال البحثي البيني ذهبت إليه لما وجدت تقصير بعض المؤرخين تجاه هذا العلم الجديد، الذي في الحقيقة لم يعد جديدا، وعليك أن تراجع الكم الكبير من الكتابات التي عن التاريخ الشفاهي والشعبي التي قام المركز القومي بترجمتها في الفترة الأخيرة.
»‬كذب المؤرخون ولو صدقوا» هل طافت بذهنك هذه العبارة وأنت تجد الفرق بين كتابات المؤرخين عن أحداث كبري وبين رؤية أفراد الشعب الذين عاصروها واشتركوا فيها؟
أنا لم أنشغل بكتابة تاريخ حقيقي لهذه الفترة، بقدر ما حاولت أن أقدم تاريخا موازيا من هؤلاء الناس العاديين المنسيين، بالرغم مما قدموه من تضحية ومشاركة في صنع أحداث هذه الفترة. ولذلك حاولت أن أقدم وجهة نظر شعبية لهؤلاء الناس، قد تتسم أحيانا بالسذاجة، وقد تلتقي كثيرا مع الكتابات التاريخية الرسمية، وقد تتسم بقدر من الخيال، ولكن كل هذا اعتبرته مجال دراسة حقيقي ثري، يمكن البناء عليه في المستقبل؛ خاصة أنني دائما لا أبحث عما كان، ولكنني أبث عن تجليات الماضي في الحاضر المعيش، كما أبحث بين عبارات هؤلاء الناس عن التاريخ المأمول، الذي يأملون أن يعيشونه. فهؤلاء الناس كثيرا ما يتخذون من الماضي محاولة لرسم خريطة مستقبل تاريخهم.
هل قادتك دراستك للمرأة في الأدب الشعبي إلي مناطق تراها جديدة؟
دراساتي عن المرأة أعتبرها إضاءة أضاءت جزءا كان يراه البعض مظلما؛ ذلك عندما ترسخت صورة سيئة للأدب الشعبي في موقفه من المرأة. فجاءت دراساتي لتضيء هذا الجانب المظلم، وترد علميا بان الحقيقة غير ذلك، وأن الأدب الشعبي تعامل مع المرأة بوصفها نموذجا إنسانيا، مثلها مثل الرجل، يشيد بالنموذج الجيد منهما، وينتقد السلبي منهما. كما أنها ارتأت أن ما يلقي به البعض من تهم علي الأدب الشعبي- أحيانا- هي في الحقيقة ينبغي أن توجه إلي المجتمع، فالأدب الشعبي لسان حال المجتمع؛ بل هو يعبر عن هذا المجتمع بعيوبه وإيجابياته.
ما الذي قادك إلي دراسة اليهودي في السيرة الهلالية؟ وما أهم ملامح رؤية الجماعة الشعبية له؟
قادني إلي ذلك محاولتي التعرف علي الصورة الحقيقية لليهودي في الأدب الشعبي، وهل هي سلبية طوال تاريخها؟ أم هذه الصورة لم تكن كذلك ولكنها تغيرت بفعل العوامل السياسية التي مرت بها المنطقة؟ وانتهيت فعلا إلي أن اليهودي كان متعايشا في المجتمع العربي علي نحو فاق ما ناله اليهودي من حقوق في الغرب، ولكن هذه الصورة بدأت في التغير منذ منتصف القرن العشرين، وتحديدا مع تأسيس هذا الكيان الجديد، فعكس الأدب الشعبي ذلك في نصوصه وإبداعاته، فوجدنا صورة مغايرة لليهودي في الأدب الشعبي العربي، تصوره بالمغتصب والبخيل والعدواني.
يري كثيرون أن دراسة السيرة الهلالية لا طائل من ورائها؛ فهي دليلٌ علي الاقتتال العربي الداخلي عكس الإلياذة التي تمثل اتحادًا ضد عدو خارجي؟
قلت سابقا إن الإبداع الشعبي تعبير صادق عن المجتمع بمشاكله وهمومه وآلامه وآماله، فبدلا من إلقاء التهم علي الإبداع الشعبي علينا أن نتساءل: أليست هذه الأمورحقائق وموجودة في المجتمع؟ السيرة الهلالية لم تخترع هذه الصورة المجتمعية، ولكنها حقيقة موجودة ونعاني منها جميعا نحن العرب. والهلالية نص صريح وواضح فيضع المشكلة أمام أعين الناس ليواجهونها بدلا من التهرب منها، أو الكلام المعسول المغاير للحقيقة. الحقيقة أن ما بين العرب الكثير من المشاكل والاقتتالات، للدرجة التي تجعلني أقول- بكل أسف- إن سبب ما نحن فيه هو نحن العرب، وليس الآخر. مصدر الفتن والحروب الأهلية والأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها بعض الشعوب العربية مصدرها دول عربية. أقول دولا، أي أنظمة حاكمة، وليس شعوبا. ولنا في حالتنا المصرية الدليل والبرهان، فهناك من الأنظمة العربية التي كانت تتمني لمصر أن تقع وألا تقوم لها قائمة؛ لأسباب نعلمها جميعا. ولكن الحمد لله استطاعت مصر الوقوف مرة أخري، وستعود أفضل مما كانت عليه.
نحن الآن أمام معضلة؛ فالعولمة تفرض ما يمكن تسميته بالنمط الواحد، كما أن هيمنة وسائل الإعلام وتطور التجارة الإلكترونية يغيران في ثقافة الأفراد والمجتمعات ويمحوان خصوصيتها؛ ما يعني أننا بعد فترة سيكون الأدب الشعبي ماضيا.. فهل هذا الطرح صحيح؟
الأدب الشعبي يتسم بالمرونة التي تكسبه القدرة علي التعايش مع كل ما هو جديد، وإذا تعذر ذلك سيتحول الأدب الشعبي العاجز عن مواكبة الجديد، سيتحول إلي تراث أي يصبح جزءا من التاريخ بعد أن كان موروثا متورثا ومتداولا. وسأضرب لك نموذجا يدلل علي مواكبة الأدب الشعبي للجديد، فمثلا النكتة تحولت من السرد لتصبح نكتا مصورة، كما في فن الكوميكس »‬omics. وهذا ما أقوم علي دراسته الآن؛ للبحث عن تأثير وسائل التكنولوجيا الجديد في مفهوم الأدب الشعبي التقليدي.
منذ فترة ليست بالكبيرة كان تدريس الأدب الشعبي ترفًا في بعض الجامعات، وكراهة المضطر في جامعات ثانية.. فهل تغير هذا الوضع؟
الحال أصبح أفضل، ولكن لم تصل إلي الحالة التي نتمناها، فلا تزال هناك مشاكل تعوق تدريس الأدب الشعبي في كثير من الجامعات المصرية والعربية.
أخيرا.. ماذا بعد السيرة الهلالية والتاريخ الشعبي؟
أجد من الضروري دراسة تأثير وسائل الاتصال الحديثة علي   الأدب   الشعبي، وهو ما أوجه له اهتمامي ودراساتي لدراسته في المستقبل القريب، وأتمني ان يعينني الله علي ذلك.