رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

مصطفي أمين الشاهد


حسن عبد الموجود
3/8/2019 2:32:44 PM

لا يوجد أفضل من مصطفي أمين ليحكي عن ثورة 1919.
الكاتب الصحفي الكبير وُلد في بيت الأمة، بيت سعد زغلول، وكان هذا البيت مركز قيادة الثورة. يقول: »عشت مع قائد الثورة 13 سنة في بيت واحد، فقد كان سعد زغلول خال أمي، وكان قد تبناها بعد وفاة أبويها، وكنت أناديه: يا جدي، وأنادي زوجته أم المصريين صفية زغلول: يا ستي، عشت أحداث الثورة يوماً بيوم، حضرت مواكبها وجنازات شهدائها، عاصرت انتصاراتها وهزائمها، رأيت المعارك بين الإنجليز المسلحين بالمدافع وبين المصريين المسلحين بالطوب»‬!

قرأ أمين مذكرات سعد زغلول، وكذلك قادة الثورة، وحصل علي كثير من مذكرات أعضاء الجهاز السري.. ولهذا يعد عمله الرائع »‬الكتاب الممنوع» واحداً من أهم المراجع عن ثورة 19.. تستطيع الأجيال الجديدة هنا أن تطَّلع علي قصص منه، قصص يسردها أمين بأسلوبه الرائع الذي يجمع بين بساطة اللغة وعمق التحليل ودقة المعلومة التاريخية.
1
ثورة 1919 هي ثورة شعب، كل الشعب، ليست ثورة طائفة أو طبقة، العامل والباشا حاربا فيها جنباً إلي جنب، الفلاح وصاحب الأرض عُلقا في مشنقتين متجاورتين، المسلم كان بطلاً والقبطي كان بطلاً، من مفاخر سعد زغلول زعيم الثورة أنه استطاع أن يوحِّد بين الأقباط والمسلمين في مصر، لم يراع نسبة عدد السكان بين الأقباط والمسلمين فألف الوفد بعدد من الأقباط أكثر من نسبتهم العددية.
ولقد كان الإنجليز يدعون أنهم يحتلون مصر لحماية الأقليات، وحينما انتزع سعد منهم هذه الحجة أسقط في يدهم وقد قال الزعيم غاندي إن »‬سعد زغلول كان أستاذي، وقد نجح في أمرين فشلت فيهما، نجح في التوحيد بين الأقباط والمسلمين، وفشلت في التوحيد بين المسلمين والهندوس، ونجح في أن يجعل جميع موظفي حكومة مصر يضربون عن العمل، وفشلت أنا في ذلك».
ولم تكن ثورة 19 ثورة علي الاحتلال البريطاني فقط، بل كانت ثورة اجتماعية أيضاً، فإن سعد زغلول أول من اختار الأفندية ليكونوا وزراء، وقد كانت الوزارة في مصر مقصورة علي الباشوات، وكان سعد يباهي بأنه زعيم أصحاب الجلاليب الزرقاء، وأن حكومته هي حكومة الرعاع، ولقد أطلق علي وزارته اسم وزارة الشعب، وكانت أول حكومة مصرية اعترفت بنقابات العمال في مصر، كانت ثورة 19 هي التي دعت إلي إنشاء بنك مصر، ومقاطعة البنوك البريطانية، وأنتجت ثورة فكرية إلي جانب ثورتها السياسية والاقتصادية، وولدت الأدب المصري الجديد الذي تزعمه عباس محمود العقاد وطه حسين وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات ومصطفي صادق الرافعي وإبراهيم عبدالقادر المازني وفكري أباظة ومحمد التابعي.
