رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

هل أصبح المثقفون حزب أقلية في طريقه للانقراض ؟


جرجس شكري
12/29/2018 1:52:00 PM

هذه الظواهر لا تخص عام 2018 وحده بل هي نتاج سنوات خلت ولكن تأثيرها مازال حاضراً، أصيب فيها المجتمع  المصري بأمراض لا حصر لها انعكست علي الثقافة فأصبحت جسدا واهناً ضعيفاً يخلو من الروح ، ولكن في العام الماضي ومن خلال ثلاث مسابقات في الشعر والرواية والمسرح تجسدت أمامي هذه الظواهر وبقوة .

منذ ثلاثة أعوام وبينما كنت  أقرأ مئات القصائد التي أرسلها أصحابها  للمشاركة في المسابقة التي تقيمها الشئون المعنوية كل عام في ذكري حرب أكتوبر المجيدة، لم أعثرعلي قصيدة واحدة  يحاول صاحبها أن ينتمي من قريب أو بعيد إلي قصيدة النثر أو حتي يبدو عليه أنه قرأ أو تأثر بهذا التيار، مئات القصائد من العاصمة والأقاليم من شرائح ثقافية واجتماعية مختلفة يحاكي أصحابها الشكل العمودي للقصيدة، علي الرغم من أن هذا الشكل يخلو من مقومات بنية الشعر العمودي، سواء الوزن أو القافية وغالباً مايفتقد سلامة اللغة ويخلو من روح الشعر، لكنه يتمسك بالشكل العمودي للقصيدة، والأمر لا يختلف كثيراً مع تيار الشعر الحر فلم تكن قصيدة التفعيلة أفضل حظاً من القصيدة التي تمردت عليها »قصيدة النثر»‬ فقط هناك بعض النصوص القليلة جداً التي أدرك أصحابها وجود تيار الشعر الحر في الأدب المصري.
كان لابد أن أسأل نفسي وأقف طويلاً أمام السؤال المؤلم بالنسبة لي.. ألم يسمع هؤلاء خلال ستة عقود أو يزيد عن المعارك التي دارت رحاها علي صفحات الجرائد والمجلات وفي مئات الأمسيات والندوات عن الموقعة الأولي بين الشعر العمودي وتيار الشعر الحر،ولا تمرد قصيدة النثر علي قصيدة التفعيلة، فالصدام الشعري الأول لم يبدأ بين العقاد مع حجازي ورفاقه بل بدأ مبكراً في مصر  من خلال مقدمة لويس عوض لديوانه »‬بلوتلاند» وإرهصات أخري سبقت قصيدة حجازي الشهيرة في مؤتمر دمشق حين خاطب العقاد »‬من أي بحر عصي الريح تطلبه/ إن كنت تبكي عليه فنحن نكتبه» ما أقصده أن هذه المعارك الأدبية التي خاضها فرسان الشعر في العراق ومصر ولبنان أصبحت من الكلاسيكيات، وغدت قصيدة التفعيلة ومن بعدها قصيدة النثر من البديهيات في عالم الشعر، فكيف غاب كل هذا التاريخ عن هذا الجيل الذي يبدو من خلال مئات النصوص التي قرأتها أنه لم يتأثر سوي بكتاب المطالعة، بالنماذج المتواضعة التي وضعوها في كتب القراءة علي أنها الشعر الحديث والمعاصر، وفيما عدا ذلك غاب الشعر عن جيل بكامله. ودون شك كان السؤال التالي هل لم يعد للشعر تأثير حتي بين من يحاولون كتابة الشعر؟ وتأكد هذا الهاجس في عام 2018 من خلال مشاركتي في لجنة التحكيم لجائزة أحمد فؤاد نجم التي تنظمها مؤسسة ساويرس، فبعد قراءة سبعين ديوانا شعرت بعمق الهوة السيحقة بين الجيل الذي بدأ الكتابة في العشرية الأولي والثانية من الألفية الثالثة وبين تراث شعر العامية المصري ليس فقط المكتوب من عبدالله النديم وبيرم التونسي وصولاً إلي الأبنودي وسيد حجاب ومروراً بفؤاد حداد وصلاح جاهين وغيرهم بل ومع تراث شعر العامية غير المكتوب الذي وصلنا من خلال الأغاني التي كتبها بديع خيري وأبو السعود الإبياري ومأمون الشناوي وعبد الفتاح مصطفي وحسين السيد ومرسي جميل عزيز وأحمد رامي وعشرات من الشعراء الذين كان ومازال لهم الأثر الأعظم في تشكيل الوجدان المصري، فكيف غاب هؤلاء فجأة عن هذا الجيل ومعهم غابت ليس فقط روح الشعر بل والروح المصرية لتزدحم الدواوين بالبكاء والعويل والحسرة والألم والاحباط علي هذه الحياة في أسلوب يكاد يكون متقاربا إلي حد التطابق ومن خلال مفردات متكررة ، وكان السؤال أيضاً كيف تقطّعت السبل وانهارت الجسور بين هؤلاء وبين الثقافة المصرية بمعناها العميق ورموزها الأساسية ليكون ناتج السواد الأعظم من هذه الدواوين محض خواطر خالية من جماليات الكتابة ، فهل هذا ناتج طبيعي لتدهور وتردي أوضاع التعليم والثقافة في مصر في العقود الأخيرة التي بدأت في سبعينات القرن الماضي، أم أن الخلل أصاب لغة الحياة اليومية في مصر في كل أشكالها فأنسحب هذا علي شعر العامية بالتبعية، وعلي الأرجح كل هذه الأسباب مجتمعة وغيرها أيضاً .ودون شك كانت هناك استثناءات في هذه الأعمال ولكنها قليلة .
لم تكن القضية بالنسبة لي في الحالتين تواضع مستوي الكتابة أو ضعف الموهبة، بل فساد الذائقة وابتعادها وقل أيضاً انفصالها عن الثقافة المصرية، فماذا حدث وكيف تحولت الثقافة إلي عمل للنخب لا يتجاوز تأثيره حدود الأماكن التي يرتادها المثقفون وكأنهم حزب أقلية في طريقه إلي الانقراض لا علاقة له بما يحدث في الواقع، ففقد تأثيره وفاعليته ! وأنا أقرأ هذه الأعمال تذكرت لقائي بمجتمع المثقفين في القاهرة عام 1989 وكنت في المرحلة الجامعية وكيف التقيت بأجيال مختلفة من الأدباء ولم أشعر أنا أو هم أن بيننا هذه الهوة السحيقة التي شعرت بها وأنا أقرأ الجيل الذي بدأ الكتابة في العشرية الأولي والثانية من الألفية الثالثة، بل كان بيننا العديد من نقاط الالتقاء كما كان ومازال بيننا العديد من محاور الاختلاف، لكن في النهاية ثمة جسور مشتركة بيننا. وسوف يظل السؤال الأهم لا يتعلق بمستوي الكتابة بل بانعدام تأثير الأدب في الجمهور، فثمة شعور بأن هناك من قام بتجريف حقول الثقافة المصرية، أو قام باعتقال الحضارة المصرية في سراديب الجهل لصالح الفكر الغيبي، وتغييب وعي المصريين.
