رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

أبو قير «كانوب»


د. يسرية عبد العزيز حسني
1/26/2019 10:24:02 AM

»مجد كانوب.. أبوقير الغارقة والاكتشافات الحديثة»‬ عنوان كتاب للدكتورة يسرية عبدالغني حسني، يصدر عن هيئة قصور الثقافة، تتناول فيه ضاحية أبي قير بالإسكندرية متوقفة عند أهم الاكتشافات التي مرت بها علي مدار تاريخها.. وننشر هنا المقدمة التي تسرد فيها تاريخ »‬أبوقير» والأساطير التي دارت حولها.

أبو قير الإسم المحرف للأب قير الذي دفن فيها إبان عصر المسيحية المبكر، والتي كان من المعروف أن اسمها في العصر الفرعوني (برجوتي) أو (بي جوتي)، وكان الإله الذي يحتل مكانة كبيرة فيها هو أوزوريس، وكان المصريون يدعونه في العصر الفرعوني المتأخر (جنوب)، وحرفت إلي (كانوب)، وعرفت به.
أسطورة الأواني الكانوبية
يقال إن اسمها المصري هو (كاهينوب) وهي تعني الأرض الذهبية،
كما تقول أسطورة قديمة إن كانوب كان إلهاً مصرياً قديماً كما ذكرنا (ربما هو نفسه جنوب السابق ذكره)، وهو ذو جسد عبارة عن إناء خزفي. ونعرف أن أواني حفظ الأحشاء تعرف بالأواني الكانوبية ومن ثم أخذت اسمها من هذه المدينة التي كانت تعبد الإله أوزوريس، وحيث جمعت إيزيس أشلاءه مع آخر قطعة وجدتها في كانوب وحفظتها به.
تلقد كان لكانوب في العصر الفرعوني معبدها الخاص بالإله أوزوريس، والذي تحول في العصر اليوناني إلي معبد للمعبود سارابيس باسم السيرابيوم حتي يمكن تقريب الديانتين المصرية والإغريقية، وهو الذي كان ذا شهرة عظيمة ربما تفوقت شهرته علي شهرة سيرابيوم الإسكندرية.
كانت الآلهة الرئيسية الفرعونية للمنطقة الكانوبية هي أوزوريس (رب المستنقع)، وإيزيس (ربة البحار)، وأمون جرب خاصة خونسو الإله الطفل الذي يأتي بمعجزات، وقد شبههه اليونانيون بالإله هرقل.
ظلت كانوب وحتي خلال القرن الثالث ق.م مركزاً من أهم مراكز الديانة في مصر، فهي الأشهر لشعبية آلهتها، وأيضاً لأهمية قدس أقداسها المكرس لعبادة الأسرة المالكة البطلمية لقربها الشديد من العاصمة الإسكندرية، إلي جانب هوائها ومزارعها ومبانيها والترعة بينها وبين الإسكندرية التي تقل رواد المنطقة من السكندريين لقضاء أوقات بهيجة.
كانت أوائل الاكتشافات عندما اكتشف أول مدير للمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية جوسبي بوتيت Boti مع هاوي الآثار دانينوس بين عام ١٨٩٢ - ١٨٩٣ أولي مبان أثرية في منطقة قلعة توفيق، والتي صنفت منذ زمن بعيد علي أنها ربما معبد يوناني روماني يحتوي علي كميات ضخمة من الآثار الفرعونية أحضرت من مدن الدلتا والصعيد وربما هنا يكون لي اعتقاد، وهو أنه بما أن مدينة كانوب ترجع إلي العصر الفرعوني، وهي برجوني كما أسلفنا، أو حنت ساو كما سيأتي ذكره ، فالآثار الفرعونية التي تزين هذه المعابد أو الأماكن قصد بها تزيين معبد فرعوني موجود فعلاً في هذه المنطقة ربما حدث له تعديل أو تحوير بعد ذلك ليتحول إلي معبد يوناني روماني، حيث إن المعبد أصلاً كان لعبادة أزورريس (أوزيرابيس)، فليس هناك من داع إذن إلي القول بأن هذه الآثار الفرعونية قد أحضرت من مدن الدلتا والصعيد لتزيين أماكن أو معابد أو مدينة يونانية رومانية، وينسحب هذا أيضاً إلي ما قيل بعد ذلك عن الإسكندرية.
