رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

حكايات البرلس


الفنان مصطفي العزبى يضع اللمسات الأخيرة على المركب

الفنان مصطفي العزبى يضع اللمسات الأخيرة على المركب

مني عبد الكريم
10/27/2018 1:41:30 PM

»اللي يسمع غير اللي يشوف»‬ هكذا تقول العبارة الشائعة .. إلا أن مما  لا شك فيه أن ذلك يختلف عمن يعايش عن قرب، كانت هذه المقولة هي خير ما ينطبق علي ملتقي البرلس الدولي للرسم علي الحوائط والمراكب إذ إنني ظللت علي مدي أربعة أعوام أتابع الحدث من خلال الصور والحكايات التي يرويها أصحابها علي الفيس بوك ولكن حب المغامرة هو ما دفعني هذا العام - لأول مرة- للتواجد في المكان وقضاء ما يقرب من 24 ساعة عايشت فيها حالة من الألفة والمودة بين المشاركين فيها بينما يضعون لمساتهم الأخيرة علي المراكب المشحونة بتجارب فنية متنوعة وبروح المحبة التي جمعت بين المشاركين علي مدار ما يقرب من أسبوعين.

شارك في الملتقي هذا العام 42 فنانا من 18 دولة، ويختلف الملتقي في أنه ليس مجرد حدث فني عادي يكون نتاجه مجموعة من الأعمال الفنية فحسب، بل يتعدي ذلك لطرح مفهوم دور الفن في تغيير المجتمع، وتنمية الثقافة البصرية، ومدي قدرة الفن علي التأثير علي الطريقة التي نفكر ونتصرف بها حيث يقوم الملتقي علي شقين يتمثل الأول في رسم مجموعة من الحوائط علي بيوت وحوائط سكان  قرية البرلس.. أما الشق الآخر فيرتبط بالرسم علي المراكب واختيار شكل المسطح الفني الذي يعمل عليه الفنانون خلال الأسبوع الثاني من الملتقي، حيث اختار د.عبد الوهاب عبد المحسن رئيس الملتقي أن يقوم الفنانون بالرسم علي المراكب، حيث تختلف في أكثر من جانب، أولها في كونها ليست مسطحا تشكيليا بالمعني الشائع بل تحمل أكثر من وجه وعمق وأبعاد، وهو ما يضع الفنانين في تحد من نوع خاص لتقديم عمل فني متكامل، كما أن المركب يحتاج لأسلوب خاص في العرض حتي يتمكن المتلقي من مشاهدة كافة جوانبه، إضافة إلي ذلك يرتبط هذا المسطح بالبيئة المحلية وبحرفة صناعة المراكب بما يوفر فرصة عمل لأبناء المنطقة.
 وقد خرجت الأعمال متنوعة حيث قام بعض الفنانين باستخدام المركب بطريقة مغايرة تبتعد عن الرسم المباشر وذلك بإضافة عناصر خارجية ليتحول إلي ما يشبه الأعمال المركبة ومنها ما قدمته الفنانة جوليا إياسكو بإضافة البلاستيك لمناقشة قضية تلوث المسطحات المائية، وما قدمته الفنانة المقدونية فالنتينا اليفيسكا باستخدام الحروف البارزة لإيصال رسالة مفادها أن هناك كثيرا ما يجمعنا، والفنان الهندي مانيش شارما  الذي يستخدم نماذج مصغرة من مفردات الحياة اليومية كالتليفون والأواني للتعبير عن استمرار الحياة والتواصل بين الماضي والحاضر، والفنان العماني موسي عمر الذي استخدم قطع الخيش استمرارا لتجربته في استخدام الخامات الواقعية الموجودة في البيئة وتحويلها إلي لوحات فنية، وكذلك الفنان المصري محمد أبو النجا الذي استخدم عشرات المسامير لتناول قضية الهجرة غير الشرعية ويبعث برسالة مفادها كم نحن  آمنون في أوطاننا ، وكذلك النحات مصطفي العزبي الذي طرح حلا بديلا لتوظيف المركب يتلاءم وخلفيته النحتية،  وإضافة للمراكب الكبيرة تم عرض ما يقرب من 15 مركبا صغيرة هذا العام قام بتنفيذها أطفال ذوو احتياجات خاصة من فرقة الشمس وكذلك طلبة الكليات الفنية المشاركون في الملتقي .