• • •
في مسابقة أخري للرواية شارك فيها شباب الجامعات في محافظات مصر ومن أصل خمس وعشرين رواية هناك ثلاث روايات مسروقة علي الأقل، حيث  شارك أحدهم برواية نقولا حداد »‬الصديق المجهول» فقط حذف اسم المؤلف ووضع اسمه! فما الذي دفع طالبا جامعيا لسرقة رواية ليشارك بها في مسابقة رسمية؟  وعلي الرغم من أن هناك نقاطا تدعو إلي التفاؤل فالبعض رغم سذاجة المعالجة قدم أفكاراً جديدة تتناسب واللحظة الراهنة حيث التركيز علي التقدم التكنولجي وثورة الإتصالات ولكن من ناحية أخري عدد كبير من الروايات تناول السحر والشعوذة والأفكار الغيبية ، وأغلب الأعمال تخلو من اللغة السليمة والبناء والحبكة، محض حكايات تدل علي أن هؤلاء قاطعوا أو حُجب عنهم تاريخ الرواية المصرية  كما حُجب عن أقرانهم ستة عقود من الشعر المصري بعد أن أصبحت الثقافة للمثقفين فقط أي لمن يمارسون المهنة وليس للجمهور وكأن هناك من قرر وضع الحواجز والأسلاك الشائكة بين الثقافة والشعب، أو تصدير نوع من الثقافة السطحية التي لاتدعو إلي التفكير أو طرح الأسئلة، ثقافة تدعو إلي تعطيل إعمال العقل بل وحبسه في غياهب الجهل لتزداد المسافة الشاسعة بين الجماعة الثقافية التي أصبحت أعمالها تصارع المدارس الأدبية والاتجاهات النقدية الحديثة بعيداً عن الواقع وبين الثقافة التي تشكلت في وعي الجماعة الشعبية من الأغاني الهابطة والروايات الركيكة والمسرح التجاري وسينما المقاولات كثقافة بديلة عن منتج الجماعة الثقافية الذي لا يعبر عنهم ، فلم يعد هناك طه حسين، سلامة موسي ، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ ، يحيي حقي، يوسف إدريس! أو الجيل التالي ، فقط أصبح السائد والمعتمد في وسائل الإعلام علي مدي أربعة قرون اللاثقافة.
• • •
لم يختلف الأمر كثيراً في دور العرض  فمن خلال مشاهدة سبعة وثلاثين عرضاً تنافست علي جوائز الدورة الحادية عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري تميزت عروض الشباب وخاصة  من الجامعات والمعاهد المسرحية  وكانت هذه هي النقطة المضيئة، ولكن في المقابل تراجع المستوي الفني للعروض التي أنتجتها وزارة الثقافة ممثلة في العديد من القطاعات حيث جاء المستوي الفني هزيلاً ومتواضعاً  ناهيك عن فوضي استخدام المصطلح وخاصة فيما يتعلق بالتأليف والإعداد والدراماتورج ناهيك عن غياب النص المصري أو حضوره الباهت مما جعلني أطالب في نهاية الدورة وزارة الثقافة والمسئولين عن المسرح بتخصيص عام 2019 للكاتب المسرحي المصري. حيث شارك البيت الفني للمسرح بثمانية عروض، خمسة منها عن نصوص أجنبية »‬يوتيرن – البؤساء- السيرة الهلامية – سنو وايت – أنا كارمن» وتفاوت التوصيف العلمي للمعالجة الدرامية للنصوص كما جاء في بطاقات العروض، فرغم ذكر المصدر الرئيسي إلا أن البعض استخدم مصطلح الإعداد والآخر التأليف، والعروض الثلاثة الأخري »‬الثامنة مساء – الساعة الأخيرة – يوم معتدل جداً» والأخير ارتجال جماعي. وبالإضافة إلي تواضع المستوي الفني ابتعدت العروض عن مناقشة قضايا الواقع ، بل هناك هروب واضح وصريح وفي أحيان كثيرة متعمد من أسئلة اللحظة الراهنة، وبالطبع لسنا ضد النصوص الأجنبية ولكن ، بعد مشاهدة هذه العروض وفشلها في طرح رؤية جديدة تبرر هذا الاختيار، وحتي ورشة الارتجال التي حاولت الاقتراب من الواقع  في مسرح الشباب قدمت لغة ركيكة وصلت إلي حد الانحطاط في بعض المشاهد التي طرحت صورة مباشرة وفجة بل ومبالغ فيها تدل علي انعدام الأخلاقيات في المجتمع  فقط  قدم العرض صورة مباشرة تخلو من الإبداع.
إذا تأملنا  هذه العروض التي اعتمدت علي النصوص الأجنبية مثل »‬يوتيرن» عن نص الأمريكي ثورتن وايلدر أو السيرة الهلامية عن هاملت لشكسبير أو البؤساء عن رواية هوجو التي تحمل نفس الأسم أو كارمن المأخوذة عن أوبرا كارمن للموسيقي جورج بيزيه سنجد أنها تشترك في عدم اقناع المشاهد في إيجاد مبرر إلي اللجوء لهذه النصوص التي قدمت جماليات فارغة من المعني، استعراض عضلات فنية، فليس هناك رؤية يشعر المشاهد أو قل يتأكد من غياب الرؤية الشاملة لمسرح الدولة الذي يعمل دون استراتيجية ، والمسارح بعيدة عن هويتها ، وأيضاً بعيدة عن قضايا الواقع.