من المؤسف أنه في تلك الفترة لم ينشر سوي أربع صفحات لا تحمل أي توضيح ، سواء بالتصوير الفوتوغرافي أو برسوم توضيحية للآثار المكتشفة, لذا فقد كانت مطابقتها مع موقع معين تعد غير دقيقة، وقد قام بريتشيا بعد ذلك بعدة حفائر أخري ، وفي الناحية الشرقية من شبه الجزيرة تحديدا عند قلعة الرملة أسفرت حفائره عن كشف عدد كبير من اللقي الأثرية قرر بعدها برتشيا عام 1914 أن كانوبوس القديمة لابد أن يتطابق موقعها مع الموقع الأثري الكبير الذي اكتشف قرب قلعة توفيق علي الناحية الغربية لجزيرة أبي  قير وأن البقايا أمام قلعة الرملة هي القرية القديمة (مينوتس ) وكذلك فإن المؤرخين القدماء والعلماء المحدثين يميلون إلي مطابقة رأس أبي قير الحالية مع رأس زفيريون التي ذكرت في المصادر القديمة، حيث أقيم معبد أرسينوي أفروديت الذي ذكره كاليماخوس، والذي من المفترض أنه كان يقع مكان قلعة البرج الحالية .
قد تكون هناك بعض التحفظات من قبل بعض العلماء المحدثين علي توقيع موقع كانوب في السابق عند قلعة توفيق، وعلي أنه ليس أكيداً أن رأس زفيريون التي جاءت علي لسان المؤرخين هي رأس أبي قير الحالية علي اعتبار أنه قد تم (١) تحديد موقعها ببساطة في مكان ما بين تابوزيرس بارفا والحدود الكانوبية، وهم يعتبرون حتي أن تابوزيرس نفسها هي أيضاً غير معلوم مكانها تحديداً ، ولكن هذه الاعتراضات يمكن الرد عليها بأنه حسب الخرائط الباثيمترية الحديثة فإنه لا يوجد نتوء داخل في البحر من شاطئ الإسكندرية حتي رشيد سوي رأس أبي قير الذي وصف بواسطة المؤرخين بالنتوء كذلك فإنه حتي بدايات القرن العشرين كان يمكن رؤيه نتوء داخل في البحر في المنتزه علي حافته بعض آثار المباني والحمامات. إنها تمثل بقايا تابوزيرس بارفا وذلك طبقاً لما رأي وذكر فورستر عام ١٩٢٢.(منطقة الراس السوده وحتي ابي قير معروف أنها تابوزيريس بارفا أي منطقة عبادة الأله اوزوريس واكتشف بها معبد الرأس السودة المعروض في شارع أبو قير بمنطقة باب شرق بالأسكندرية الآن بعد نقله لها ).
لقد أدت أعمال التنقيب التي قامت في أوائل التسعينات من القرن العشرين، والتي شملت عدة مواقع في خليج أبي قير، وجزيرة نلسون، وأمام قلعة الرملة تحت مياه الخليج، وفي موقع هيراكليون، إلي اكتشافات علي درجة كبيرة من الأهمية، إذ أنها أدت إلي مساعدتنا علي الترجيح بتوقيع المواقع، وربما أيضاً تأكيدها، ففي جزيرة نلسون (كانوب)، وهي التي أصبح جزء كبير منها الآن تحت مستوي سطح البحر، وهي تبعد ٤ كيلو مترات إلي شمال رأس ابي قير، ويبلغ طولها ثلاثمائة وخمسين متراً اكتشف عليها في المنحني الفاصل بين النتوء الشرقي والجزيرة مقابر خالية من النقوش ترجع إلي العصر الفرعوني المتأخر. كذلك عثر علي مومياوات وبعض التوابيت والدفنات، مما يؤكد أن الجزيرة كانت يوماً متصلة بالأرض (٢).