ويختلف ملتقي هذا العام كما تذكر الفنانة إيمان عزت قوميسير عام الملتقي في العدد الكبير من الفنانين المشاركين وكذلك في الأنشطة المتنوعة التي تم تنظيمها علي هامش الملتقي حيث حاول القائمون عليه بث روح البهجة في المنطقة طوال فترة الملتقي، وذلك من خلال العديد من الأنشطة الفنية بخلاف الرسم علي الحوائط ومنها مشاركة مسرح عرائس الحالاتيه وعمل عروض للأطفال ومشاركة فرقة غناء صوفي عامر التوني ، وتقديم فرقة اتجاه لمسرحية في شارع البرلس، وكذلك قيام حملة لتنظيف الشاطئ بالتعاون مع شباب جرنيش وهي حملة لتعليم الناس كيفية الاهتمام بنظافة الشواطئ والبعد عن استخدام البلاستيك واستخدام أدوات صديقة للبيئة .
وعن المراكب الصغيرة التي تم عرضها هذا العام تقول إيمان: بداية الفكرة كانت أن نشجع أهل البرلس علي إيجاد مصدر بديل للرزق وذلك من خلال عمل المراكب الصغيرة وتلوينها وبيعها علي الطريق كما يفعل الفواخرية، فلم يعد موضوع الصيد هو المصدر الأساسي للرزق خاصة مع مخاطر المهنة وتزايد عدد السكان، ولكن فكرنا هذا العام أن نوظفها بشكل آخر فعندما شاركت معنا فرقة الشمس للحالات الخاصة ، فكرنا أن يشاركوا بالرسم علي المراكب الصغيرة، كما فكرنا أيضا أن تقوم طالبات كليات الفنون الجميلة الائي يشاركن معنا سنويا في فاعلية »‬مدن ملونة» التي تتم من خلال برتوكول تعاون مع وزارة الشباب الرياضة برسم مراكب صغيرة.
أما عن التغيير الذي حدث علي الصعيد المجتمعي فتقول إيمان :في بداية الملتقي منذ عدة سنوات رفض الناس وجودنا خاصة أن الشواطئ كانت مردومة بالقمامة، وحتي نذيب ذلك الحاجز بيننا استمعنا لطلباتهم، وتواصلنا مع المحافظة ونجحنا في نقل أطنان من القمامة التي كانت تحجب البحر عنهم وهنا بدأوا يشعرون بأهمية ما نفعل وبدأنا نقرب منهم جدا، هذا التقارب الذي يزداد دورة بعد أخري، هذا العام طلبنا من الفنانين أن يتواصلوا بأنفسهم مع أهل المكان لخلق حالة من الألفة بينهم، فهدفنا هو الجمال بمحبة أهل المكان.
الناس سواسية في جدارية الفنان الصيني وان لي
 كان لقائي الأول خلال جولتي بين المراكب البديعة بالفنان الصيني وان لي الذي كان يضع اللمسات الأخيرة علي مركبه، وأكثر ما جذبني إلي عمله تلك الوجوه الحقيقية للغاية التي رسمها علي سطح مركبه ، وعرفت منه أن مشروعه الفني قائم علي التجول بين البلاد ورسم وجوه مختلفة من الأماكن التي يذهب إليها وعلي ظهر تلك المركب رسم الفنان خريطة بالأماكن التي زارها وكأن العالم قد التقي علي هذا المسطح .. وقد قام الفنان بتنفيذ نفس الفكرة علي أحد حوائط قرية البرلس وهي واحدة من الأعمال التي جذبت كثيرا من المصورين لالتقاط صور لأطفال القرية عندها ، هناك علي ذلك الحائط تقرأ عبارة »‬الناس سواسية» باللغة العربية .