ولم تكن الهيئة العامة لقصور الثقافة أفضل حالاً فمن خلال خمس مشاركات في المسابقة الرسمية وهي العروض التي فازت بالجائزة الأولي في مسابقات قصور الثقافة في المهرجان الختامي تميزت تجربة نوادي المسرح التجربة الأكثر ثراء في مسرح الثقافة الجماهرية التي اعتمدت علي المواهب الحقيقية التي تعمل من خلال التخيل  وليس من  الميزانية مثل الشرائح الأخري ، حيث تصل ميزانية شريحة النوادي إلي ألف وخمسمائة جنية تقريباً فأصحاب هذه الشريحة يقدمون المسرح من أجل المسرح ومن خلال عرضين شاركا في المسابقة الرسمية الأول »‬قابل للاشتعال» من  نادي مسرح الأنفوشي الذي كتبه مخرج العرض أشرف علي عن مجموعة نصوص تناقش الوجود والموت والحياة ويطرح مجموعة من الأسئلة الميتافيزيقية والعرض الذي كتبه المخرج عن هذه النصوص كما جاء في بطاقة العرض يظل مجموعة من الأفكار المجردة تكاد تخلو من الحبكة الدرامية مجموعة من الأسئلة أقرب إلي المراهقة الفكرية! أما العرض الثاني »‬ستديو» نادي مسرح شبين الكوم والذي  كتبه أيضا المخرج علاء الكاشف ومنحته لجنة التحكيم جائزة أفضل مؤلف صاعد يطرح حكاية مصور فوتغرافي تقليدي يشعر بإنتهاء عصر هذا النوع من الصور فيغلق الباب علي نفسه في الاستديو ويجتر ذكرياته مع الجمهور علي وقع  أغاني محمد عبدالوهاب في إشارة لهذا الزمن الذي ذهب وولي بكل مفرداته، وربما خبرة صاحب هذا العرض جعلته يقدم حالة مسرحية أقرب إلي المسرح الحميمي الذي يشارك ويتفاعل معه الجمهور من خلال شخصيات درامية ثرية علي عكس »‬قابل للإشتعال» ويظل كلا العرضين محاولة لم تكتمل.
أما العروض الثلاثة ذات الإنتاج الكبير فقدمت أيضاً ثلاثة نصوص أجنبية لداريفو وشكسبير وأرثر ميلر، وتطرح من خلال المشاهدة سؤالاً مهماً حول مدي ملاءمة النصوص للفرق  وأقصد الإمكانيات الفنية للممثلين بل وللجمهور المستهدف حيث تحول استخدام  النصوص الأجنبية إلي مجرد موضة وخاصة حين لا يقدم العرض مبررات فنية تبرر اختيار العمل، وما لا أفهمه أيضاً  أن يعمل المخرج بعيداً عن قضايا اللحظة، عن أسئلة الواقع. وبعد مشاهدة خمسة عروض من الثقافة الجماهيرية تمثل ثقافات وبيئات مختلفة يطرح السؤال نفسه بقوة ما علاقة هذه العروض بفلسفة هذه المؤسسة ، وهل تختلف عن عروض البيت الفني للمسرح، مسرح العاصمة، والإجابة المؤلمة أنها لا علاقة لها لا بفلسفة هذه المؤسسة ودون شك لا تختلف عن أي منتج يقدمه قطاع آخر، مجرد نص أجنبي مشهور اختاره مخرج مع مجموعة من الممثلين. فالهيئة العامة لقصور الثقافة أن لهم دورا خاصا مشروطا بفلسفة هذه المؤسسة ودورها الكبير  كخط دفاع قوي عن الهوية الثقافية المصرية.