منشآت أثرية لم تكتشف في السابق، أيضاً، بينما لم يمكن العثور في أية طبقة في الإسكندرية علي المرحلة المبكرة من الغزو المقدوني في الحدود العمرانية للعاصمة القديمة، فإن حدود مساحة جزيرة كانوب قد منحتنا هدية مهمة غير متوقعة، وهي مستوطنة هيللينستية مبكرة من أواخر القرن الرابع إلي أوائل القرن الثالث ق.م، تقع علي النتوء الشرقي وعلي ارتفاع خمسة عشر متراً فوق مستوي سطح البحر، بقايا منازل فقيرة، وبقايا فخار من أنحاء متعددة، يبدو أن هذه المنازل كانت مؤقتة لعمال عاملين في المباني القريبة. لقد أدي التنقيب أيضاً إلي اكتشاف حصن ذي استحكامات ضخمة من الفترة نفسها، والحقيقة أنه لم تكتشف بقايا حصون من العصر الهيللينستي في مصر سوي في سيناء في مدينة »‬تل الحير» (وتحت حصن سيلا أمكن أيضاً اكتشاف نظام هيدروليكي للماء، حيث اكتشف نفق يؤدي إلي صهاريج وبئر ومواسير ممتدة من الفخار). ربما قد يثار سؤال عن سبب سكن البعض مثل هذه الجزيرة غير الملائمة للسكني حيث لا مصدر للماء، لكن الإجابة قد تكون في الاكتشافات، حيث رجح أن هذه الجزيرة كانت في الماضي علي بعد كيلو مترين فقط من ميناء هيراكليون، ويرجح أن جزيرة كانوب كانت تلعب دوراً استراتيجياً في المراقبة والتحكم البحري في المرور الداخل والخارج للمنطقة الكانوبية، كما أنها نقطة دفاع متقدمة بالنسبة إلي الميناء ومدخل مصر، حيث وجدت طلقات المنجنيق الرصاصية ورؤوس حراب، والدلائل تؤكد ان هذه المستوطنة قد بنيت في نهاية القرن الرابع ق.م مع غزو الإسكندر واختفت خلال النصف الأول من القرن الثالث الميلادي.
إلي الشرق من كانوب نجد أنه قد سكنت علي عمق قدمين في باطن الرمال وعمق2١ قدماً تحت مياه مظلمة مدينتان مصريتان أو ضاحيتان كبيرتان في إقليم كانوب كانتا يوماً ما شهيرتين، هما مينوتس وهيراكليون (ثونيس). كانتا تقعان علي المدخل التجاري لنهر النيل، وهو الفرع الكانوبي علي البحر المتوسط. لكن انتهاء نجاحهما أو شهرتهما الفجائي والغامض كان محل كثير من التساؤلات والبحث والتفسير، لكننا نجد أنه من البقايا الأثرية التي اكتشف تحت الماء، أمكن للأثريين أن يتعرفوا كيف أن ساكني مينوتس مثلاً قد تركوا الأماكن في سرعة أو علي عجل، ولكن أيضاً .... إلي غير رجعة.
لقد جري بحث عن تحديد الإقليم الكانوبي المختلفي تحت الماء ودراسة الظروف التي أدت إلي غرقه، وناقش بعض الأثريين أيضاً، وكذلك أكد علي أن هذه البقايا التي وجدت في موقع مينوتس لابد وأن تكون جزءاً أساسياً من المدينة الأكبر كانوبوس، أيضا  يمكن القول بأن مينوتس كانت ضاحية كبيرة لكانوب ولم تكن مجرد قرية صغيرة، ولا مدينة كبيرة، حيث قيل أن بداياتها تعتبر أيضاً غامضة، فنجد أنه رغم وجودها في الإقليم الكانوبي منذ الأسر الفرعونية المتأخرة لم يذكرها سترابو عندما تكلم عن المنطقة الكانوبية في القرن الأول ق.م، والأرجح والذي أيضاً يعتبر ردا علي الاعتراضات السابقة الذكر، أنه ربما قد اعتبرها بأنها جزءاً من كانوب فذكرها ضمنا معها، فنجد أن أول ذكر باسم مينوتس جاء مع ما وصل إلينا من بقايا نقوش من القرن الثاني الميلادي حيث أهدي أحد المتعبدين تكريساً منقوشاً علي تمثال وهو من إيزيس (مينوتس) إلي إيزيس (فاروس) كذلك نجد أيضاً الخطيب »‬زخاري» قد ذكر مينوتس علي أنها قرية عندما عرض ظروف تدمير المعبد الوثني فيها فقال: في معبد هذه الإلهة إيزيس الذي كان في مينوتس، القرية التي علي بعد من الأسكندرية يبلغ عشرة أميال (١٤.٨ كم) ومجاورة لموقع كانوب.