2
هل حاول الإنجليز القضاء علي ثورة 19 بتعيين زعيم الثورة ملكاً علي مصر، وهل عرض عرش مصر علي سعد زغلول؟ هذا السؤال لم يجب عنه التاريخ بعد، ومن واجبنا ونحن نحقق ثورة 19 أن نكشف الستار عن هذا السر، ففي أواخر شهر ديسمبر 1931 زار مستر لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية السابق القاهرة، ويوم الأحد 27 ديسمبر من نفس العام أقام عبدالفتاح يحيي باشا وزير الخارجية مأدبة غداء كبري في فندق »‬هيليوبليس بالاس» لتكريم الضيف الكبير، وحضر المأدبة سير برسي لورين المندوب السامي البريطاني والوزراء وكبار رجال قصر الملك فؤاد، وكبار رجال دار المندوب السامي البريطاني، وفي أثناء الغداء تبسط لويد جورج في الحديث والتفت إلي الوزراء وقال لهم إن عندي سراً كبيراً عن مصر لا تعرفونه، لقد كنت رئيس وزراء بريطانيا أثناء ثورة مصر وذات يوم جاءني لورد كيرزون وزير الخارجية ومعه مجموعة برقيات من لورد اللنبي المندوب السامي البريطاني في القاهرة وإذا به يقول إن سعد زغلول يريد القيام بانقلاب في مصر كانقلاب عرابي باشا وبعد ذلك جاء تلغراف بأن ثورة دموية هائلة ستحدث إذا بقي سعد زغلول في مصر، وأن هذه الثورة ستنتهي خلال 24 ساعة إذا نفيناه من مصر، ووافقنا علي نفيه إلي جزيرة سيلان، وقد كنت أظن أنها جزيرة تشبه جهنم إلي أن زرتها قبل أن أحضر إلي القاهرة، ووجدت أنها جميلة جداً، وما كدنا نوافق علي نفي زغلول حتي جاءت البرقيات متتابعة، كل يوم يُقتل الإنجليز في القاهرة في رابعة النهار، ولا يُعثر علي القتلة، وخشيت أن يثور الرأي العام البريطاني، بعد أن كُذبت نبوءة لورد اللنبي بانتهاء الثورة بعد 24 ساعة من نفي سعد زغلول، ورأيت أن أطفئ  ثورة مصر بطريقة حاسمة، كما استطعت في تلك الأيام نفسها أن أطفئ ثورة أيرلندا بعمل اتفاق مع زعماء الثورة ووضعنا خطة بأن نرسل أحد ضباط المخابرات الذين يجيدون العربية إلي عدن بعد أن نعطيه تعليمات بأن يعرض علي سعد زغلول بأن يكون ملكاً علي مصر، علي أن يقبل بقاء الحماية البريطانية وفصل السودان عن مصر، وأبرقنا إلي حاكم عدن بأن يبقي سعد معتقلاً عنده ولا يرسله إلي سيلان إلي أن يصل ضابط المخابرات من لندن إليه، ومعه التعليمات اللازمة وذهب بالفعل إلي هناك واجتمع بزغلول وعرض عليه عرش مصر ورفض الثائر، وأبرق ضابط المخابرات بنتيجة مسعاه وعندما علمت بذلك أمرت بأن يُنقل زغلول فوراً إلي سيلان بل إلي جزيرة أسوأ منها في المحيط الهندي، هي جزيرة سيشل، وقد اخترتها لأن أحد أصدقائي مات فيها، ثم ضحك لويد جورج وقال: »‬أنا مندهش من أنني لا أري تمثالاً لزغلول هنا، لولاه لما كنتم هنا أيها السادة»، ونزل هذا الكلام كالصاعقة علي الوزراء الموجودين وكبار رجال قصر الملك فؤاد، وأراد سير برسي لورين المندوب السامي أن ينقذ الموقف فهمس في أذن لويد جورج بأن »‬هؤلاء خصوم سعد زغلول وأنهم هم الذين رفضوا أن يقيموا له تمثالاً»، وضحك لويد جورج وأراد أن يتنصل من الحرج فقال: »‬علي كل حال لو قبل زغلول هذا العرض لما كان هناك أي خطر عليكم، فقد حدث في ديسمبر 1921 قبل حكاية زغلول بثلاثة أشهر أن وقعت اتفاقاً مشابهاً مع زعماء ثورة أيرلندا الأربعة وإذا بواحد منهم يدس له الناس السم فيموت، والثاني يضطر للهروب إلي روما، والثالث يقتله الشعب رمياً بالرصاص، والرابع يقتله أنصاره بمدفع رشاش».
لحظتها لم يستطع واحد من الوزراء وكبار رجال القصر الحاضرين أن يضحك من النكتة، وقد كان معني ذلك أن يشنقه الملك فؤاد، وكانت هذه التصريحات يومها مذهلة، وقال الوزراء وكبار رجال القصر في تبريرها، إن مستر لويد جورج شرب قبل الغداء وأثناءه كمية كبيرة من الخمور، وإنه كان مخموراً وهو يتكلم، وإن الذي قاله كلام فارغ، وفي الوقت نفسه تواصي الوزراء بالكتمان، ولكن توفيق دوس باشا، وزير المواصلات وكان وزيراً جريئاً وصديقاً حميماً للويد جورج روي القصة وقد كان حاضراً هذا الغداء، وكانت ابنته الآنسة ليلي دوس حاضرة في أثناء ذلك.
