رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أول نوبل بديلة..كوندي .. أفريقية من الكاريبي تقاوم الاستعمار


جمال المراغي
10/20/2018 9:52:46 AM

قُبلت الجائزة بوصيتها التي تركها عالم كيميائي رغبة في التكفير عن ذنوبه، فلماذا لا تُقبل أخري يدافع فيها الكُتاب والمثقفون عن أنفسهم وعن الأدب الذي لن ينال منه أن بعض الرجال لم يكونوا أهلا للثقة وانحرفوا، هذا ما عبرت عنه الكاتبة الصحفية السويدية ـ اليونانية »ألكسندرا باستالو»‬ عند إعلانها عن فكرة »‬جائزة الأكاديمية الجديدة»، وبعد شد وجذب وعمل جاد ومراحل معلنة تم الكشف عن الجائزة الأولي التي ذهبت لابنة غودالوب »‬ماريز كوندي».
خرجت الفكرة من رأس باستالو لتلقي تأييد أكثر من 100 شخصية ثقافية في السويد إلي جانب نحو 33 ألفاً من الجمهور رحبوا بها إلكترونيا لتسد الفراغ الذي أحدثه غياب جائزة نوبل للأدب هذا العام، لذا بدأ التخطيط والعمل وسط استهجان وسخط وسخرية الكثيرين الذين وصفوها بأنها »‬فكرة سخيفة»، وأن نوبل للأدب ليس لها بديل وأنها ستعود العام القادم بجائزتي 2018 و2019.
رفض القائمين عليها وصفها بأنها جائزة نوبل البديلة، ولكنه علق بها وتوافق عليه الدوائر الثقافية والإعلامية، وربما كانت هذه التسمية سببا في الاهتمام الذي بدأ علي مضض وازداد بشكل أكثر من جيد حتي الإعلان عن الفائزة بها، والتي أثني علي اختيارها الكثيرون، وتابعت كل الصحف الكبري في العالم الحدث وبدي أنها كانت تترقبه ـ ربما بحكم العادة ـ ولم يتحفظ أحد أو يستنكر الاختيار حتي كتابة هذه السطور خاصة بعدما اعترف القائمين عليها بوجود بعض القصور وأسببه.
مر العمل علي جائزة الأكاديمية الجديدة أو نوبل البديلة بثلاث مراحل؛ الأولي اعتمدوا فيها علي »‬أصحاب المهنة المقدسة»، هكذا وصفوا أمناء المكتبات الذين أوكل لهم مهمة ترشيح الكُتاب فأفرزت تلك المرحلة 47 مرشحا بينهم 26 أوروبيا منهم 13 سويديا، 13 أمريكيا، 3 من كندا ومثلهم من آسيا و2 من أفريقيا، وغاب عن القائمة كتاب أمريكا اللاتينية والعرب.
ووسط الصمت لإظهار عدم الاهتمام من قبل الكتاب والمعنيين بالشأن الثقافي صحفيا وإعلاميا؛ بادر القائمون علي الجائزة بالتعليق علي القصور الذي تعلق بعملية الترشيح وما أفرزته، وأن الوقت المتاح ـ ستة أشهر ـ ضيق للغاية لهذا اقتصر الأمر علي أمناء المكتبات داخل السويد وأكثرهم يلم فقط بالكتب التي خطت باللغة السويدية سواء لأبناء البلد أو ما ترجم إليها.
ولهذا فندرة أو عدم تمثيل بعض المناطق فيها يرجع إلي عدم توفر ترجمات لأعمال أبنائها باللغة السويدية، وعلاج هذا القصور ـ إن استمرت الجائزة ـ يتمثل في تكوين شبكة تواصل كبري تسمح بمشاركة أمناء المكتبات من كل أنحاء العالم، ومن ثم وضع الكتاب الأكثر ترشيحا في القائمة، وكانت شروط الاختيار بسيطة ولكنها أدت الغرض وتمثلت في أن يكون المرشح قد قدم كتابين علي الأقل أحدهما في العشر سنوات الأخيرة وأن يكون أفضل من كتب عن البشر في العالم أي أن الجائزة ليست تكريما ولكنها مكافأة إجادة.
ثم كانت مرحلة التصويت العام عبر الموقع الالكتروني لتقتصر القائمة بعد الانتهاء منها علي الأربع الأكثر حصولا علي ترشيحات وهم الانجليزي »‬نيل جيمان» (57 عاما)، الفتنامية »‬كيم ثيري» (50 عاما)، الياباني »‬هاروكي موراكامي» (69 عاما) إضافة إلي الفرنسية »‬ماريز كوندي» (81 عاما)، وهكذا خلت القائمة القصيرة من أي سويدي أو أمريكي رغم غلبتهم في القائمة الطويلة وتضمنت آسيويين من أصل ثلاثة في القائمة، ومصادفة تقاسم الجنسين الترشيحات.
