رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

ثورة 1919 في السينما .. أفلام قليلة وأثر لا يضيع


ناهد صلاح
3/9/2019 9:38:33 AM

شيخ وقس وهتاف من أجل الوحدة الوطنية، كانت هذه هي العلامة التي انتزعتها لنفسها أفلام تناولت ثورة 1919، وتحدثت عن ثورة شعبية هي من أعظم الثورات الشعبية التي خرجت تدق الشارع سعيًا وراء حرية وتقوية نسيج وطني واحد حاول الاستعمار أن يفتت من دعائمه، وثلاثية نجيب محفوظ عندماقدمها المخرج حسن الإمام علي الشاشة، كانت الأبرع في تقديم هذه الصورة التي رسخت في الوجدان الشعبي حتي أيامنا هذه.

الاجتياح الشعبي في فيلم مثل »بين القصرين»‬ يكاد يكون هو أيقونة ثورة 19 التي تستدعيها دائمًا الذاكرة الشعبية، الصورة الموثقة والمعبرة عن انتفاضة الشعب ضد الاستعمار ورفضه للخنوع تحت جناحيه الثقيلين حتي لو كان ثمن الحرية التي يطالبون بها هو الموت الزؤام، كما الشعار الذي رددته الحناجر القوية حينذاك: »‬الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، مردفاً به شعارات أخري تمددت بها الثورة كسيمفونية شعبية مثل:  »‬يحياالهلال مع الصليب»، »‬سعد سعد يحيا سعد».
من فيلم حسن الإمام إلي غيره من أفلام وثائقية استعانت بمشهده الأثير عن الثورة، وأخري روائية قاربت أجواء الثورة وأحوالها بأشكال عبرت عن الحراك والنضال الشعبي في 1919، إلي لمحات مضيئة إلتقطتها بعض الأفلام في سياقها الدرامي المتماس مع الثورة، أو حتي استدعائها في مشهد ساخركما فعل فيلم مثل »‬رشة جريئة»، فإن السينما لم تكن جسورة في الاقتراب من ثورة 19، بالعكس كانت الأفلام قليلة لا تساوي حجم الحدث وأهميته، وإن ظلت بالرغم من ندرتها؛ أمارات وإشارات شاهدة علي نور اشتعل في العتمة وتفاصيل تسكن الذاكرة لبلاد فاضت بالمقاومة، واستطاعت أن توجه قبضتها العاتية في وجه العدو المحتل.
شهدت سنة 1923الميلاد الفعلي لأول سينمائي مصري، هذا السينمائي هو محمد بيومي الذي تخرج من المدرسة الحربية عام 1915، ثم اتجه للمجال الفني بعد ثورة 1919، سافر إلي إيطاليا، النمسا، ثم ألمانيا لدراسة السينما، وعمل في نفس الوقت ممثلا للأدوار الثانوية في شركة »‬جلوريا فيلم»، حسبما يروي في مذكراته، ترك التمثيل واتجه إلي العمل وراء الكاميرا كمساعد مصور، حتي عاد إلي مصر بمعدات كانت نواته في تأسيس »‬آمون فيلم»، أول ستوديو سينمائي مصري، من خلاله أصدر »‬آمون السينمائية»، أول جريدة مصرية وثائقية، كان يحلم أن تكون بوقاً ضد الاحتلال تصل أصدائه إلي العالم، من هذا المنطلق خصص أول أعدادها لتسجيل لحظة وصول سعد زغلول ورفاقه من منفي سيشل في العام 1923، بفيلم »‬عودة سعد زغلول من المنفي»، خمس دقائق كانت هي إشارة البدء في سينما مصرية خالصة، ودلالة واضحة علي ارتباط محمد بيومي بثورة 19 وعلاقته المتينة بها، علاقة ثورية متلاحمة بجماهير