3
حصلنا علي نص الرسائل السرية المتبادلة بين سعد زغلول وبين عبدالرحمن بك فهمي الذي كان يرأس الجهاز السري للثورة، وقد كان سعد زغلول في باريس يحاول عرض قضية مصر علي مؤتمر الصلح، وكان يدير الثورة من هناك، وقصة هذه الرسائل مثيرة..
كان سعد زغلول يكتبها بالحبر السري في باريس فوق مجلات فرنسية وكان يحملها رسول من باريس إلي القاهرة، وكان الدكتور أحمد ماهر هو المسئول عن عملية حل الشفرة، وكانت عملية عجيبة، حيث كان الدكتور ماهر يمرر مكواة ساخنة علي الورق فتظهر رسالة سعد زغلول علي الفور لكن العين المجردة ما كانت تستطيع أن تري الحبر السري بل إنك تقلب المجلة فتجد صفحاتها عادية لا كتابة فيها. هذه الرسائل السرية تدل علي أن زغلول كان يري أن يكون رئيس الدولة في مصر بالانتخاب لا بالتعيين ولا بالوراثة، وهذا هو النظام الجمهوري، وكما يقول في إحدي هذه الرسائل السرية بالحرف الواحد: »‬يجب التحذير من الاقتراب من هذا المركز، مركز رئيس الدولة إلا بإرادة الأمة، وبناء علي انتخابها، بعد الحصول علي استقلالها التام، وإن كل قبول لهذا المركز تحت سلطة الإنجليز مهما كان اسم هذه السلطة سواء كحماية أو كمحالفة يعد خيانة للأمة»..
ولكن نصوص الرسائل السرية أقوي من هذا التلخيص، إنها تدل علي أن سعد زغلول كان يعطي من باريس تعليمات لجهاز الثورة في القاهرة بأن يحاربوا السلطان فؤاد وأن يحاربوا الخديو عباس والأمراء جميعاً.
4
لولا الإقطاعيون لأعلنت ثورة 19 الجمهورية، فتح مجهول الكراسة التي كتب فيها زغلول مذكراته عن الثورة وقطع بيده صفحتين من الكراسة، فعل ذلك علي عجل لأنه لو كان لديه الوقت لهذه العملية البسيطة لقطع هذا الجزء بالموسي أو بمقص، أو لشطب بالحبر علي هذه الكلمات التي أراد أن يخفيها، ويبدو أنه فعل ذلك متعجلاً كأنه يخشي خطراً داهماً، إنه الجزء الذي كان يتكلم فيه سعد زغلول في مفاوضات ملنر عن حق مصر في أن تكون جمهورية وعن طلب الأمة عزل السلطان فؤاد، إنها الجملة التي أشار إليها حمد الباسل عندما قال إن زغلول كان يقول إن السلطان فؤاد جندي بريطاني وإنه يجب أن يخرج مع جيش الاحتلال وهي الجملة التي أشار إليها خصومه باعتبارها جريمة الخيانة العظمي..
وقف محمد علي علوبة باشا بعد ذلك بأربع سنوات يقول إني أتهم علناً سعد زغلول باشا بأنه في أثناء محادثات ملنر طلب عزل السلطان فؤاد لأنه أثر من آثار الحماية، والثابت تاريخياً أن بيت سعد زغلول فتشه الإنجليز 13 مرة في أثناء الثورة وكانوا لا يكتفون بالتفتيش العادي والاستيلاء علي الأوراق الموجودة، بل إنهم كانوا يفتشون جسم الموجودين في البيت، وكانت سيدة إنجليزية تحضر معهم لتتولي التفتيش الذاتي للسيدات، للبحث عن وثائق سرية مختبئة، فهل هو من نزع تلك الصفحات خوفاً من عثور الإنجليز عليها؟ ربما تكون مخابرات الثورة هي من فعلت ذلك لحمايته، خاصة بعد علمها أن الإنجليز سيقبضون عليه.
المدهش أن زغلول ائتمن الحاج أحمد جاد الله، عامل بسيط، علي أوراقه الخطيرة ولم يأتمن عليها أعضاء الوفد، ربما لأنه كان يري أن كل أصدقائه عرضة للتفتيش..
