رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

مشهد ٧ هتف لمصر الشيخ والقسيس!


إعداد وتقديم: جرجس شكري
3/9/2019 1:20:28 PM

 ماذا جري لنا في أثناء الحرب العالمية الأولي؟
كانت سنوات الحرب العالمية الأولي - برغم سوء أحوالها وقسوتها علي المواطن المصري - فترة استجمام وهدوء، تغير خلالها المنظر السياسي والاجتماعي فـي مصر تغيرا حاسما، دون أن يكون لأحد في ذلك كبير فضل في أثنائها خلا المسرح المصري من كل  أبطاله القدامي، وساده السكون كأنما قد أنتهت المسرحية، ونسي الموكلون بالستار أن ينزلوه...
 ذهبت مع أمس الداير أيام عباس حلمي بخبثه وجمود قلبه وأنانيته، وذهب أيضا كتشنر بصلفه وجبروته وإيمانه الساذج بأن الإنجليز هم بوليس العالم، وحل محله  عسكري بريطاني قح يسمي السيرجون ماكسويل، لايعرف عن مصر، إلا أنها قاعدة عسكرية إنجليزية، وعن المصريين إلا أنهم طفيليون يعيشون حول هذه القاعدة وكان إلي جانبه دبلوماسي بريطاني واستعماري تقليدي يسمي ميلن تشيهام  MILNE «HEETHAM، يشغل وظيفة نائب المعتمد البريطاني، وعمله يتلخص في إيصال أوامر ماكسويل إلي حسين رشدي رئيس الوزارة، ليقوم بتفيذها..
 واختفي من الميدان الشيخ علي يوسف وعبدالعزيز جاويش، وفرضت الأحكام العرفية والرقابة علي الصحف، وتعطلت الأذهان عن الحركة وأخذت السلطة الإنجليزية تستولي علي كل شيء تريده، دون أن تؤدي عنه إلا أبخس ثمن: القطن والقمح والذرة والبقر والجاموس والجمال والحمير.. والناس وأيضا..
 لم يفرق الإنجليز في ذلك بين مسلم وقبطي، نهبوا الجميع، وأخذوا الناس من قراهم وساقوهم للخدمة في مؤخرة الجيش البريطاني، وعهدوا إليهم بأخس الأعمال: تمهيد الأرض ورفع الأتربة والرمال، ووضع قضبان السكك الحديدية وبناء الثكنات، وسوق الدواب التي تحمل المئونة للإنجليز..
 وفي هذه العمليات الخسيسة مات من المصريين ألوف بعد ألوف ،  وتلاحمت صفوف المصريين أكثر مماتلاحمت من قبل.. ولايصور لنا هذا التحول العميق إلا رجل مثل  سلامة موسي،  الذي كان نموذجا لجيل جديد من شباب الأقباط، ظهروا قبيل الحرب العالمية الأولي وفي أثنائها، وقد تفتحت عيونهم علي الحقيقة الخالدة: لن تنجح مصر إلا يتعاون جناحيها: المسلمين والأقباط.
 مصر بلدهم جميعا، ولا وطن لهم ولا مستقبل ولاأمل إلا فيها وبها ومنها لن تنجح مصر بأمثال عبدالعزيز جاويش، ولن تنجح كذلك بأمثال بطرس غالي وبشري حنا - قبل أن يهديه الله سواء السبيل..
 وإنما تنجح  مصر بأمثال عثمان صبري، ذلك الرجل المعتدل المتزن الذي رأس تحرير
»اللواء« بعد جاويش، وسلامة موسي الذي عمل معه، وأحمد لطفي السيد الذي قاد الحركة الثقافية في ذلك العصر، وسينوت حنا الذي وضع نفسه وماله في خدمة مصر، والشيخ محمود أبو العيون الذي كان يشترك في إلقاء الخطب الوطنية في المساجد والكنائس بصحبة القمص مرقص سرجيوس، ذلك الثائر الملتهب الذي ظل زوبعة لاتهدأ حتي بلغ الثمانين، ومحمد كامل حسين الذي تجلي فيما بعد عن واحد من أنبغ  أطباء  مصر ورجال الفكر فيها، والقمص بوليس غبريال، ذلك الخطيب البليغ الذي سار مع إخوانه المسلمين يخطب ويطالب باستقلال مصر.. وغيرهم مئات كثيرون ممن بدأوا في تاريخ مصر صفحة جديدة..
