رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

مفاجآت البحث في دهاليز كاتب لا يموت أسرار نجيب محفوظ .. بداية بلا نهاية!


9/22/2018 2:28:54 PM

هل من الصعب تقديم موضوعات عنه تحمل جديدا في المادة نفسها لا علي مستوي التحليل فقط؟.
سؤال واجهت به نفسي وأنا أخطط لإعداد ملف عن نجيب محفوظ، بمناسبة مرور 30 عاما علي حصوله علي نوبل في الآداب، إذ لايختلف أحد علي أن عميد الرواية العربية كان محط  أنظار الصحفيين والنقاد والباحثين منذ سنوات بعيدة، وعبّر كل واحد منهم  - عن هذا الاهتمام – بطريقته، وبذلك أصبح عبر عقود متتابعة أشبه بـ »كتاب مفتوح»‬ ، من الصعب أن يتم اكتشاف جديد عنه، لاسيما فيما يتعلق بسيرته الذاتية، أو برؤية أساتذته ومعاصريه وتلاميذه ومحبيه.
هذه الفرضية الراسخة في الأذهان كفيلة بأن تجهض أي محاولة لتقديم الجديد عن نجيب محفوظ. لكن للحظة قررت أن أبعد نفسي عن هذه الفرضية – التي أصبحت شبه يقين – بأننا كتبنا عنه ما يستحقه، وأن العبء الأكبر يقع علي عاتق قراءات نقدية، قد تقدم جديدا، أو تسير علي منوال سابق.. من هنا بدأت خطة للبحث عن »‬صاحب الثلاثية»، ارتكزت في المقام الأول علي استبعاد »‬الحرافيش» الذين قدموا رؤيتهم له، إما في مقالات أو كتب متعددة، وظهر لي في الأفق هذا السؤال: ماذا في حوزة الدولة المصرية بهيئاتها المختلفة، من أوراق أو مقتنيات لصاحب نوبل، لاسيما الهيئات التي تتبع وزارة الثقافة مثل: دار الكتب، دار الوثائق، وصندوق التنمية الثقافية، الذي يمتلك مجموعة من المقتنيات، لاسيما مكتبته، الموجودة لديه بالفعل منذ فترة، تمهيدا لعرضها في متحفه، الذي أعلن عنه بعد وفاته، لكنه للآن لم يفتتح.. لتظل هذه »‬المكتبة المحفوظية» في قبضة صندوق التنمية الثقافية، موضوعة في كراتين، تنتظر أن يتحقق الحلم ويفتتح المتحف، الذي أصبح الآن أكثر من أي وقت مضي قريبا جدا من الخروج للنور، وصارت بعض قاعاته مهيأة لاستقبال مقتنيات عميد الرواية العربية.
وإذا كانت هذه المكتبة »‬حبيسة» الكراتين، فماذا عن الأوراق الرسمية التي تخص مسيرته لاسيما الوظيفية؟ أعلم أن الراحل د. مدكور ثابت أفرج قبل سنوات عن بعضها من خلال موسوعة »‬سينما نجيب محفوظ»، التي صدرت عن أكاديمية الفنون في عام 2006، بعد رحيل محفوظ، لكن للأسف كان عدد النسخ محدودا للغاية، ولم تلتفت أي جهة تعمل في مجال النشر في وزارة الثقافة، لاسيما هيئة الكتاب إلي هذا الكنز، الذي لازال شبه مدفون، ويتطلب الأمر إعادة طباعة الموسوعة بما يتيح الاطلاع عليها علي نطاق واسع، خاصة الجزء الخاص بالوثائق. لكن السؤال لا يزال مستمرا، وماذا عن الجهة المنوط بها حفظ أوراق الدولة المصرية وهي دار الوثائق؟ هل تمتلك ملفا عن نجيب محفوظ؟ وإذا وجدناه، فما محتوياته؟ يضاف إلي ما سبق سؤال عما تحتفظ به  دار الكتب المصرية من طبعات مختلفة لأعمال محفوظ، وما أول كتاب تم إيداعه والسنة التي يحملها؟  وهل يمكن أن تكشف قراءة أرقام إيداع مؤلفات محفوظ عن جديد لم نتوقف عنده من قبل؟ وما آخر عمل إبداعي له حصل علي رقم إيداع؟.
