رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

علي منصور: رافقت عماد أبو صالح سنوات حرب العصابات


حسن عبد الموجود
3/1/2019 12:01:48 PM

في عام 1995 أصدر عماد أبو صالح مجموعته الشعرية الأولي وأهداها إليه هكذا: »علي منصور.. أعرف أنك تتسلل ليلاً إلي المطبخ وتسرق لبن مي لتسقيه لمحبتك لي.. أنا متشكر وخجلان»‬.
يقول علي منصور: »‬منذ أن عرفت عماد أبو صالح، في مطلع التسعينيات، والعلاقة بيننا ليست كأي علاقة بين شاعرين معاصرين بعضهما بعضاً، فرغم أنني أكبره بإحدي عشر سنةإلا أنني كنت أشعر بأنه الصديق الأقرب لي من بين كل أقراني، حكي لي كثيراً، وحكيت له كثيراً، وأحب ابنتي التي ولدت في مطلع التسعينيات، وأهداها لوحة (القطة) التي رسمها خصيصاً: إلي مي. وأشار إلي ذلك في أول حوار معه لجريدة أخبار الأدب».
لدي منصور الكثير من قصائد عماد المخطوطة، قبل أن يصدر أولي مجموعاته »‬أمور منتهية أصلاً»، ولدي عماد الكثير من قصائد عليكذلك، يقول علي منصور: »‬أهداني عماد نص (المحظوظ)، ثم حذف الإهداء عند النشر، وأهديته نص (صديق واحد يا رب.. صديق حقيقي واحد، ليس أكثر)، وحذفت الإهداء عند النشر»!
ويضيف: »‬رافقت عماد أبو صالح سنوات التسعينيات حينما شن عليه مجايلوه حرب عصابات، ربما كنت أنا الوحيد الذي يأتنس إليه عماد بالشكوي من هؤلاء الذين يجرون شكله بمناسبة وبدون مناسبة، وكنت دائما أهون عليه: تكفيك عبقريتك الشعرية، فيضحك عالياً: ويردف: ياراجل! دا أنا لو عاد بي الزمن، ما كنت أتمني أبداً أن أكون شاعراً، فقد أذلني الشعر كما لم يذل أحداً قط»!
ما لا تعرفونه عن عماد أبوصالح، يواصل منصور كلماته المحبة عن عماد، هو أنه يقتني موسوعة موسيقية وغنائية فريدة، ولديه مكتبة تسجيلات جمعها بنفسه ونسقها علي جهاز الكمبيوتر الشخصي الخاص به. يعلق: »‬أهداني نسخة منها، وفي ساعة صفاء ومحبة لا تجف أبداً، قال لي: أنت الوحيد الذي دخل غرفة نومي وجلس علي سريري، وهو يسمعني الأغاني ويلتقط الصور لنا سوياً».
وبحسب منصور فإن »‬العلاقة مع عماد شائكة وخطرة ومشدودة دائماً، من شدة الخوف عليها عاشت هشة وعصية علي القطع في آن واحد، يظللها الصمت أكثر من الكلام، والحرص أكثر من الاندفاع، والابتعاد أكثر من القرب. تكاد تكون غير قائمة وهي التي تسيطر علي التفكير طوال الوقت، تزهر في مواسم قليلة مثل زهر الليمون وسرعان ما يلفها برد طويل»، ويضيف: »‬ميدان التحرير والشوارع المتفرعة منه جميعها شهدت خطواتنا المنهكة وحكاياتنا الجميلة، كان أحيانا ينتقدني ويقول: لماذا أنت علي هذه الحالة الهائلة من السكونية؟ فأبتسم! ثم يواصل الحكي عن أمه وأخته وسنوات الجامعة، ذاكرته قوية وبديهته حاضرة مقابل ذاكرة مثقوبة وحالة مستفزة من السكينة تسيطران عليَّ. هذه العلاقة تناولتها بحذر شديد، كي تظل قائمة».
حينما بلغ منصور الستين، كتب عماد أبو صالح: »‬علي منصور صبي، لا شيخ ولا نبي. لا طفولة روحه، ولا ملامح وجهه، تعطي أي إيحاء بأنه عاش ستة عقود كاملة.  هناك غلطة. لابدّ أن أهله تجاهلوا، ككل الفلاحين، تسجيل اسمه في شهادة الميلاد فور مولده، وحين اضطروا لقيده أضافوا سنوات كثيرة إلي عمره.لابدّ أنه كان مختبئا، أربعة وخمسين عاماً في مكان ما بعيداً عن مخالب الزمن، وهاهو الآن بيننا طفل في السادسة لا الستينّ».
وكتب عماد أيضاً: »‬نجح علي منصور في أن يمدّ خيوط الصلة مع آباء عظماء مثل لاو تسو وكونفوشيوس وسعدي وحافظ والرومي وابن الفارض وكبير وطاغور، ليثبت لنا أن الشعر قرين البناء كما هو رديف الهدم، ويشتعل في السكينة مثلما يتأجّج في القلق، وينبت من الخير كما يولد في الشر، وينمو في الضعف مثلما يتغذّي علي القوّة».
كم مر علي أول لقاء بينهما؟ لا أحد يستطيع حساب ذلك بدقة، غير أن المؤكد أن اللقاء الأول تم أوائل التسعينيات، ومنذ ذلك التقت روحاهما، أصبحا صديقين، دون مشاحنات ولا اختبارات ولا »‬جسّ نبض»، والقرب الحميم بين شاعر وشاعر ليس سهلاً ولا بقليل، رغم تأكيد رامبو علي أن »‬الشعراء إخوة». يقول عماد: »‬علي يكبرني بجيل واحد، لكنه عاملني كابن، وكان ذلك غريباً ومربكاً، لأن جسده الصغير وملامحه الطفولية، تؤهله لأن يكون ابني لا أبي».
لذلك حينما أصدر عماد مجموعته الأخيرة »‬كان نائما حين قامت الثورة» أهداها إلي علي منصور هكذا:  »‬إلي علي منصور.. أبي.. وابني».
ينهي منصور:  »‬حينما قرأ عماد أبو صالح نصي (صديق واحد يارب، صديق حقيقي واحد ليس أكثر)، عرف من أول وهلة أنه المقصود برامبو، بينما فيرلين ليس سواي».