 يعبر سلامة موسي في كتابه عن شعور جيله هذا تعبيرا هادئا مؤخرا  ولكنه صادق عميق..
 فهو يحكي كيف ضيقت علية الرقابة البريطانية في أثناء الحرب حتي اضطر إلي ترك العمل في الصحافة والهرب إلي الأرياف.
 وفي الأرياف رأي من ظلم الإنجليز واستبداد «السلطة» بأهل مصر
 جعل قلبه ينفطر أسفا علي مصير بلاده علي أيدي المحتلين.
 وهو يحكي كيف أراد مرة التوسط لفلاح شاب مسكين، للحيلولة بين رجال السلطة وأخذه للعمل الشاق  المهين والموت في فلسطين، فما كان من الموظف الإنجليزي إلا أن انتهره وهدده بربطه مع الشاب بنفس حبله وجره إلي فلسطين.
 وهو يحكي كيف أن توفيق دوس -  وكان عضوا في لجنة الثلاثين التي ضعت أول دستور لمصر بعد إعلان تصريح 28 فبراير 1922 - طلب  أن يوضع في الدستور نص يسجل للأقباط حقوقا معينة، فثار عليه شباب الأقباط أنفسهم وأفهموه أن مصر لاتعرف تفرقة  دينية، وأن مواطنيها جميعا إخوة متساوون  في الحقوق والواجبات
 وهو يحمد الله علي أن فتنة المتعصبين قد مرت،وأن عصرا جدبدا من شامخ والوطنية الصادقة يتقدم بخطي ثابتة نحو مستقبل  أسعد لمصر ومنها، ويؤكد أن اتحاد أهل مصر ووقوفهم أمام كل عدو للبلاد، من الحالة الطبيعية للمصريين علي طول تاريخهم، وأن حالات الخلاف والفرقة نادرة، ولابد أن تكون من صنع أجنبي يرد الشر بمصر والمصريين جميعا: مسلمين وأقباطا..
 وهو يؤيد كلامه بالقول بأن اتحاد الأقباط مع المسلمين، في أوقات  الشدة والجهاد والفداء، ظهر أيضا بأجل مظاهرة أيام الثورة العرابية  لتلك الأيام كان عبدالله النديم - خطيب الثورة - يتناوب الخطابة عن منابر المساجد مع الأقباط، داعين للثورة والانضمام لعرابي وصحبه، مهاجمين الإنجليز أعداء البلاد.
 وسلامة موسي - وهو من أفذاذ المفكرين ومن عظماء  المصريين دون شك - يؤكد أنه ما من فتنة وقعت بين الأقباط والمسلمين، إلا كان سببها الإنجليز، وحرصهم الدائب علي التفريق بين أهل البلاد.
 وصدور هذا الكلام عن قبطي جليل، يعرف الأقباط وحقيقة مشاعرهم معرفة جيدة ، ينبغي أن يؤخذ علي أنه وثيقة، فما كان هذا الرجل الحر ليلقي هذا الكلام جزافا، فإن ميزة سلامة موسي الكبري كمفكر، في أنه كان يتحري الصدق دائما فيما يقول، وكان حرا صريحا جريئا لايناور ولا ينافق ولقد  زرناه مرة في مجلة «الحياة الجديدة» التي كان يصدرها، فإذا هو في ضائقة مالية شديدة، لأن المجلة استنفدت ماله ونصحه واحد من أصحابنا بأن يكتب مقالا يؤيد به الأحرار الدستوريين - وكانوا في الحكم حينذاك - فصمت سلامة موسي، وكان  شديد الحياء، وبدت في أساريره أمارات الغضب والألم، ثم قال لصاحبنا:  الكلام داعيب ياأخي..