وبجوار الفنان الصيني جلست مجموعة من الفنانات الشابات يرسمن بشكل جماعي عدد من المراكب الصغيرة إذ حدثتني عن ذلك د.ريم خيري مدرس بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنصورة قائلة : هي ليست أول مشاركة لنا بالملتقي لكن خلال هذا العام شاركنا برسم خمس مراكب صغيرة وبمشاركة أكثر 14 طالبة من أقسام الكلية المختلفة تدعم فكرة العمل الجماعي وقد اخترنا موضوع »‬حرية المرأة» وهي قضية مهمة للبنت في الوطن العربي .. ففي إحدي المراكب الصغيرة يتحول السمك الجميل الحر المنطلق لفتيات ومنها لعصافير ومنها ينطلق ويخرج ويتحول لفتيات أرشق وأخف ومنها للبحر وكأنها دورة الحياة .
عمر الفيومي وعودة الروح
حكايات البرلس لا تنتهي ولكل فنان تجربة متفردة فبعضهم جاء للمرة الأولي والبعض اعتاد المكان وأصبح طقسا سنويا، فإذا كان هناك خمس دورات لملتقي البرلس فالفنان عمر الفيومي -كما يداعبونه- قد شارك في ست دورات ، يضحك الفنان من قلبه قائلا : بالفعل شاركت في كل دورات الملتقي ولكن علاقتي بالبرلس ترجع لما قبل ذلك، فقد سبق أن زرت البرلس وقدمت معرضا مستلهما منها  في محافظة كفر الشيخ وسوف يعرض مرة أخري بجاليري سوما خلال ديسمبر القادم.
عن تجربته في البرلس يقول: لا شك أن تقبل الناس تغير كثيرا، كذلك تغيرت معالم المنطقة ، فقد كان الشاطئ كارثة بكل المقاييس مدفونا تحت أكوام من القمامة التي تم تنظيفها من قبل المحافظة، وتم رصف الشارع وتنظيفه وهو ما يعود بالنفع علي أهل المنطقة.. ويؤمن الفنان عمر الفيومي بأهمية ودور الفن في تغيير المجتمع قائلا: العمل أمام الناس شيء مختلف، لأن الفن مرتبط بالمجتمع، وأنا درست في الاتحاد السوفيتي وعاشق الاشتراكية ، وأري أنا دورنا أن نعلم الناس محبة الفن.
ولا ييأس الفيومي فحين عاد في العام الثاني وجد أنهم غطوا فم البورتريه الذي رسمه بالأسمنت، بعد ذلك تم تغطية البيت كله بالسيراميك واختفي البورتريه، لكن ذلك لم يمنعه من أن يرسم مجددا ومجددا، كما رسم ثلاثة بورتريهات متجاورة علي رصيف قصير نسبيا مطل علي البحر ، وهي بورتريهات تنتهي فوق منطقة العين بقليل دون وجود لباقي الرأس وأحيانا دون وجود للفم ، حيث التركيز علي منطقة العين المليئة بالحكايات.
يقول الفنان: دائما ما يشغلني موضوع الهجرة غير الشرعية .. رغم إنكار الناس لقيامهم بذلك، فإنها بالفعل مشكلة قائمة، الناس تدفع أموالا كثيرة كي يموتوا  .. فكرت أن من يموت منهم ربما تشتاق روحه لتطل علي المدينة التي خرجوا منها ، تلك الوجوه التي رسمتها تطل علي البحر والقرية أيضا.
كذلك جاءت مركبا الفنان الفيومي مختلفة عن باقي المراكب فقد اختار أن يرسم مركب مصمتة ذكرتني للوهلة الأولي بتوابيت المصريين القدماء حيت كان الوجه المرسوم علي غطاء التابوت يرشد الأرواح للعودة إلي الجسد الساكن بها، يقول الفنان: في الحقيقة أنا من طلبت أن تترك المركب هكذا ففي العام الماضي قمت بسد الفتحة في المركب بتوال وجهزت السطح ورسمت عليه.