رافضة للاستعمار ومحاولاته في إذلال الشعب ورموزه، إنه أسلوب »‬بيومي» الذي سبق أن أصدر مجلة »‬المقص» كوسيلة تحريضية في البلاد التي كانت من الأساس علي أهبة الاستعداد، وقبل سفره إلي أوروبا لدراسة السينما؛ أسس مع صديقه بشارة واكيم »‬فرقة وادي النيل» المسرحية، وكان بشارة واكيم معه أيضاً في فيلمه »‬برسوم يبحث عن وظيفة» (1923)، روائي صامت قصير مدته 16 دقيقة، أول فيلم روائي يقوم مصري بتأليفه وتصويره وطبعه وتحميضه ومونتاجه وإخراجه، أول فكاهة سينماتوغرافية مصرية وضع وتصوير محمد محمد بيومي، كما كتب في بداية التتر أو المقدمة، تأليف وإخراج محمد بيومي، بطولة  بشارة واكيم، عادل حميد، فيكتوريا كوهين، عبدالحميد زكي، فردوس حسن، سيد مصطفي، يغلب عليه طابع السخرية التي تفرضها أوضاع المجتمع الذي يعيش ناسه علي الحافة، يتساوي المسلم والمسيحي في هذا الواقع البائس، وهما كذلك صديقان: الشيخ متولي وبرسوم، العاطلان عن العمل، الجائعان، المتنافسان علي فرصة عمل، وحين تتسني لهما وظيفة في إحدي البنوك، أسماه »‬بنك شمهورش إخوان بمصر»، تكون الصدفة أوقعتهما في موقف من سوء الفهم حين يخطئ مدير البنك في تقديرهما ويدعوهما إلي الطعام في منزله، علي أنهما من رجال الأعمال، لكنه يكتشف الحقيقة ويطردهما، وتظل صداقتهما مستمرة وأيضاً يبقي وضعهما عل حاله في مجتمعهما المعدم.
  هكذا صوّر محمد بيومي حال مصر تحت وطأة الاحتلال، الشعب بمسلميه ومسيحييه يعاني مرارة الجوع والبطالة والحياة غير الآدمية، دلل علي ذلك بلوحاته التي قدمت لمشاهده الصامتة: »‬بمطالعة الجرائد يستعين الشيخ متولي علي مقاومة الجوع الذي لابد منه»، ثم يطالعنا الشيخ متولي وهو يقرأ صحيفة البلاغ،بعدها يؤكد لنا الفيلم شظفه وعَوَزه عندما يكتب: »‬ثم أنها لا تكلفه أي ثمن للحصول عليها»، فنري الشيخ متولي يقلب في القمامة التي تلقيها سيدة من نافذتها أثناء قيامها بمهمة التنظيف، وينتقي منها أوراق الجرائد غير المهترئة، نفس الأمر يسري علي »‬برسوم» المسيحي الذي ينام علي القش وهو يرتدي نصف قميص؛ ياقة وأساور مُنشاة، غير مجعدة من التقلب في هذا المكان الرث، ويخفي رغيف خبز بين طيات القش، يسرقه منه صبي جائع، فيأتي الشيخ متولي ليضربه ويسلب منه الرغيف، فالكل جائع وملهوف، يبحث عما يعينه علي هذه الحياة الجدبة والحالة العسرة، عبر عنها الفيلم في الجملة المكثفة بالإعلان: »‬بني آدم فاضي للإيجار ولو باللقمة»، إضافة إلي اللوحات التقديمية التي حملت عبارات: »‬الجوع كافر، فليحيا الارتباط، أين الرغيف»، وصورة سعد زغلول التي تطل علي خلفية الحكاية؛ كأنها تقيس المسافة بين بلد يئن تحت أنقاض الفقر والاحتلال وبين الأمل الصاعد من أبنائه الرافضين لهذا الشقاء، لم يقدم الفيلم مشاهداً للثورة أو لعودة زعيمها من المنفي، لكنه تماس معها وقدمها رمزاً وعنواناً للخلاص.