وصولا للمرحلة الأخيرة التي عكفت فيها لجنة التحكيم ـ ذات الخبرة الطويلة في المجال الأدبي لنحو 25 عاما ـ علي دراسة هذا الرباعي الذي أصبح ثالوثا قبل أيام قليلة من الإعلان عنها عندما طالب موراكامي تنحيته لرغبته في التركيز علي كتاباته بعيدا عن الأضواء، وتضمنت اللجنة رئيسا وهي »‬آن بيلسون» محررة وناشرة مستقلة، وثلاثة أعضاء وهم »‬ليزبيث لارسون» أستاذ متفرغ في الأدب بجامعة جوتنبرج، »‬بيتر ستنبسون» محرر وناشر مستقل ومترجم سابق و»غونيلا ساندان» رئيس مكتبة غوتبورج السابق.
في الوقت المحدد أعلن عن الفائز بأول نوبل بديلة؛ إنها »‬ماريز كوندي» أو »‬ماريز بوكولون» التي نشأت في أسرة بها ثمانية أبناء هي أصغرهم، وأم معلمة بمدرسة عامة في بلدتهم »‬غودالوب» أحد جزر الأنتيل بالبحر الكاريبي والتابعة للجمهورية الفرنسية، درست بجامعة السوربون، تزوجت من ممثل غيني يدعي »‬مامادو كوندي» ليصبح اسمها »‬ماريز كوندي».
حملت الجنسية الفرنسية ونالت وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2007 نظير جهودها الكبيرة في مجالي التعليم والأدب، ولكنها ظلت لا تعترف إلا بجنسية بلدتها »‬غودالوب» التي لا وجود لها، وكذلك جذورها الأفريقية، لهذا كرست جزءا كبيرا من حياتها لجزيرتها ولأفريقيا حيث تنقلت بين غينيا وغانا والسنغال لتعلم أبناءها وتزيد من وعيهم وإدراكهم بتاريخهم الخفي وما يحدث حولهم في العالم، قبل تعود للتدريس بجامعات السوربون، فرجينيا، بيركلي ونانتير.
انتظرت حتي قاربت علي الأربعين لتتجه للكتابة الروائية كأحد أسلحتها وكوسيلة للكشف عن تاريخ أفريقيا مع الاستعمار والعبودية، تتبعت خلالها أُسرا بأكمها أسرها الأوروبيون وكُبلوا في الأغلال وحُملوا إلي أنحاء شتي لخدمة من قاموا بأسرهم، وغيرها من القصص المغلفة بالكثير من اللمحات الخيالية والأجواء الساحرة المشوقة، لكنها لم تضيع هدفها قط منذ روايتها الأولي »‬هيرماخونون» عام 1976 مرورا بأكثرها نجاحا مثل »‬سيجو» بجزءيها، »‬هجرة القلوب»، »‬سيلانير قاطع الرقاب» وحتي أحدثها »‬مصير رائع وحزين لإيفان وإيفانا» عام 2017.
رغم الإعلان عن أن هذه الجائزة ستكون الأولي والأخيرة، إلا أن السخط بعد التفكير والتروي تحول الكثير منه لتأييد أن تستمر جائزة الأكاديمية الجديدة، التي لا تقارن أدبيا بنوبل بتاريخها الذي تجاوز 120 عاما، ولا ماديا؛ فبعد جهد مضن تم جمع نحو مليون كرونة سويدية أي 112 ألف دولار قيمة الجائزة الجديدة، ولكن استمرارها سيفرض حالة من المنافسة ستتجاوز كل هذه الفروق عند الإعلان عن الفائز.
فالجائزة الجديدة ستضع جائزة نوبل العتيقة في موقف لا تحسد عليه إن عادت نوبل بتنظيم سري متعال آخر يحمل ذات الاعتبارات السياسية والعرقية السابقة، بينما هناك جائزة من ذات المنبع بمراحل ومعايير واضحة ومعلنة يكشف عن الفائز بها في نفس التوقيت بل وتسلم في موعد تسليم جائزة نوبل في احتفالية موازية، ولكنها تمنح لكاتبة مثل كوندي أفريقية الهوي التي ربما تكون طاعنة في العمر ـ كأحد المآخذ التي طالت نوبل ـ إلا أنها مازالت تناضل وتتحدي كل القوي السائدة بصوتها وكتاباتها عن صور الاستعمار والعبودية القديمة منها والحديثة التي مازالت تمارس بطرق مغايرة تحاول البحث عنها وفهما وكشفها للعالم عامة وللأفارقة خاصة إيمانا منها بأن العلم وحده هو السبيل للمقاومة والتحرر.