لم يكن ارتباط الفيومي بالبرلس أمرا استثنائيا فكثير من الفنانين عادوا من جديد، الفنان إبراهيم غزالة له ارتباط خاص بالبرلس ، حيث قدم مركبا تنتمي لمجموعته الأخيرة التي قدمها في معرض فردي  »‬سحر البرلس» الذي استضافته قاعة بيكاسو بالزمالك ولارتباط الفنان حكاية قال عنها : لم تكن بحيرة البرلس بالنسبة لي مجرد فضاء مائي بل هي حنين غامر إلي زمان ضائع وخيال كامن في عمق الذاكرة ، فقد تربيت في أحضان بحيرة المنزلة ..إلي أن جاءتني دعوة من العزيز عبد الوهاب عبد المحسن لزيارة البرلس حتي تذكرت بحيرة المنزلة .. ومن تلك اللحظة وقعت في غرام بحيرة البرلس.
صلاح المليجي أراد لهم أن يروا الشجر يوميا فرسمها علي الجدار
الفنان صلاح المليجي وقع أيضا في غرام المنطقة إذ كتب عنها نصا بلغة أدبية استهله قائلا »‬ كأنها أسراب طير مهاجرة تحط كل عام علي شاطيء برج البرلس فها هنا أطفال يتلقون ويتأملون ويشاهدون كل عام وفود الفنانين يرافقونهم ويصبحون جزءًا من إبداعهم بحكيهم وتجمعهم حولهم... هنا يولد الجمال ليصحب أعينهم منذ البداية ويصنع وجدانهم ويكوّن لديهم ذائقة فنية ويمنحهم حب الحياة».
ويضيف د.صلاح: هناك تنوع كبير في أساليب الفنانين علي الحوائط أو القوارب سنجد تميزا واضحا في التناول من خلال ما طرحه كل الفنانين المشاركين سواء في التعامل مع الحوائط التي تعامل معها البحر لعدة سنوات ومنحها نصوصا بصرية وكأنها حكايات قديمة تركت بصماتها علي جدار الزمن أو تلك الحوائط الأسمنتية الجديدة التي تعاملت معها فرشاة الألوان لتكسبها تلألؤاً وتمنحها تنوعا يؤكد ما بها من خشونة السطح ونتوءاته.
وعن المركب التي  قدمهما  المليجي هذا العام يقول: اخترت الشجرة وأعتقد أنها جزء من مفهوم المصري القديم، وأنا أحب الشجرة لأنها انعكاس لفكرة الحياة والخصوبة، ولكن الغريب أن المكان بقرية البرلس ليس به شجر، ولذا في العام الماضي رسمت عصافير بهدف أن أجد لها شجرة ، هذا العام رسمت شجرة  في مكان يخلو من الشجر، حتي يصبح بإمكان أهل المكان أن يروا شجرة حتي لو مرسومة ، فحين سألتهم عن الشجر قالوا إنهم حاولوا زراعته لكن البحر يأكله .
مصطفي العزبي والنحت علي المركب
لم يتوقف الفنان عبد الوهاب عبد المحسن عند دعوة المصورين بل قام بدعوة كل من الفنان النحات د.مصطفي العزبي والخزافة السكندرية الفنانة مني غريب وقد كان لكل منهما طرح مختلف، إذ يقول د.مصطفي العزبي: بالطبع إن طبيعة المعالجة مختلفة بالنسبة للنحات عن للمصور، وقد  أضفت أشكالا إلي المركب بشكل رأسي مميز عن المراكب الأخري ، وقمت بتلوينهما وتلوين السطح بما يتماشي مع فكرة التصوير. ويذكرنا الشكل الذي قدمه الفنان مصطفي العزبي بالملك والملكة في الحضارة المصرية القديمة ، ولكن بصياغة ورؤية جديدة ..
أما الفنانة السكندرية مني غريب فتنتقل من وسيط الخزف لأول مرة وهو تحد تغلبت عليه ببراعة إذ تقول: تخيلت المركب ككتلة خزف وبدأت أتعامل مع المسطحات كفراغ وكتلة، وربما هي المرة الأولي التي  أستخدم اللون بهذه الجرأة وهو ما سيضيف إلي شغلي في المستقبل.. أما عن تجربة الرسم علي الحائط فتقول: كانت تجربة لطيفة جدا خاصة وأني كنت أصطحب ابني ، كانوا أول مرة يلتقون بفنانة ومعها ابنها ، فهو من المدينة وهم أبناء القرية وهم أكثر انطلاقا، كان التحدي في التوفيق بينهم في التعامل وسرعان ما اندمجنا جميعا ولذا قدمت جداريات قريبة جدا للأطفال بين العروسة والحصان.