تعتبر السينما خيطاً من خيوط الروح التي ربطت الناس بثورة 19، ربما من حيث العدد كما سبق وأشرنا كانت الأفلام قليلة، لكنها حجر الزاوية بين ماض بعيد وحاضر يصبو إلي غد أفضل، إلي هامش أبيض نتأمل من خلاله ما حدث وكيف نشأ وأصبح إرهاصة لواقع تشكل لاحقاً، وهو ما فعله مثلاً فيلم »‬مصطفي كامل» من إخراج أحمد بدر خان، عُرض للمرة الأولي في 14 ديسمبر 1952، كأول فيلم يتناول هذه الثورة بعد قيامها بأكثر من 33 عامًا، وبعد عدة أشهر من قيام ثورة 23 يوليو وبداية التحرر من الاحتلال الانجليزي، بهذه الوقائع يتجرأ الفيلم ليحكي عن 1919 ويفرد مشاهده علي الشاشة لتسرد سيرة واحد من كبار المناضلين المصريين، تلك السيرة التي كان من الصعب عرضها قبل ثورة يوليو وفي خضم جبروت الاحتلال، بل تباشرنا مقدمة الفيلم بهذه العبارة:"تعلن أفلام المصري أن الظروف حالت في العهد الماضي دون تسجيل اسم واضع قصة هذا الفيلم، ويسرنا أن نعلن في عهد التحرير أن فكرة القصة من وضع الأستاذ فتحي رضوان»، لتبدأ أحداثه باندلاع الثورة، 1919 تملأ الشاشة علي خلفيتها نيران في إشارة مباشرة لاشتعال الثورة، تصاحبها شعارارت الشعب الذي ملأ الشوارع والكادر: »‬تعيش مصر حرة/ النيل لا يتجزأ/ سعد زعيم الأمة»، فيما يتسلل صوت نسائي يهتف ويرد وراءه الرجال: تعيش مصر حرة، إذ يصبح الجميع في مرمي الرصاص الانجليزي، أصوات طنانة وصور مألوفة عن الثورة الشعبية ذائعة الصيت في التاريخ الحديث، وفي سيرة مناهضة الاحتلال الذي رفع لوحة مكتوبا عليها: »‬ممنوع التظاهر بأمر الحاكم العسكري البريطاني، 1919»، كما ظهرت في الفيلم، اللوحة الورقية التي يمزقها حسين رياض متحديًا العسكري الانجليزي وسونكي بندقيته الموجهة إليه، حتي ينقذه مجموعة من الطلبة الذين يعلقون لوحة أخري تعلن عن موعد اجتماعهم المقبل: »‬إلي إخواتنا الطلبة المصريين..الاجتماع اليوم بالأزهر 11/6/ 1919»، نفهم أن حسين رياض يعمل مدرساً في مدرسة مصطفي كامل التي وُضع في مدخلها تمثال لسعد زغلول، وعندما يدخل الفصل الدراسي، يطالعنا الحماس الملتهب لأحد التلاميذ غاضباً من الأوضاع السياسية، فيتذكر المدرس »‬مصطفي كامل»، تلميذه القديم في زمن سابق، وكيف كان لديه نفس هذا الإقدام والشباب المتوثب، رحل مصطفي كامل في العام 1908؛ لكنه ظل صوتاً ثائراً أو شهيد الوطنية كما وصفه أستاذه، تستدعيه اللحظة وتعود بالمتفرج في مشاهد فلاش باك تقتفي مسيرة مصطفي كامل ونضاله.
