رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

دامبودزو ماريشيرا.. جيمس جويس أفريقيا


11/24/2018 12:10:18 PM

هو واحد من أهم مبدعي  زيمبابوي  ونموذج آخر للجموح والتمرد علي المؤسسات. اعتبرت الدوائر الثقافية في  لندن أن قصائده الأولي لا تقل جمالاً عن إشعار ت. إس. إليوت، وتوقع بعض النقاد أن يصبح »جيمس جويس»‬ أفريقيا، لكن أشباح طفولته البائسة ظلت تطارده حتي أفسدت عليه مسيرته الأدبية وحياته القصيرة.
ولد دامبودزو ماريشيرا في  جنوبي  روديسيا، المعروفة حالياً باسم زيمبابوي  عام 1952 لأب يعمل في  مشرحة وأم تعمل خادمة. مات الأب ودامبودزو لا يزال طفلاً، وساءت أحوال الأسرة الفقيرة بالفعل. وأُصيب الطفل بالمرض، فلجأت الأم إلي علاجه بأعشاب »‬موتي» شائعة الاستخدام في  ذلك الوقت، فكادت أن تقتله.
اتهم دامبودزو أمه بمحاولة قتله، وفرّ من المنزل في  صباه، ولم يرجع إليه مرة أخري  ورفض محاولات أمه وإخوته لرؤيته حتي وفاته. عاش حياة الجوع والعنف في  الشوارع إلي أن التحق بإحدي الإرساليات، ولكنه كان يتشاجر مع المسئولين والمعلمين علي نحو دائم. وكان دائم الشجار مع أساتذة جامعة روديسيا إلي أن فصلته إدارة الجامعة. سافر بعد ذلك إلي بريطانيا والتحق بجامعة أكسفورد، لكنه اتسم بالانعزالية والرغبة في  التمرد والشجار مع الطلبة والأساتذة. وشخّص أطباء أكسفورد حالته بالشيزوفرينيا، وفصلته الجامعة لأنه رفض الخضوع للعلاج وأصرّ علي سلوكه العدواني. واعتبره الأساتذة شديد الذكاء وجامح الخيال، يرفض الالتزام بالمناهج العلمية ويميل إلي قراءة الأدب.
هام دامبودزو علي وجهه في  الشوارع بعد طرده من أكسفورد، حتي وجد في  الكتابة ضالته ومنقذه من عذابات روحه المضطربة، ونشر مجموعته القصصية الأولي »‬بيت الجوع» عام 1978، والتي  سرد فيها تفاصيل طفولته البائسة. كتب الرواية بلغة مراوغة؛ نجحت في  التعبير عن الشحنات العاطفية القوية التي  تسيطر علي السرد. واتسمت القصص بسرعة التنقل في  المكان والزمن، وامتزجت فيها الحقيقة بالخيال علي غرار الواقعية السحرية، إلي حد ما. ويسرد دامبودزو كل أعماله من وجهة نظر طفل، لكي  يُسلط الضوء علي عنف المجتمع وبشاعة الحياة، وبالطبع لكي  يستعرض بعض قصص طفولته.
أصدر دامبودزو روايته الأولي »‬أشعة شمس سوداء» عام 1980، التي  اتسمت بمرونة الحبكة وكثرة الشطحات السردية والتأملات الفلسفية والروحية.  وتعكس الرواية سطوة الصدمة الثقافية علي روحه المتمردة، كما تتناول تجربة غربته واغترابه في  لندن ومعاناته الشخصية من التمييز العنصري.  وتكشف فصول الرواية بوضوح عن مدي اضطرابه النفسي  والروحي. ويمكن اعتبارها تفسيراً لارتباك حياته الشخصية ورغبته الدائمة في  إثبات الذات والخوف من الآخرين، ما دفعه إلي اعتناق الأفكار الفوضوية واللامبالاة بالواقع الاجتماعي، بل وبالحياة نفسها.
ورأي بعض النقاد الانجليز في  ذلك الحين أن دامبودزو يؤسس لاتجاه سردي  جديد بين أقرانه من الكُتاب الأفارقة، خصوصاً بعد أن أصبح أول أفريقي  يحصل علي جائزة صحيفة الجارديان الأدبية عن مجموعته القصصية عام 1979. وأعرب بعض النقاد عن قناعتهم بأن هذا الكاتب الأفريقي  الشاب يستطيع مزاحمة قامات أدبية أوروبية راسخة، مثل »‬جيمس جويس» و»‬هنري  ميللر». ويبدو أن تلك الآراء النقدية لم تمنحه الثقة في  نفسه فحسب، بل أثارت هواجسه وجعلته يتجاوز الحدود الأدبية المنطقية ويعتبر نفسه مؤسس الأدب الأفريقي.