 ولم يرد، ولكن الشاب لم يلبث أن نهض وانصرف.
>>>
 هذا التغير الحاسم في النفسية المصرية الذي تم خلال الحرب العالمية  الأولي هو  الذي أخرج جيل ثورة 1919، وهو الجيل الذي قاده سعد زغلول..
 كان جيلا شابا مؤمنا بمصر وحدها، لايعرف تفرقه بين  مصري ومصري، لأنه رأي بعينه أن المحتل ورجاله والخديو وأعوانه لايريدون خيرا بأحد من المصريين: يستوي في حسابهم المسلم والقبطي والفلاح والصعيدي كلهم - في نظرهم - عبيد، ينبغي أن يعاملوا معاملة العبيد.
 والصفة الأساسية في سعد، التي مكنت له من قيادة مصر كلها قيادة شاملة حازمة حاسمة، هي أنه آمن بمصر وحدها واتخذ الإيمان بمصر أساسا للعمل ومقياسا للرجال..
 فحسين رشدي باشا كان يري نفسه من الطبقة التركية السائدة، وقد تعاون  مع الإنجليز طوال سنوات الحرب «بإخلاص» لايحسد عليه ولكن عندما بدأت الثورة وقف حسين رشدي إلي جانب قضية مصر واتضم إلي سعد في طلبه التصريح للوفد بالسفر إلي أوروبا لعرض قضية مصر علي مؤتمرات الصلح، فلما رفض الطلب استقال حسين رشدي في ديسمبر 1918.
 وقد حمد سعد لرشدي موقفه هذا، ونسي له ماكان منه أيام الجرب  وسعد نفسه كان من بين أولئك الذين تطور تفكيرهم السياسي تطورا حاسما في أثناء الحرب..
 لقد خدم أيام الاحتلال، وتولي الوزارة برضا كرومر، ولم يجد في ذلك غضاضة، لأنه كان - مثل غيره - يحسن الظن بالإنجليز، ويحسب أنهم صادقون فيما كانوا يقولونه من أن الاحتلال مؤقت، وأنه سيزول في يوم قريب..
 وكان المصريون - جميعا - عقب الاحتلال يرون أن عدو البلاد الأول هو الخديو ومحمد عبده نفسه كان يقول إن المصريين أمام عدوين: الخديو والإنجليز، وأن الإنجليز أهون شرا، وأن الخطر الحقيقي علي مصر والمصريين هوالحاكم من شجرة إسماعيل ومحمد علي.
 وكان الخديو قبل الحرب هو توفيق الذي استعان بالإنجليز علي مواطنيه، وبعده جاء عباس حلمي، وكان شيطانا خبيثا، ورجلا  جشعا ينهب البلاد دون  حياء  وكان - في حقيقة الأمر - سند الاحتلال الأول.
 وكان سعد من أعداء الخديو.
 فلما جاءت  الحرب عزل الإنجليز الخديو عاما وأقاموا مكانه  السلطان  حسينا، ثم أطلقوا أيديهم في البلاد..
 ورأي سعد وغيره من  أبناء جيله حقيقة الإنجليز، فقد عسفوا أهل مصر جميعا ونهبوهم علي صورة هي أبشع ماحدث في تاريخها، وهل هناك أبشع من أعمال السلطة البريطانية التي ضحت بعشرات الألوف من المصريين دون رحمة، وانتزعت الشباب من القري لتلقي بهم في وهج الشمس، يحفرون القنوات في الصحراء ويمدون الخطوط الحديدية، ولا غذاء للواحد منهم إلا رغيف جاف وطبق فيه من السوس أكثر مما فيه من العدس، فإذا  مات دفنه إخوانه حيث كان في الطريق..
 هذا إلي سرقة خيرات البلاد ونهبها دون حساب.
 هذه الحقيقة التي ذكرها ووصفها سلامة موسي في «تربيته» وهي التي رفعت الغشاوة عن أعين سعد  ومواطنيه..