العزف علي الثورة كان أقوي في فيلم  »‬بين القصرين» (1964) إخراج حسن الإمام، سيناريو يوسف جوهر المأخوذ عن ثلاثية نجيب محفوظ، ظهر هذا الفيلم بعد 12 عاماً تقريباً من فيلم »‬مصطفي كامل»، ليكون هو الأكثر التصاقاً بـ 1919 وامتثالاً  لإيقاعها، فكلما فتش أحد عن بهائها أو واقعها، عاد إلي هذا الفيلم الذي صار وثيقة مهمة عن الثورة من البداية إلي النهاية، المظاهرات في كل الشوارع، سقوط الترام، خطب الشيوخ والقساوسة، خروج التلاميذ الصغار من المدارس والنساء والشباب والجميع في مواجهة رصاص الانجليز، فيلم يرصد شكل المجتمع المصري، مجتمع المدينة والحارات الشعبية قبيل الغضب الشعبي الكبير، من خلال أسرة »‬سي السيد أحمد عبد الجواد»، الرجل الحازم، الصارم مع عائلته، بينما يعيش حياة موازية خارج حدود بيته،صاخبة، لاهية، خليعة، ومع ذلك نجده واعياً بما يدور حوله من أمور الاستعمار، ولديه وجهة نظر، فهو يكره الانجليز ولا يحب الأتراك ويعلق صورة لسعد زغلول علي جدار دكانه، ابنه الأكبر ياسين يسير علي دربه؛ في حين ابنه فهمي مشغول ببلده.
يبدأ الفيلم بمشهد الطلبة، فهمي عبد الجواد، الطالب في مدرسة الحقوق، الحالم، الشجاع، يقف في الفناء وسط زملائه يتناقشون عن أحوال البلد، بينما يمر عرض عسكري إنجليزي في الشارع، فيبادر فهمي بالكلام غاضباً: متعنطزين، كأنها بلدهم مش بلدنا، الواحد بيكره يصحي كل يوم، بكره أشوف الشمس طالعة من تاني علي المناظر دي.
•البركة في الباشوات بتوعنا يا سيدي، عاجبهم الحال.
• وهيتحرقوا علي البلد ليه؟ الأطيان في أمان والعبيد بيشتغلوا في الأرض والفلوس بالكوم.
• عزبة يا سيدي ورّثها لهم محمد علي.
• وهنعمل إيه؟
يرد فهمي حاسماً: نقاوم يا أخي، نطالب بحقوقنا، نصون لكرامتنا، كان رده قبل أن ينضم فعلياً إلي الثوار في إحدي الجمعيات السرية، ويذهب إليهم في مخبأهم السري الذي يضم جميع الطوائف؛ مسلمون ومسيحيون، حيث تنتشر صور سعد زغلول علي الجدران، ويتفقون علي أن »‬شجرة الحرية لا تروي إلا بالدماء»، وعندما حانت الثورة خرجوا من المدرسة إلي الشارع إلي الجامع وفيه يلقي القس خطابه الحماسي إلي الكنيسة حيث يلقي الشيخ خطابه محذراً من الفتنة، إلي الشارع مرة أخري حيث رُفعت صور سعد زغلول ومصطفي كامل، واختلج الفضاء بعبارة »‬إن سعد لن يلقي مصير مصطفي كامل» وشعارات نموت نموت وتحيا مصر، تعيش مصر حرة مستقلة، سعد سعد يحيا سعد، يحيا الهلال مع الصليب، أكثر من ثماني دقائق تتخللها لحن سيد درويش »‬بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»، وتنتهي بشهداء يمر بينهم فهمي وشقيقه الصغير كمال وينضم إليهما أبيهما »‬السيد أحمد عبد الجواد» يشاركون أباً في حسرته علي ابنه الشهيد، وفي يوم آخر للثورة يتزلزل الشارع بالغضب ويستشهد فهمي في النهاية، ثم تتحول المدينة إلي حزنها الذي يضاعف من غضبها وحماسها نحو الثورة والخلاص.