زيارة إلي قرية البرلس
لم تكن الزيارة للملتقي تكتمل دون زيارة إلي قرية البرلس التي تبعد قليلا عن الفندق الذي يقوم فيه الفنانون بالرسم علي المراكب، فالتجول بين الشوارع والحواري بقرية البرلس له جمال خاص، لكل حائط حكاية لها علاقة بالفنان التي رسمها وبصاحب المكان بيت كان أو محل ، تلك الحكايات التي تحمل مذاقا مدهشا لا تجد معه ما يكفي من الكلمات، هناك أصبحت تلك اللوحات جزءا أصيلا من حياة سكان القرية، إذ يقول عم حسني الذي يحمل محله رسمة للفنان طاهر عبد العظيم:  لقد طلبت من الرجل الذي يزين المراكب أن يسميها مصر .. أم إبراهيم تريد أن يستكمل إحدي تلك الورود تحت شباكها .. تبتسم صبحية وهي تدعونا إلي الغداء وتقول »‬مبسوطة بالسمك اللي رسموه علي الحيطة .. احنا عايشين وسط السمك» .. أحدهم طلب من الفنان الإيطالي العام الماضي أن يرسم حوتا يقفز من الحائط .. وقد فعل .. ولا يزال الحوت يبتسم في وجه زوار القرية .. بعضهم ينتظر حتي المساء ويستخدم تلك الألوان التي يتركها الفنانون في تلوين بيوتهم من الداخل .. البعض أصبح ينتظر الفنانين ويشاركهم التلوين .
 الحكايات لا تنتهي بانتهاء الملتقي إنها تسكن البيوت لأعوام كثيرة تالية .. إذ تروي د.حنان موسي تجربتها قائلة حين رسمت  الورد علي جدار المنزل ووجدت صاحبته سعيدة للغاية وعرفت أن بيتها القديم كان مرسوما عليه ورد وحين تهدم كانت تتمني أن يكون هناك ورد من جديد عليه وبالصدفة حققت أمنيتها فكانت سعيدة للغاية..
لاشك أن صور الفنانة حنان مع حارة الورد كانت ملهمة للغاية، أخبرتها أنني سأسميه  بستان حنان، ولم تكتف الفنانة بذلك بل وجدتها فرصة سانحة للتفاعل مع سكان المنطقة فقامت بورشة تفاعلية مع الأطفال لتعليمهم كيفية عمل أقنعة فنية ، كما قامت بورشة تفاعلية مع سيدات القرية لتوعيتهم بأضرار الزواج المبكر.
 كسارة الثلج .. شركاء في السعادة
أما الفنان الشاب أحمد عيد فقد قدم هذا العام تجربة تفاعلية أطلق عليها »‬كسارة الثلج» .. حيث يقول  كانت أول مرة أعرف أن هناك بالفعل ما يسمي بكسارة ثلج يدوية، وحين رأيتها تخيلت أنها قطعة تراثية .. وعندما شاهدت الصبي بمحل السمك يضع لوح الثلج ويجرش الثلج شعرت وأن الثلج يرقص ، وأنه مثل المشاعر التي تتحول من حال لآخر .. وعلي الفور قفزت الفكرة إلي رأسي، فبجوار المحل جدار لبيت قديم وفي يوم واحد رسمت راقصة تمثل الحياة وبجوارها خروف صغير يبدو كأنه يقفز علي وقع الأصوات الصادرة عن جرش الثلج ، فللحيوان في أعمالي دلالة خاصة لأن القلب يحركهم أكثر من العقل ، وأمام الرسمة وضعت كسارة الثلج ، فكان من يلف الماكينة بمثابة شريك في العمل وبالتالي شريك في البهجة.