وفي نوع آخر من العروض التي تم انتاجها في أرض الجزيرة سواء في دار الأوبرا الجديدة بعد احتراق وزوال الأوبر الخديوية أو مركز الهناجر للفنون وأخيراً مركز الإبداع ومن قبل صندوق التنمية الثقافية جهة الإنتاج وممول هذه الفضاءات الحديثة  في المسرح، هذه الفضاءات التي قدمت حالة مسرحية مختلفة  بعيدة عن الأيديولوجيا أو قدمت المسرح غير الجماهيري، العروض محدودة المشاهد ، المسرح الذي لا يؤثر في الواقع أو رجل الشارع  بدءا من مدرسة الرقص المسرحي الحديث في الأوبرا، مروراً بمركز الهناجر وعروضه التي اقتصرت علي شريحة محددة والذي كون مجتمعاً مغلقاً وخاصاً وصولاً إلي مركز الإبداع الذي هو أقرب إلي ورشة تدريب وتأهيل الممثلين تقدم كل عام ناتج هذه الورشة  في صورة عرض مسرحي ، لكنه في كل الأحوال  ليس المسرح في منطقة الأزبكية أو من قبل في شارع عمادالدين، ففي الشاطئ الآخر والعهد الجديد في تسعينات القرن الماضي كان لابد أن يكون المسرح للنخبة أي مسرح بلا جمهور أو لشريحة محددة، وقد حدث بالفعل، لا أعرف كيف تبلورت هذه الفكرة عبر سنوات ولكن سواء أكانت هناك نية لهذه العزلة أم لا، لكن النتيجة بعد ربع قرن تم تحديد إقامة المسرح المصري في بقعة محدودة ومحددة. والعروض الستة التي تم إنتاجها علي الشاطئ الآخر بما فيها عرض مركز إبداع إسكندرية والتي شاركت في المسابقة الرسمية  في الدورة الحادية عشرة ترث هذه الفكرة بقوة، فهي عروض أنيقة وجميلة لا تغرس أقدامها في التراب بل تمشي الهويني علي بساط حريري حتي وهي تناقش قضايا الواقع وتتعرض لقضايا شائكة، عروض في أحيان كثيرة أشعر أنها تسعي لطرح أسئلة الاتجاهات المسرحية الحديثة وليس قضايا الواقع، عروض كأنها تحدث في العالم الافتراضي لا في الواقع المصري، هذه العروض التي كانت بداية انفصال المسرح عن جمهوره وتحييده تحت شعارات التجريب والتجديد، وهو حق يراد به باطل تقريبا لأن أغلب هذه العروض التي تستعير مدارس واتجاهات حديثه دون وعي ولا علاقة لها بالتجريب، بل قل لها علاقة  بالتقليد!
أما عروض المسرح الجامعي فهي النقطة المضيئة في عام 2018 والتي حصدت  العديد من الجوائز واستحقت أن تكون الحصان الأسود الذي صفق له الجمهور علي حساب مسرح الدولة صاحب الميزانية الأكبر، هذه العروض بالإضافة إلي المستوي الفني الذي يشير إلي وجود روح جديدة في المسرح المصري روح متمردة علي الأعراف والتقاليد البالية، نحن أمام جيل يناقش قضايا الواقع بقوة بكل ما تحمله من مخاطر حيث تعرضت أغلب هذه العروض للقضايا الآنية في حين هرب مسرح الدولة إلي نصوص أجنبية وقضايا وهمية كما حدث في عروض أنتجها البيت الفني للمسرح مثل البؤساء عن رواية فيكتور هوجو والسيرة الهلامية عن هاملت، وكارمن وغيرها من العروض التي كانت مجرد ديكور وإكسسوار وبعض المهارات التمثيلية التي تخلو من رؤية للعالم ! وكعضو لجنة تحكيم لوكان الأمر بيدي لمنحت جميع الجوائز للفرق الجامعية لأنني اعتبرت ليس فقط هذه الدورة دورة المسرح الجامعي بل عام 2018 بكامله. حيث شاركت الجامعات بثمانية عروض »‬سبارتاكوس البؤساء، سر العودة، سجن اختياري، هاملت ، الزيارة  رحيم ، البؤساء» ومعهد الفنون المسرحية بعرضين »‬دراما الشحاتين، إنهم يعزفون» وبالإضافة إلي المستوي الفني يشعر المشاهد أن هذه العروض تحاول الإقتراب من قضايا الواقع وطرح أسئلة اللحظة المعاشة، وأن هناك رؤية للعالم فهؤلاء الشباب أصحاب مشروع مسرحي ولا يقدمون فقط  مجرد عرض متميز، وتقريبا كانت العروض لمؤلف واحد خمسة منها  للمؤلف الشاب محمود جمال وهي ظاهرة يجب أن نتوقف أمامها كثيراً »‬سبارتاكوس، سجن اختياري، سر العودة، إنهم يعزفون، البؤساء» والأخيرة إعداد عن النص المسرحي الذي كتبه آلان بوبلين عن رواية هوجو، ومنحت لجنة التحكيم نص »‬سجن اختياري» جائزة أفضل نص كتب خصيصاً للمسرح وهو يستحق دون شك حيث يطرح من خلال حبكة قوامها حكاية معاصرة فكرة السجن الداخلي الذي يختاره الإنسان، حين يكون سجين فكرة ما وينتهي العرض نهاية عبثية.