غير أن جاد الله هذا لم يكن في الحقيقة مجرد عامل بسيط، فقد كان يتولي اختيار العمال الذين يشتركون في عمليات إطلاق الرصاص علي الإنجليز، وكان يتولي بنفسه صنع القنابل التي يطلقونها علي الوزراء، فهل كان سعد يعرف ما يفعله الجهاز السري للثورة؟ وهل هو من كان يصدر التعليمات والأوامر أم أن الجهاز كان يتصرف من تلقاء نفسه؟ كان للثورة عملاء في كل مكان، بما فيها انجلترا نفسها، وإدارة لتحريك المظاهرات، وقطع السكك الحديدية، وإدارة للدعاية وتزويد الصحف بالأخبار، وكان كل من يعمل في إدارة لا يعرف شيئاً عمن يعملون في الإدارات الأخري، وزغلول اختار عبدالرحمن فهمي ليشرف علي هذا الجهاز لأنه رجل عسكري منظم، درس المديريات دراسة كاملة وعرف الشخصيات الموجودة في كل إقليم ووضع إصبعه علي نقاط القوة والضعف في كل مكان، وأغرب شيء أن أعضاء التنظيم لم يضبطوا مطلقاً، صحيح أنه قبض علي بعضهم لكن التهم التي وجهت إليهم لم تكن لها علاقة بما يفعلونه فعلاً.
ولم تكن قيادة الثورة في القاهرة تعرف شيئاً عن طبيعة هذا الجهاز، ولا عن حقيقة التعليمات السرية التي كان يرسلها سعد زغلول من باريس إلي عبدالرحمن فهمي في القاهرة وأتعبت هذه التعليمات قائد الجهاز، فقد كان تنفيذها يتطلب أموالاً للقيام بها وهو لم يكن غنياً، وكانت الرسائل السرية تنتقل بين القاهرة وباريس بعدة طرق ولعل أغربها أن عبدالرحمن فهمي اختار شاباً لم يكن له أي نشاط سياسي وغير مشتبه فيه وطلب إليه أن يتظاهر بأنه من أولاد الحظ الذين يحبون السهرات ويجلسون مع الغانيات ويهوون الرقص، واختاره عبدالرحمن فهمي ليكون الوسيط السري بينه وبين سعد زغلول، ويتنقل بين القاهرة وباريس موهماً أصدقاءه أنه يحب فتاة باريسية لا يستطيع أن يتحمل فراقها، ولا يكاد يصل إلي باريس حتي يذهب إلي الفتاة التي يحبها، ويمضي معها إلي مطاعم وملاه ثم تنفد نقوده فيعود إلي القاهرة من جديد، ويكون في هذه الفترة قد اتصل بسعد زغلول وسلمه رسالة عبدالرحمن فهمي السرية وتسلم رسالة سعد زغلول إلي عبدالرحمن فهمي.
واستمر الإرهاب البريطاني ضد الثورة وحكمت المحكمة العسكرية بإعدام 51 مصرياً اشتركوا في ثورة دير مواس ثم عدلت عقوبة الإعدام بالنسبة لـ16 منهم بينما نفذ الحكم في بقيتهم، من بينهم البكباشي محمد كامل مأمور أسيوط الذي قاد ثورة أسيوط، كما نفذ الحكم في ثلاثة مصريين قادوا ثورة الواسطي، مئات من المصريين حكم عليهم الإنجليز بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة وجلدوا ألوف المصريين، وملأوا السجون بألوف الوطنيين وبدأ بعض السياسيين يدعون للتسليم، وبدأت الثورة تتجه إلي الاغتيالات السياسية وليس في الخطابات السرية ولا في مذكرات سعد زغلول ما يدل علي أن سعد هو الموعز بهذه الاغتيالات ولكن في الوقت نفسه لم نجد في تعليمات سعد زغلول السرية كلمة واحدة عن أنه لا يوافق عليها بل إن صيغة الرسائل السرية التي يرسلها عبدالرحمن فهمي تدل علي أنه يحمل البشري إلي قائد ثورة 19 وأنه يطلق علي الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء بأنه »‬يتقد حمية وطنية»، وأنه في »‬غاية الجرأة»، و»‬لا تسألوا عن ثباته وشجاعته»، وأنه »‬الجريء»، ونحن لم نستطع في تحقيقاتنا أن نجزم برأي سعد زغلول في هذه الاغتيالات وإن كنا نميل إلي أنه كان يرحب بها في تلك الأيام، فلم يكن في استطاعة الشعب أن يقاوم الطغيان وأحكام الإعدام بالجملة إلا بهذه الطريقة.