في العام 1965 قدم عبدالرحمن الخميسي تأليفاً وإخراجاً، فيلم »‬الجزاء» بطولة.. شمس البارودي، رشوان توفيق، حسين الشربيني، عادل المهيلمي، تنويعة أخري علي كفاح الشعب المصري مع تصاعد عنف الاستعمار البريطاني، حيث تزايدت العمليات الوطنية ضده، خصوصاً مع اشتعال ثورة 1919 التي قدمها تتر الفيلم رسماً وكتابة حيث طالعتنا في بداية عبارة: »‬وقعت أحداث هذا الفيلم بالقاهرة قبيل ثورة 1919»، و»‬عزيز يا عزيز كُبة تاخد الانجليز» علي الحائط في خلفية الحدث بالمشهد الأول، حين تعرضت الفتاة المصرية رجوات شقيقة أحمد أفندي عبد الله لتحرش بعض الجنود الانجليز فتصدي لهم شقيقها، وتم القبض عليه، وحكم عليه القاضي بالسجن سنتين، بعدها تتصاعد الأحداث لتحكي عن خلية سرية تقوم بعمليات فدائية. الفيلم ضعيف من الناحية الفنية ولا يكاد يُذكر تقريباً، لكنه يعتد به كواحد من الأفلام التي ذكرت ثورة 19 والمقاومة الشعبية التي لازمتها، حتي أن أحداثه تنتهي بكلمة البداية كإشارة علي القادم الأقوي والأقدر علي التحرير والاستقلال.
سيد درويش هو  صوت الثورة ولحنها، من هذه النقطة البديهية لا يمكن تجاهل فيلم »‬سيد درويش» (1966) ﺇﺧﺮاﺝ أحمد بدرخان، الذي يحكي سيرة الموسيقار، فنان الشعب، باعث النهضة الموسيقية في مصر، واحتسابه كواحد من الأفلام المهمة التي عبرت عن الثورة، في طفولته استمع إلي خُطب مصطفي كامل، بل أن »‬بلادي بلادي لك حبي وفؤادي»، النشيد الوطني لمصر، كان قد اتخذه من مقولة شهيرة سمعها في صغره من مصطفي كامل ولم ينسها أبداً، ليدعم هذا الفيلم بحميمية وهشاشة متناهية مصطفي كامل كنموذج حقيقي للمجابهة والنضال، وفي نفس الوقت للجرح المصري الذي لم ينغلق؛ طالما الاستعمار جاثماً علي الأنفاس، بين مدينته الاسكندرية وبين القاهرة العاصمة عاش سيد درويش حراً، لا يخشي فقراً أو احتلالاً، وجاءت ألحانه تنسج منوالها من أحوال البلد وناسها، موسيقي مصرية خالصة، مقاومة للمستعمر ومحرضة علي الحياة يغنيها في المقاهي والمسارح وبين العمال والفلاحين، وهو ما رصده الفيلم، كما ألمح إلي علاقة العداء الصريحة بينه وبين القصر والانجليز الذين أرادوه أن يمتنع عن الأغاني السياسية، لكنه استمر وانتشرت أغنياته:  قوم يا مصري، عشان ما نعلي ونعلي لازم نطاطي نطاطي نطاطي، شد الحزام، زغلول يا بلح يا بلح زغلول، الأغنية الرمزية التي قدمها مع بديع خيري عقب نفي سعد زغلول، وتحولت الأغنية إلي شعار للثورة يتغني بها الكبار والصغار:  »‬زغلول يا بلح يا بلح زغلول.. يا حليوة يا بلح يا بلح زغلول.. ياروح بلادك ليه طال بعادك»، واستمر علي دربه محارباً، محرضاً، داعياً للحرية وعودة الغائب، لكنه لم ينتظره فقد مات سيد درويش في يوم عودة سعد زغلول.