من الأسئلة السابقة قررتُ أن أقتحم هذه المؤسسات، وتجاوزتُ عقبات كثيرة، كادت تصيبني بالإحباط، وتجعلني أتوقف عن »‬البحث عن نجيب محفوظ»، وتسلحتُ بالإصرار لأنني أيقنت أن هناك جديدا، يمكن أن أستكشفه.. وبالفعل وبعد مخاطبات رسمية مع الجهات السابقة وزيارات واستفسارات امتدت لشهور، تعاون فيها معي أشخاص، وأعاقني آخرون اعتبروا أن نجيب محفوظ »‬مقبوض عليه»،  ولم تحن لحظة إطلاق سراحه بعد، ولأنني من محبيه قررتُ أن أقوم بمحاولة فك قيده، وأن يكون هذا عمليا، وبالفعل و بتفهم كبير من د. فتحي عبد الوهاب رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية، وبعد مراسلات استغرقت أكثر من شهرين، استطعت أن أصل إلي مكتبة نجيب محفوظ في أحد مخازن وزارة الثقافة، وهو المخزن الملاصق للباب الخلفي للمجلس الأعلي للثقافة.. هناك التقيت بالأستاذ وليد العوضي المسئول عن المكتبات في صندوق التنمية الثقافية، وهو علي قدر كبير من الثقافة والاطلاع.. تفهم ما أطمح إليه.. وبالفعل جهز لي »‬الكراتين»، التي تختزن مكتبة واحدا من أهم رموز الثقافة العربية والإنسانية، وللحقيقة وجدت الكتب في حالة جيدة، وقد تمت فهرستها منذ فترة وإعطاء كل كتاب بطاقة وصف، مدون عليها: عنوانه، اسم المؤلف، الناشر، تاريخ النشر، و رقم الإيداع.
بدأت دونما حجاب في الاقتراب من هذه المكتبة التي تضم 1095 كتابا، ما بين مسجل عليه إهداء، أو بدون إهداء، وعلي مدار ساعات دونت هذه الإهداءات لنجوم الثقافة والإبداع والمجتمع، الكاشفة لرؤيتهم للمهدي إليه، فهي بمثابة سيرة ذاتية له بأقلام أجيال مختلفة ورؤي متباينة ( سوف نتوقف عندها بتفاصيل أكثر دقة فيما بعد ).
ورغم أن هذه المكتبة تضم ( 1095 ) كتابا، إلا أنه سيضاف إليها في المتحف المزمع افتتاحه، 350 كتابا جديدا، لم تكن ضمن مكتبته الأصلية، واشتراها صندوق التنمية الثقافية، لكي يكتمل المشهد المحفوظي، إذ تضم طبعات مختلفة من أعماله، والعديد من الكتب النقدية التي تناولت أعماله باللغتين العربية والإنجليزية .
وكانت المفاجأة أن أجد أوراقا تنشر للمرة الأولي، رغم كل ما كتب عن نجيب محفوظ خلال العقود الماضية، خاصة أن هذه الأوراق المكتشفة قد احتفظت بالفعل بتفاصيل جديدة عن عميد الرواية العربية، وما أقصده بالأوراق المكتشفة، الوثائق التي في حوذة دار الوثائق، وكذلك الإهداءات التي كتبت بخط يد أصحابها ومهداة لمحفوظ، وكذلك الإهداءات التي كتبت بخط يد محفوظ لتوفيق الحكيم وفؤاد دوارة.