وعلي الرغم من نجاح أعماله نقدياً وتجارياً، ظل دامبودزو يعاني  من الفقر والقلق وينام في  الحدائق ويتشاجر مع المُشردين ورجال العصابات، وتطارده الشرطة البريطانية لأنه يكتب قصائده علي جذوع الأشجار ومقاعد الحدائق أو يسجّل خواطره قبل أن ينساها. ولقد تعرّض لإصابات بالغة نتيجة شجاراته المستمرة وألقت الشرطة القبض عليه عدة مرات لتعاطي  المخدرات أو بسبب تناثر أبياته الشعرية وخواطره السردية علي جذوع أشجار لندن. وأدّت عدوانيته ورغبته المحمومة في  الشجار إلي أزمة أثناء حفل استلامه لجائزة الجارديان، وأسهمت في  ابتعاد المثقفين عنه، كما تسببت في  طرده من المركز الثقافي  الأفريقي  وخسارته تعاطف بعض مبدعي  القارة الذين يقيمون أو يدرسون في  لندن، ما حرمه من مساعدتهم البسيطة ومن الإقامة لديهم من آن لآخر لإنجاز كُتبه.
عاد دامبودزو إلي زيمبابوي مرة أخري عام 1982، ليعمل في  فيلم سينمائي  مأخوذ عن قصته »‬بيت الجوع»، لكنه سرعان ما تشاجر مع مُنتج الفيلم وطُرد من العمل فيه. وعاش في  وطنه خمس سنوات قبل وفاته عام 1987، وهو في  الـ 35 من عمره فقط. وأصدر خلال تلك الفترة كتابه »‬عاصفة العقل»، والذي  يضم ثلاث مسرحيات وديوان شعر. وأسهم الكتاب بقوة في  الجدل القائم عن دور الجيل الجديد في  الدولة التي  حصلت علي استقلالها حديثاً في  ذلك الحين، حتي أطلقوا علي ذلك الجيل اسم الكتاب.
وبالطبع وجد دامبودزو في  الشعر مساحة فضفاضة لمناقشة رأيه في  القضايا المعاصرة والتعبير عن غضبه من العالم. وتكشف أشعاره –ربما دون أن يقصد- عن شعور جارف بالاغتراب، ومأزق وجودي  عميق. وربما كان يشعر بالدفء حين يحفر قصيدة بأظافره علي أحد المقاعد الخشبية حيث ينام، أو يعتقد بأن أبيات الشعر تحميه من برد لندن القارص. وكانت قصائده نوعاً من التمرد علي الشعر التقليدي، لا تحترم القافية ولا تقيم وزناً للوزن، وتحتشد بالرموز والصور الممتدة والمعادلات الموضوعية التي  تحيل القارئ إلي الأساطير الأفريقية والإغريقية. ومن المنطقي  ألا تقل لغة دامبودزو تمرداً عن شخصيته، وأن يُكثر من استخدام العامية والكلمات النابية والعبارات الساخرة، وكأنه ينتقم من مؤسسات المجتمع المحافظة ويرد الصفعة إلي من انتهكوا إنسانيته. ومن الممكن القول إن قصائده تعكس اضطراب حياته وقلق روحه.
وبعد وفاته، صدرت له رواية »‬الدخيل الأسود» عام 1990، وديوان »‬مقبرة العقل» عام 1992، وكتاب آخر يضم عدداً من قصصه وقصائده الأخيرة عام 1994، والتي  ترصد تفاصيل تجاربه مع المُشردين في  أزقة لندن. وعلي الرغم من قلة أعماله المنشورة، وأصبح دامبودزو أهم مبدع في  زيمبابوي إحدي القامات الأفريقية الكبيرة، وامتد تأثيره إلي الجيل الجديد من مبدعي  القارة السمراء. ومن الغريب أن تحظي دراما حياته باهتمام أكبر من أعماله الأدبية، إذ صدرت عشرات المؤلفات عن سيرته الذاتية حتي الآن؛ حاولت النبش في  آلام طفولته وشطحات صباه ونزوات شبابه، من أجل التأريخ لتلك الحياة القصيرة العاصفة التي  حكمتها أشباح الماضي.