كذلك نجد في القرن الرابع الميلادي كان ذلك الضريح الشهير للإلهة إيزيس مزاراً لكثير من الحجاج، يتجمعون في معبدها في مينوتس، وهو الذي جعل منها مركزاً دينياً كبيراً في مصر في ذلك الوقت، وقد تحول هذا المعبد بعد ذلك إلي كنيسة أو ضريح لا يقل شهرة للتبشيريين الإنجيليين (قير ويوحنا). إن اكتشاف هذا المعبد وموقع البقايا الأثرية قاد أو دفع المكتشفين إلي الاعتقاد الفعلي بتعيين موقع ضاحية مينوتس، وبحسب كل من هيرودوت وسترابون عند ذكرهما لميناء هيراكليون وموقعه من الفرع الكانوبي، وكذلك بحسب سانت أبيفانيوس، فإن مينوتس لابد أن تقع شرق كانوبوس علي بعد ميلين منها، وهي بحسب قول »‬سوفرون» البطريرك في عام ٦١٠ - ٦٢٠ م كانت في منطقة تلال رملية مرتفعة وموقعها يمكن تعيينه بسهولة، فإن بينها وبين هيراكليون ميلين أو .٩٦,2كم) ولو وضعنا هذه المسافة علي الخريطة بين البقايا الأثرية التي قال عنها عمر طوسون إنها لضاحية مينوتس، فإنه يتبقي كيلو متر واحد علي مصب الفرع الكانوبي، وهو المسافة بين هيراكليون والمصب الكانوبي والمعين من قبل هيرودوت وسترابون. وعند رجوعنا إلي وصف البطريرك سوفرون الذي وصف الضريح الذي تحول من معبد المعبودة إيزيس إلي ضريح القديسين قير ويوحنا، نجده يقول: إنه يقع بين الساحل الشرقي للبحر وبين تل من الرمال في الغرب، يمكن أن يراه المبحرون في أعالي البحر، يحوط به حائط مع وجود مدخل من ناحية البحر... إلخ.
إن هذا التحديد للموقع، مع خروج عدد كبير، سواء بواسطة برتشيا وعمر طوسون في السابق، من اللقي الأثرية، أو مع التمثال الرائع للملكة البطلمية في وضع إيزيس في المكتشفات الحديثة، وهو الذي يعرض في مكتبة الإسكندرية، وكذلك اكتشاف تمثال حربوقراط، والاكتشافات أيضاً لعدد من المباني والأعمدة الكبيرة الساقطة في صف واحد علي جانبي طريق كبير، وتماثيل أبي الهول وأوعية لحفظ النبيذ، وقطع نحتية وتماثيل وعملات ذهبية، وكذلك بعض الحلي، وهي التي اعتبرت مفتاحاً دالاً علي أن مينوتس قد غرقت سريعاً، فلو أن الانهيار كان تدريجياً ما تركت الحلي الثمينة والنقود علي الأرض، وقد أعطي العلماء احتمالاً كبيراً إلي أن غرق مينوتس لابد قد وقع بعد وقت قليل من عام ٧٤٠ ميلادياً، حيث لم يعثر علي عملات نقدية لأحدث من هذا التاريخ. إن البناء الضخم الذي استلزم مثل هذه الأساسات لابد أن يكون هو المعبد الشهير الواقع علي التل الرملي للإلهة إيزيس، حيث اكتشف أخيراً في موقع مينوتس ثلاثة أخاديد أو شقوق أحدهما يأخذ شكلاً هلالياً يبلغ طوله ١١٥ قدماً، ويبلغ عرضه خمسين قدماً في أوسع نقطة فيه. هذا الشق مملوء بالرمال وشقف الفخار، ورجح العلماء أن الذي ملأه هم البشر وليس البحر، وهو يقع مباشرة تحت جدار أثري كبير مبني من الحجر الجيري، مما يرجح أنه قد شق لعمل أساسات لتتحمل هذه المباني الضخمة.