5
مذكرات محمد حفني تكشف الطريقة التي كان الثوار يصنعون بها القنابل، وكيف يتدربون عليها، يقول: »‬في صيف 11919 اتصل بي الأستاذ حسن كامل الشيشيني، المدرس بمدرسة »‬المعلمين العليا» وكنت طالباً بالسنة الثالثة في مدرسة الطب، وقال لي إنني أشعر بأنني أستطيع الثقة بك، إننا الآن نعمل في الثورة بواسطة القنابل لا المظاهرات والمنشورات وكنا نجتمع في قهوة أمام قسم عابدين فكنت أدخل القهوة فأجد فيها الدكتور أحمد ماهر والنقراشي والشيشيني وشفيق منصور وكانت التعليمات ألا أصافح واحداً منهم وإنما أدخل إلي القهوة ثم أخرج وهنا يقوم الشيشيني بهدوء ويخرج ورائي ونسير معاً في الشارع..
وكانت التعليمات ألا نتحدث في مكان، بل نواصل السير، لأن الحيطان لها آذان، وكان يحدث في بعض الأوقات أن يكون الاجتماع أمام منزل الشيشيني، في حي الإنشاء »‬المنيرة الآن»، وكنت أسكن في شارع التلول في البغالة، ومعي أخي محمود حفني المستشار بمحكمة الاستئناف سابقاً وكان طالباً بالمدارس الابتدائية وكان الدور الأول من البيت هو مخزن المسدسات والقنابل التي استلمته من الشيشيني وكان البيت في سفح جبل المقطم وكنا نستخدم الدور الأرضي للتمرين علي إطلاق المسدسات، وتوليت تمرين الدكتور عبدالقادر حلمي الشوربجي المدرس في كلية الطب الذي كان وقتها طالباً في الطب معي وزميلي مصطفي كامل وغيرهم من الطلبة وكانت مهمتي كذلك تمرين أعضاء الجهاز السري علي إلقاء القنابل وكنت أبدأ تدريبهم علي قيادة الموتسيكلات، وكان البرتقال يستعمل بدلاً من القنابل وكان التمرين في المنيل وكانت الطريقة أن نحدد هدفاً ثم نلقي البرتقالة علي الهدف سواء كان هدفاً متحركاً أو ثابتاً ثم نسلم لحسن كامل الشيشيني قنابل »‬ميلز» الإنجليزية وقد كانت عملية تجربتها تجري في صحراء حلوان وتبينت أنها ضعيفة وأخبرت الشيشيني بنتيجة التجارب فجاءني بمشروع قنبلة جديدة، علبة من الصلب تُقفل بقلاووظ، وأحضر لي بودرة الديناميت المخلوط، ثم أحضر لي زجاجة بها حامض كبريتيك مركز، وتوليت صنع القنبلة وصنعت عند سمكري في الناصرية قاعدة من الزنك، وأحضرنا كمية من الحديد وقطعناها أجزاء لتكون شظايا للقنابل، ووضعنا قاعدة الشمعة في قاع العلبة، وحولها بودرة الديناميت المخلوط ثم وضعنا الزجاجة التي بها حامض الكبريتيك المركز في قاعدة الشمعة لتظل واقفة لا تميل، وخلطنا قطع الحديد بالمادة المفرقعة، ثم أقفلنا القنبلة وبدأنا التجربة، صحبت الدكتور أحمد ماهر في التجربة الأولي، ركبنا قطاراً من محطة الجيزة إلي قرية »‬المتانية» وعبرنا النيل وفي مكان يشبه التل وضعت القنبلة في كوز وربطنا الكوز بدوبارة، ووضعنا فتيلة في الكوز ثم أخذنا الدوبارة إلي الناحية الأخري من التل وركعنا وراءه ليكون فاصلاً بيننا وبين الانفجار، وجذبنا الدوبارة فانقلب الكوز وانقلبت معه الفتيلة واختلطت المواد وحدث الانفجار، وذهبنا إلي مكان انفجار القنبلة ووجدنا أنها دمرت المكان، وقال أحمد ماهر: كويس قوي يا حفني.. نستمر علي كده».
هذه بعض قصص من »‬الكتاب الممنوع»، الذي يشبه طوفاناً من القصص المتداخلة، القصص التي ترسم مصر في أثناء ثورة 19، وكيف ضحي أبناؤها ليحصلوا علي استقلالهم من الإنجليز والموالين لهم، في ملحمة بدأت في ذلك العام البعيد واستمرت بعدها لأعوام.