 لكن ماذا عن البشر؟ ألا يوجد لديهم حكايات منسية عن صاحب نوبل؟ هذا ما سعيت إليه في الجزء الثاني من رحلة بحثي، هو أن أصل إلي إهداءات نجيب محفوظ بخط يده، لذا تحدثت إلي كثيرين ممن توقعت أن تكون لديهم إهداءت منه، أو تفاصيل مشتركة كاد الزمن أن يجهز عليها.. وبالفعل كان الواقع يخبئ لي الكثير..إذ تمكنت من الحصول علي حكايات اعتبرها أصحابها ملكا لهم وجزءا من تاريخهم لا يزاحمهم فيه أحد، لكنني اعتبرتها ملكا لهم ولنا، فهي  جزء من تاريخ يجب أن يُدون.. توالت الأوراق والحكايات التي سجلتها عبر الصفحات التالية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تسببت رحلة بحثي في استعادة البعض تفاصيل منسية في ذاكراتهم، والحكاية التالية خير دليل علي ذلك، فقد أخبرتُ المثقفة الكبيرة سيزا قاسم بالتوجه الأساسي لتحقيقي عن نجيب محفوظ، باعتبارها أول باحثة مصرية تحصل علي درجة علمية في أدبه، وفقا لما ورد في ببليوجرافيا نجيب محفوظ للناقد شوقي بدر يوسف، وسألتها:  ألديك إية إهداءات أو خطابات معه؟، أجابت بالنفي، وأبدت إعجابها بالطرح النظري لفكرتي، وتمنت لي التوفيق وحمستني علي المضي فيما أن ساع إليه.
وانتهت المكالمة وبعدها بأيام فوجئت بها تحدثني و تقول: »‬عندي ليك مفاجأة»، تصورت أن المفاجأة قد تكون علي أكثر تقدير إهداء أو خطابا قصيرا من نجيب محفوظ، لكن يبدو أن سؤالي السابق لها، جعلها تعود سنوات للوراء، وتحديدا إلي مارس 1976، حينما التقت به وهي تعد رسالتها للدكتوراه بعنوان »‬بناء الرواية.. دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» ، وسجلت ما دار بينهما علي شريطي كاسيت، وقررت أن تقوم بمغامرة مماثلة لمغامرتي، بأن تبحث عن صوتها المشترك مع صاحب »‬الثلاثية»، وبالفعل عثرت علي الشريطين..لكنها لم تستطع أن تتاكد من أنهما لايزالان صالحين للتشغيل، لعدم وجود كاسيت قديم في منزلها، وقالت لي: هذه هي »‬وديعة سيزا قاسم لك».. وقتها شعرت بسعادة غامرة، لأنني سأنشر حوارا للمرة الأولي، بين شابة تتسلح بثقافة متنوعة وثرية، لأنها تتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ولديها اطلاع عميق علي الثقافة العربية، وبين نجيب محفوظ الذي كان في هذه اللحظة – بالنسبة لها – مادة علمية تسعي إلي إثبات فرضياتها النظرية عليه، عندما استمعت للتسجيل النادر استشعرت  إعجاب الكاتب الكبير بالتساؤلات، لكنه كان إعجابا مشوبا بالحذر، فالأسئلة كانت عميقة تتناسب مع عمقه وتأثيره، وبدا الحوار بالنسبة لي كما لو كان محاكمة لنجيب محفوظ، امتلكت فيها سيزا روح المغامرة والثقة بالنفس، وتسلح محفوظ بخبرة السنوات وقدرته علي القراءة العميقة للبشر، وبما يفكرون فيه، حتي لو لم يكن ما يقال بشكل مباشر، لذا كانت »‬الضحكة المحفوظية» إحدي أدواته تجاه اسئلة بعينها، وفي أحيان أخري تكون جمله مصدرا لضحكة مشتركة بينهما.
في الصفحات القادمة نلتقي مع أوراق وحكايات موثقة من أصحابها، تكشف عن جوانب في رحلة مبدع استثنائي في تاريخ الثقافة العربية.. إنها رحلة نجيب محفوظ.