لقد بدلت ثورة 1919 أموراً كثيرة في المجتمع المصري، وعياً وإدراكاً، لكن السينما لم تواكبها بالقدر الكافي حتي الآن، قد يكون ما ذكرناه هو الأبرز سينمائياً، لكن هذا لا يمنع فعالياته الأكبر من عدده القليل، ولا ينكر كذلك التحول الذي حصل في الحركة الفنية والثقافية ورموزها حينذاك، والذي امتد من سيد درويش إلي صالات عماد الدين ووسط القاهرة، إلي فنانين كثيرين تصدوا للاحتلال وللفتنة الطائفية التي حاول تأليبها وتأجيجها، ومنهم علي سبيل المثال، فنان الكوميديا حسن فايق الذي كان واحداً من أصدقاء سعد زغلول المقربين، قدم أول عمل فني عن الوحدة الوطنية وهو »‬أحمد وحنا»، كما قدم منولوجات وأزجالاً ألفها بنفسه لإثارة الحمية والحماس في نفوس الجماهير.. وعودة إلي السينما؛ فقد ظلت ثورة 1919 تتراوح كإشارات بين فيلم وآخر، كما رأينا مثلاً في فيلم »‬الأرض» (1970) إخراج يوسف شاهين، عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، الرواية التي أثارت ضجيجاً عند صدورها، لتعبيرها عن المجتمع الجديد المتنامي، وإدانتها لمصادرالإحباط والفساد في الماضي والحاضر، وساعدت علي تكوين تيار جديد في فن الرواية العربية، هو الواقعي الإشتراكي، كما يقول د.محمد حسن عبدالله في كتابه »‬الريف في الرواية العربية»، هنا نجد الفلاح محمد أبو سويلم الذي يتشبث بأرضه بقبضته الدامية في آخر مشهد من الفيلم عندما ينتزعونها منه، فنتذكر أن شجاعته هذه هي نتاج نضاله الدائم وجزء منه ما حدث في ثورة 1919، كما استحضره أبو سويلم في المشهد الشهير الذي يقول فيه: »‬أيوة أيوة حاربنا سوا أيام الانجليز وأيام السلطة رحنا الشام في عز البرد والتلج نحارب شفنا الموت بعنينا.. دفنا مننا ناس في التلج لا خوفنا ولا ولينا ليه لأننا كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة.. وفي ثورة سنة 19 حاربنا مرة تانية مع سعد باشا حرقنا الإطار قطعنا السكة الحديد ضد الانجليز ضربونا حبسونا مات مننا ولاد إنما كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة..».
كما قدم أيضاً فيلم »‬البطل» (1998) إخراج مجدي أحمد علي، قصته التي بدأت أحداثها في الإسكندرية عشية ثورة 1919 في مصر، ومحورها »‬حودة النجار» الذي يهوي الملاكمة ويسعي للتنافس، وحودة تجمعه صداقة قوية برفاقه: »‬بيترو» الذي يهوي الغناء، »‬حسن» عامل المطبعة الذي يؤمن بالثورة، ويسجن لمشاركته في المقاومة، ثم يستشهد برصاص قوات الاحتلال، بينما حودة بعد عثرات كثيرة يستطيع أن يصافح زعيم الثورة سعد زغلول، ثم ينجح في الاشتراك في أولمبياد 1928 وتحقيق الفوز.. الثورة إذن حاضرة بقوة كجزء من نسق حياة هذه المجموعة المتآلفة في مجتمعها الذي يضيق بهم ويتسع كسرداب يأملون أن ينتهي إلي أفق أوسع. فيما بدأت حالة من السخرية تجتاح السينما المصرية وانفجار موجة الكوميديا في الألفية الثالثة، قدم فيلم مثل »‬رشة جريئة» (2001) إخراج سعيد حامدصورة كاريكاتورية للمظاهرة الشعبية الشهيرة، إذ استدعي  الفيلم خروج الشعب في ثورة 19 بطريقة كوميديةحين هتف أشرف عبدالباقي:  »‬الهلال ويا الصلييب.. قشطة ومربي وحليب».