 ولم يكن سعد ليستطيع أن يعمل شيئا في أثناء الحرب، فلما انتهت أحس أن  ساعة العمل قد أتت، فسار في طريقه المعروف.
 وهو عندما فعل ذلك دخل في دور جديد من حياته، دور الثائر علي العدوان علي بلاده، المكافح لدفع الظلم عن مواطنيه، المناضل في سبيل استقلالهم التام لا مجرد رفع الحماية عن بلادهم.
 وهذا هو الذي جعل نداءه يكتسح  البلاد كلها ووصل بصوته إلي بطون الريف، فاستجاب للنداء الباشا القديم الذي كان يخدم الاحتلال والطالب الناشيء الذي كان يستعد لمستقبلهو«ابن البلد» الذي كان لايزال يعيش في أحياء مصر البلدية  الغارقة في العصور الوسطي إذ ذاك والفلاح الذي كان يعيش في عصر الفراعنة في بطون الريف..
 وهذا النداء نفسه هو الذي أزال كل أثر للشك والريبة من  نفوس المسلمين والأقباط، وأنساهما أحاديث مؤتمر الأقباط وضلال بطرس غالي وصرخات الشيخ جاويش، وجعل من هؤلاء جميعا جيشا مصريا واحدا يخدم مصر ويطلب الموت في سبيلها.

 سينوت حنا، رمز لجيل مجيد
 في هذه الظروف ظهر أقباط مصر بطبعهم الصادق ومعدنهم الصافي، فأيدت غالبيتهم العظمي سعدا ووقفوا تحت رايته مناضلين.
 وعندما قرر الوفد توسيع  نطاقه  بضم نفر من أعضاء الحزب الوطني في  إبريل 1919و تقدم نفر من زعماء الأقباط ليأخذوا مكانهم في صفوف الجهاد.
 وفي الوقت الذي ضم الوفد  إلي قيادته مصطفي النحاس والدكتور حافظ عفيفي
 (وكانا من رجال الحزب الوطني) ضم أيضا رجالا آخرين هم: سينوت حنا وجورج خياط وواصف غالي، إلي جانب حمد الباسل وإسماعيل صدقي ومحمود أبو النصر وحسين واصف وعبد الخالق مدكور.
 ونقف  لحظات عند سينوت حنا.. لقد رأيناه من قبل يعارض أخاه بشري حنا فيما كان ماضيا  فيه عندما عقد المؤتمر القبطي.
 وكان سينوت إذ ذاك شابا ذا مركز ممتاز، فقد كانت أسرته من أغنياء الصعيد كانت لهم ضياع واسعة في ناحية ببا بمديرية بني سويف، وكان لهم مصر ف خاص وأملاك أخري في مديرية الفيوم.
 ومنذ أنت دخل سينوت الوفد وقف صامدا ثابتا إلي جانب سعد، دون  تأييد منه في مرة من المرات أي تردد أو شك.
 ولقد نفي واضطهد وفقد الكثير من ماله، وظل - رغم ذلك - ثابتا ثبات الصخرة، وزاهدا في كل جزاء حتي انتهت أيام سعد.
 وبعد سعد زغلول وقف سينوت إلي آخر حياته إلي جانب خليفته مصطفي النحاس، حتي لقد فداه بنفسه مرة، إذ تلقي بصدره حرية وجهها أحد جنود البوليس إلي ظهر النحاس، في أثناء وزارة إسماعيل صدقي التي كانت  إحدي التجارب التي لجأ إليها القصر والإنجليز،  ليكسروا شوكة شعب مصر وليضيعوا علي الشعب ذاك الكسب الصئيل الذي ناله من تصريح 28 فبراير 1922.
 ومع عظيم قدره وتضحيته لم ينل  سينوت شيئا، لأنه لم ينظر إلي مقابل أو جزاء.
 لقد أنفق من ماله علي الحركة  الوطنية ألوفا كثيرة، ومع ذلك فكلما جاءت وزارة وفدية تواجع  إلي الوراء  وترك غيره يحظي بالمنصب الكبير وكان لايهتم بالظهور قط، كان دائما يعمل في صمت  ووقار دون أن يستهوية لقب أومنصب...