إن الاكتشافات السابقة قد لا تعطي نتائج قاطعة، لكنها بكل تأكيد تبدو عظيمة مثيرة للتفاؤل. إن مينوتس بحجم اكتشافاتها تؤكد أنها كانت ضاحية مهمة من المدينة الكبيرة كانوبوس.
أما الميناء هيراكليون (ثونيس) الذي يقع قريباً منها إلي الشمال الشرقي علي مصب فرع النهر فهو من أكبر موانئ الإقليم، وشهرته عظيمة، حيث وجدت قطعة موزاييك من النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي في تل الروساس قرب مادابا بالأردن تبرز اسم ميناء هيراكليون من بين الموانئ الكبيرة في الدلتا. إن هيراكليون (ثونيس) يعتبر هو الموقع الوحيد المؤكد الذي تم تحديده ومطابقته فعلياً، من قبل البعثة المستكشفة وبما لا يقبل الشك، فها هو فرع النيل الكانوبي الذي يقع علي مصبه يبدو في الخرائط الباثيمترية إلي الشرق من كانوبوس، كذلك اللقي الأثرية والميناء والأرصفة وبقايا السفن وتجمعات كتل الأحجار الجيرية، ثم ذلك الناووس الجرانيتي الذي تذكر نقوشه الهيروغليفية التكريس لعبادة آمون جرب ذلك الإله الذي كان يتماثل مع الإله هرقل الإغريقي، وهي العبادة الرئيسية لهذا المعبود في هيراكليون، اكتشفت في موقع معبد هيراكليون الشهير، ورسمت خريطة لكتلة المعبد وسائر المباني.
تأمل الاكتشاف الكبير في موقع هيراكليون فهو اللوحة الجرانيتية التي تحتوي علي التعليمات الخاصة أو المرسوم الذي يحدد وجوب دفع الرسوم الجمركية علي البضائع التي ترد علي الموانئ لتدخل مصر وهي اللوحة التي تتطابق مع لوحة نقراطيس في تاريخها فهي من الأسرة الثلاثين للملك نختانبو الأول ٣٨٠ - ٣٦٢ ق.م مع اختلاف إسمي المدينتين، حيث الأولي المكتشفة عام (١٨٩٩) تحمل إسم مدينة نقراطيس (نقراش - كوم جعيف)، أما في اللوحة المكتشفة من الموقع الغارق هيراكليون فإن النص الهيروغليفي لمرسوم الملك يأمر بأن »‬توضع هذه اللوحة في فم بحر اليونانيين في مدينة »‬حنت - ساو» (قد يكون نسبة إلي قربها من مدينة سا الحجر أو »‬ساو» »‬سايس» عاصمة الأسرة ٢٦)، حيث تذهب الضرائب هنا إلي خزانة معبد الإلهة نيت في سايس، وربما يكون نسبة إلي ثوني أوثونيس الذي أطلق علي الميناء بحسب ما ذكر هيرودوت، هنا نجد أنه كان يحدث التباس في تمييز الإسمين ثونيس وهيراكليون حتي عرضت النظريات التي رجحت أنهما مدينة واحدة تكونت من إسمين أحدهما ثونيس والآخر هيراكليون، وهو الاسم الذي أطلق عليها بعد إعادة تجديد الميناء في اثناء العصر اليوناني والروماني والمذكور في النص اليوناني في النقش.