شوارع البرلس معرض مفتوح
ربما لم أتمكن من مشاهدة الفنانين وهم يرسمون لكنني تتبعت أثرهم، تجولت بين نتاج أعمال خمس سنوات من الرسم علي الحوائط، عشرات الأعمال المعروضة معا منها ما هو قديم ومنها ما حدثني عنها الفنانون ومنهم الفنانة المقدونية كاترينا التي رسمت الإسكندر الأكبر بحجم كبير وكم كانت مبتهجة بصيحات الأطفال حال عودتهم من المدرسة حين تعرفوا عليه .. شاهدت بستان الفنانة حنان والقطار الذي رسمه الفنان أحمد سليم ، لكن واحدا من أكثر الأعمال التي لفتت انتباهي هي تلك الجدارية التي رسمها الفنان علاء عوض منذ ثلاثة أعوام حيت لا تزال تحتل مساحة كبيرة علي واجهة أحد المنازل عن أحد المعارك البحرية في مصر القديمة .. ويختلف ذلك العمل في كون الفنان متخصصا في الجداريات .. ففي حوار هاتفي معه أخبرني أنه نفذها خلال الدورة الثانية للملتقي وقد اختار أن يستلهم من التراث المصري القديم تلك المعركة البحرية حيث يقال إن هناك معركة بحرية وقعت في البرلس منذ زمن بعيد وانتصر فيها أهل البرلس فما كان منه أن حاول تمجيد هذا النصر بعمل من تراثنا القديم .. لكنها ليست الجدارية الوحيدة التي رسمها هناك ففي الدورة الثانية رسم جدارية عن المرماح والخيول التي تنتمي لصعيد مصر .. ويستلهم الفنان أعماله في الغالب من التراث المصري ، ويؤكد أنه مقتنع جدا بفكرة أهمية أن يكون الفن في الشارع أن يلمس الناس ، مضيفا لن تكون هذه هي المشاركة الأخيرة .. سوف ِأراك مجددا .
لكن الممتع أن حوارا جديدا قد نشأ بين الماضي والحاضر بين مصر وسائر أنحاء العالم، بين هاتين الجداريتين والجدارية التي رسمها الفنان الصربي أندريه الشهيربأرتز وهو أيضا فنان متخصص في رسم الجداريات قام بزيارة البرلس مؤخرا بعد انتهاء فاعليات الملتقي لرسم جدارية خصيصا حيث رسم سيدة ذات ملامح مصرية أصيلة وجميلة ترتدي الخمار وتحمل مركبا بين يديها ، سوف يري القادمون في العام القادم هذه الجدارية .
ربما كان أكثر ما يميز البرلس هو صفة الجمال التي تدفع بكل من يقف أمامها لأن تنطلق منه كلمة »‬الله» إذ يقول د.عبد الوهاب عبد المحسن عندما فكرنا في القيام بالعمل العام ، كانت غايتنا الجمال صفة الله الملهمة .. جمال الروح وجمال الواقع وجمال الطبيعة وجمال السلوك وجمال الإنسان وجمال المكان حيث نعيش .. وقد اخترنا أكثر المناطق غني بالطاقة الإيجابية والموحية والملهمة منطقة البرلس. أما د. إسماعيل طه محافظ كفر الشيخ فقد أعرب عن سعادته بهذا الحدث قائلا: الفن لغة عالمية لا تعرف حدودا ولا تحتاج إلي ترجمة وله أهمية كبيرة في حياة الإنسان فهو الذي يعمل علي إحداث التوازن بين المظاهر الروحية الداخلية للفرد والجوانب المادية في حياته كما يعمل كوسيلة هامة في تكوين وعي وشخصية الإنسان خاصة منذ طفولته.
مشهد أخير أتذكره ونحن نغادر قرية البرلس هو تضافر زهور الصبار بشواهد القبور الموجودة في منطقة مفتوحة يراها العابرون لتحمل جمالا من نوع خاص ، علي أطرافها جلس رجل عجوز يجهز شبكة الصيد.. تلك الشواهد تحمل حكايات .. هنا يرقد فلان.. وسوف أعود مجددا لأتعرف علي حكاية ذلك الموت المقترن بالحياة .. أو بالأحري حين تقرر الحياة أن تهزم الموت بفعل الجمال ..
ولذلك حكاية جديدة أرويها العام القادم إن كان في العمر بقية.