 كان إيمانه بمصر وحقها صادقا  خالصا عميقا، وبإخلاصه هذا ضرب المصريين مثلا عظيما في الوطنية.
 حتي أخوه بشري حنا اقتنع بما لم يمكن يؤمن به، فدخل الوفد وصار من رجاله.
 وكان سعد يحب سينوت حبا شديدا، فكان لا يمر يوم دون أن يراه ولابقطع برأيس دون مشورته، ثقة منه في صدقه وإخلاصه.
 وبعد  نفي سعد النفي الأول  إلي مالطة، نجد سينوت حنا بارزا  بين  الطبقة الثانية من الوفديين، الذين تولوا قيادة الثورة في غياب سعد.
 ويبدو اسمه في النداء الذي وجهه قادة الأمة في 24 مارس 1919إلي الشعب، ينصحونه بالتزام الهدوء بعد أن بلغت الثورة ذروة عنفها، يتساقط الشهداء بالمئات في نواحي القطر كله.
 هنا نجد إمضاءه إلي جانب ستة أقباط آخرين في مقدمتهم الأنبا كيرلس بطريرك الأقباط.
 من ذلك الحين لا نجد عملا وطنيا في الصراع مع الاحتلال إلا سينوت حنا في طليعة المشتركين فيه.
 وعندما خرج سعد إلي منفاه في سيشل  مساء الخميس 29 ديسمبر 1920 كان معه ثلاثة من المسلمين: فتح الله بركات وأخوه عاطف مصطفي النحاس، واثنان من الأقباط: سينوت حنا ومكرم عبيد.
 ويقال إن  سعدا عندما بارح داره في الطريق إلي المنفي  كان شديد التأثر بادي الهم
 وأنه عندما أقامت به السفينة إلي منفاه في جزيرة نائية في المحيط الهندي وضع يدا علي كتف سينوت ويداً علي كتف مصطفي النحاس وابتسم وقال: مع أبنائي لا أشعر بأنني منفي.. كان الله في عون أبنائي الذين تركتهم في مصر..
 وفي سيشل كان سعد ينسي آلامه، عندما يتمشي مع سينوت في حديقة داره في المنفي.
 صورة رائعة من صور الإخاء في وطننا الخالد..
 سعد زغلول الذي لم يرزقه الله ولدا من صلبه، رزقه الله ولدين كانا أحب إليه من أبناء الصلب، هما سينوت حنا ثم مكرم عبيد..
 وعلي هذه الصورة من الولاء والتضحية ظل سينوت حنا إلي وفاته:
 لم يطلب لنفسه يوما شيئا، ولا هو استعظم تضحية في سبيل وطنه.

 القمص مرقص سرجيوس، الثائر الذي لا يسكن
وسنتحدث فيما بعد عن ويصا واصف وواصف بطرس غالي ومكرم عبيد.
 ولكننا نقف وقفة قصيرة عند مواطن قبطي آخر بعد من طلائع رجال ثورة 1919 وشخصياتها التي لاتنسي: القمص  مرقص سرجيوس، الذي كان طوال  حياته  ثائرا علي كل ما لايرضيه: علي الاحتلال البريطاني، وعلي بعض الأوضاع خاصة داخل الكنيسة القبطية، بل علي البطريرك يؤانس الذي كان طوال مدة بطريركيته نموذجا للراعي الصالح لشعبه وللمسيحي المخلص لكنيسته..
 ولكن القمص  مرقص سرجيوس كان زوبعة ثائرة علي كل شيء..
 وسط الثائرين المصريين كان  مرقص سرجيوس أشبه الناس بعبد الله النديم، ذلك الثائر البطل الذي تتلخص حياته في كلمات: حب مصر الثورة علي الاحتلال. الجهاد حتي الموت.. لاهدنة مع الشر والفساد.