أما اكتشاف القناة الكبيرة بين هيراكليون وكانوب، والتي ذكر أن راغبي التنزه وقضاء العطلات والأوقات الجميلة يركبونها، فيعد أيضاً اكتشافاً كبيراً، وكذلك اكتشاف البناء أو الجسر الذي كان يصل بين غرب هيراكليون وشرق كانوب، واكتشاف حوض ميناء محمي بعدد من التحصينات في الركن الجنوبي الشرقي من المعبد، والذي كان مستعملاً خلال العصر البطلمي. إننا إذن أمام موقع تم تحديده، أما اللقي الأثرية الكثيرة جداً، والتي تتمثل في تماثيل عملاقة، مثل حابي إله النيل الفرعوني، ونيلوس إله النيل في العصر اليوناني الروماني، وتمثال ذات الجدائل، والعملات الذهبية والأواني الخزفية والبرونزية، فكلها خرجت من هذا الموقع الرائع. إن بعض التماثيل والأعمدة، والتي تصل إلي أطول ٢٠ قدماً، وجد أنها قد سقطت كلها باتجاه جنوب - جنوب غرب، وهنا فإن بعض العلماء - يرجحون - ومنهم العالم Nur «ivaldy من جامعة ستانفورد أن ما حدث في المنطقة إنما هو زلزال قد ضرب ساحل الإسكندرية القديم، ويرجح بعض الجيولوجيين حدوث ما يسمي بهبوط في الأرض، ويتفق علي أن هذا الهبوط قد حدث في المدن الساحلية المصرية إلي نحو ١٦ قدماً نتيجة هبوط مفاجئ في الأرض غطست معه مينوتس وهيراكليون وبعض كانوب في خليج أبي قير، والميناء الشرقي في خليج الميناء إثر زلزال حدث في منتصف القرن الثالث الميلادي،  في نفس وقت حدوث زلزال عنيف عام ٣٦٥ ميلادياً   قوته ٦.٧ - ٧ في الساحل الجنوبي لجزيرة كريت أسفر عن موجات عملاقة (تسونامي) أغرقت آلافاً من الناس في الإسكندرية، وربما أيضاً صاحب ذلك إنهيار أو تفتت في التربة.ويرجح بعض العلماء الآخرين أسباباً أخري للإنهيار، مثل العالم دانييل جان ستانلي Daniel Stanlyy، من معهد سميث سونيان، الذي يري أن الأرض الطينية الحسائية القوام تحت هيراكليون ومينوتس قد أسهمت في تسيب أو تفكك التربة، فهذه المدن كانت تقع علي ارتفاع قليل من سطح البحر كما ذكر البطريرك سوفرون، حيث روي أن كنيسة الإنجيليين والتي هي أصلاً معبد إيزيس في مينوتس كما سبق أن أشرنا: »‬ مبنية قرب شاطئ البحر علي أرض منخفضة غير مستقرة بين كثبان الرمال والأمواج، وهي تحت رحمة كليهما، فمن الشرق تضربها الأمواج الغاضبة والرمال الطاغية، ومن الغرب يتعدي شاطئ الرمال خلسة عليها». بالإضافة إلي أن الفيضان السنوي للنيل يغطي جزءاً منها مع حدوثه، ولابد أنه أحد الفيضانات هو الذي اكتسح وأغرق خليج أبي قير. ووفقاً لمقياس النيل فإن هناك فيضاناً قد حدث عام ٧٤١، ٧٤٢ م وهو ما تؤكده العملات التي وجدت وتؤرخ لعام ٧٤٠ م، كآخر تداول لها. ومعروف أنه في أثناء الفيضان فإن سرعة المياه تتضاعف، مما يسمح للنهر بأن يحمل ست مرات من الرمال والطمي. ومعروف أيضاً أن الأنهار قد تغير بعض مساراتها أثناء الفيضان، وقد تشق مسارات جديدة، وتطمس أخري قديمة، والمعلومات تبين ان الفرع الكانوبي للنيل، والذي كان يتتابع حتي هيراكليون، قد انطمس، ولا توجد قناة من النيل تتجه إلي البحر المتوسط من خلال خليج أبي قير الآن. وهناك ظاهرة أخري اكتشفت لابد أنها ترتبط بما حدث في الحوض الكانوبي، فقد اخذت عينات من النباتات والطبقات التي وجدت في البقايا الأثرية وحللت بواسطة كربون ١٤ فوجد أن هناك اختلاطاً بين طبقة طميية ترجع إلي ٢٠٠٠ عام وأخري ترجع إلي ٦٠٠٠ عام في الطبقة نفسها، وفي بعض المناطق وجد أن طبقة الطين الأقدم هي الطبقة الأعلي والأحدث هي السفلي، إن هذه الأبحاث ما زالت في أطوارها الأولي لكن هذه الاكتشافات إنما تبين ما يمكن أن يكون قد حدث لهذا الساحل منذ أكثر من إثني عشر قرناً من الزمان.
إن مئات التماثيل الرائعة والقطع الأثرية المهمة التي كانت تختفي تماماً تحت الرواسب والرمال علي عمق من ٣٠ سم - إلي عمق متر قدمتها لنا الاكتشافات الحديثة.