 أما المفاجأة الحزينة فكانت ستة عروض تحت عنوان الفرق الحرة والمستقلة شاركت في الدورة الحادية عشرة وهي نتاج العام الماضي »‬لجميع الفئات العمرية – الحبل الأحمر– العش – سرد أحداث موت معلن – المهاجر – كاليجولا» بالإضافة إلي  مشاركة بنك مصر بعرض »‬الإلياذة » ووزارة الشباب والرياضة بعرض »‬رجل لكل العصور» وظني أنها مشاركة بلاعنوان أو ملامح، بلا أي شيء، مشاركة باهتة كأنها لم تحدث تقريباً. تمثيل روتيني  فقراءة العروض تؤكد أننا أمام مستوي متواضع، إما لضعف مستوي الفرق التي شاركت علي حساب فرق أخري، أو لتراجع مستوي هذا التيار ولكن النتيجة الملموسة أن المشاركة ضعيفة علي المستوي الفني. وفي العروض الثلاثة التي تم اعدادها من خلال ورش للشباب »‬جميع الفئات العمرية » مع سلم نفسك ومعتدل جدا مع تفاوت المستوي الفني تطرح فكرة اللامسرح، فقط مشاهد تجمع بين الفارص والمحاكاة التهكمية وأسلوب الجروتسك لدرجة أنني يمكن أن أجمع بينهما في عرض واحد ولن يتأثر البناء فعلي سبيل المثال استعار عرض معتدل جدا الذي جاء نتيجة ورشة مسرح الشباب مشاهد من عرض سلم نفسك مثل مشهد انحطاط الأخلاق في الأسرة المصرية لكن مع الفرق في المعالجة الدرامية والتي جاءت في رأي معتدل جدا فجة وركيكة، والتشابه الكبير بين  مشهد الإرهابي في سلم نفسك والفئات العمرية، وهذا يشير إلي أن هناك موضوعات محددة لهذه العروض مثل الإرهاب وانحطاط الأخلاق وفساد الجهاز الإداري والجهل، والسلوك العشوائي للجمهور في الشارع  مع إلقاء اللوم علي الشعب! وبعيدا عن المستوي الفني هل ستصلح هذه المشاهد من المساوئ التي يعاني منها الشارع المصري؟ حيث ظهرت عروض المسرح المستقل في صورة متواضعة بل تقليدية، وجاءت عروض الهواة من شباب الجامعة أكثر تميزاً في طرح رؤي جديدة ليس فقط في مفردات العرض المسرحي بل محاولة مناقشة قضايا الواقع، وفي النهاية تراجع المسرح المستقل وظهوره بهذا المستوي المتواضع يحتاج إلي دراسة لمعرفة الأسباب التي أدت إلي تراجع هذا التيار الذي كان الأكثر توهجا وتأثيراً في تسعينات القرن الماضي واستمر في العشرية الأولي من هذا القرن. فماذا حدث؟ ليس فقط للفرق المستقلة أو للمسرح المصري، بل للثقافة المصرية؟