 عاش عبدالله النديم نصف حياته العملية في المنفي: لم يهادن المحتل قط، ولا تخلي عن إخلاصه لأحمد عرابي بعد أن تخلي عنه كل الناس،  ونفي إلي الشام مرتين، وأخيرا مات منفيا بعيدا عن بلاده في الآستانة..
 كان مصريا أصيلا وثائرا بطلا..
 وكذلك كان مرقص سرجيوس..
 كان يحمل بين جنبيه قلب أسد ونفسا صافيه، وقد وهبه الله لسانا نصيحا يهز أوتار القلوب، كما كان
عبدالله النديم..
 عندما قامت الثورة ألقي بنفسه في غمارها.. ومضي إلي الأزهر، فارتقي المنبر وجعل يخطب..
 ودهش الناس عندما رأوا قسا قبطيا علي منبر  الأزهر يبدأ خطابه قائلا: بسم الله الرحمن الرحيم! ويقول إن الوطن لله، وإن عبادة الوطن هي وعبادة الله سواء، وأنه في سبيل مصر ينسي أنه قبطي، لأن مصر لا تعرف قبطيا ولا مسلما، وإنما هي تعرف أن الكل أبناؤها، وتطلب منهم جميعا أن يقفوا دونها صفا واحدا، ليحموا من العدو الإنجليزي المحتل فيها..
 وفي خطبة من خطبه أمام  فندق  الكونتننتال قال إن الإنجليز ليسوا  مسيحيين ولا يعرفون الله، وإنما هم كفار.. لأن الذي يغتصب  بلاد الناس ويقتل الشباب الهاتف لوطنه كافر، وظل يردد: كافر.. حتي أسرع  نحوه جندي إنجليزي مصوبا مسدسه إلي صدره وصاح الناس..
  سيقتلك ياأبانا.. اسكت ياأبانا.. ولكن القس مضي في خطابه يقول:
 متي كنا نخاف من الرصاص والموت؟ دعوه يقتلني لتطهر أرض مصر بدمي وتحل عليها بركة الرب..
 وعندما أحس أن بعض إخوانه الأقباط متقاعسون بعض الشيء، مترددون بين التزام الهدوء وبين السير مع الثورة، هاجمهم ومازال بهم حتي دفعهم في عباب الثورة..
 وفي حرارة إيمانه وثورته نسي الجميع مخاوف الماضي، وعرفوا أن الإنجليز أعداء لوطنهم مصر، ولاخير يرجي من عدو، لا لمسلم ولا لقبطي..
 وفي صحبة الشيخ محمود أبو العيون - من كبار علماء الأزهر إذ ذاك - عاد إلي الأزهر الشريف واعتلي منبره، وخطب معلناً أنه مصري أولاً وثانياً وثالثاً. وأن الوطن لايعرف مسلماً أو قبطياً، بل يعرف مجاهدين فقط، دون تمييز بين عمامة بيضاء، وعمامة سوداء..
كان يخرج من كنيسته في الفجالة مع الصباح متجهاً إلي الأزهر وكان ملتقي الثوار- وهناك يلتقي بالشيوخ..
في ذات مرة ظل يخطب هو وعلي الغاياتي أربع ساعت متوالية علي منبر جامع ابن طولون..
وعي إثر ذلك قبض عليه الإنجليز ونفوه إلي رفح، مع الشيخ الغاياتي ومحمود فهمي النقراشي ونفر آخر من رجال الثورة. وهناك علي ساحل قطعة عزيزة من أرض مصر - سار الشيخ والقس يتحدثان عن مصر ويرتلان أناشيد حبهما لمصر..
وبعد أن عاد من الاعتقال أخذ يكتب المقالات الوطنية في صحيفة «المنارة المرقسية».. ولم يكتف بما كان يكتب من مقالات ثائرة يوقعها باسمه، بل كتب مقالات أخري وقعها باسم «يونس المهموز»..
وفي سكون الصمت والمنفي الذي مات فيه عبدالله النديم.. مات أيضاً مرقص سرجيوس منفياً عن وطنه، وإن كان فيه!