رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

شيونغ يو تشون.. كاتب هزم الموت


ميرا أحمد وشيونغ

ميرا أحمد وشيونغ

تقديم وترجمة: ميرا أحمد
3/30/2019 11:20:22 AM

ربما ليس هناك أفضل من وصف مو يان الحائز علي جائزة نوبل له: إنه سليل عائلة تشو الملكية، حيث الموهبة العظيمة التي تشبه شلالاً هادراً.
هذا هو الكاتب الصيني الكبير شيونغ يو تشون، الذي بإمكانكم هنا أن تتعرفوا عليه وعلي منجزه الهائل في الأدب والمقال.

قابلته في المرة الأولي في مؤتمر اتحاد الكتاب للترجمة الأدبية في دورته الخامسة في مدينة قوييانغ والتي أحسبها مدينة الأحلام علي الأقل بالنسبة لي وكان ذلك في العام الفائت. انتهت فعاليات مراسم الافتتاح عند الظهيرة وفي المساء شاء القدر أن أجلس بجانبه علي طاولة العشاء. وبدأت الحكاية...
تحدثنا يومها طويلًا وأذكر أن غالبية الحديث كان عني.. وعن تجربتي في ترجمة الأدب الصيني وأعمالي المترجمة. كان يسألني بدقة متناهية عن التفصيلات الصغيرات؛ من تفضلين من الأدباء الصينين؟ لماذا ترجمت هذا العمل؟ ماذا أعجبك في هذا العمل؟ كيف تغلبت علي صعوبات هذا العمل؟ وأسئلة من هذا القبيل التي تهم أي مترجم وخاصة من يتخصص في الترجمة الأدبية. غمرتني السعادة ليلتها لأنها كانت المرة الأولي التي يجمعني مثل هذا الحديث الزاخر مع أديب صيني ولم يكن أديبًا عاديًا، بل من طراز رفيع. شعرت ليلتها أنه ليس حوارًا من تلك الحوارات المألوفة بين مترجم وكاتب، بل كان أشبه بمحلل نفسي يحاول سبر أغوار من يحاوره، ويجوب خانات عقله ويفضها واحدة تلو الأخري. يحاور بطلاقة وينتقل من سؤال إلي آخر في خفة ورشاقة . معه لا يمكن أن تأخذ حذرك أو تبدو ذلك المتحفظ أو ترد تلك الإجابات المقتضبة، بل ترخي العنان لكلماتك فتنساب علي شفتيك كشلال هادر ونسيت ليلتها أن آخذ حذري مثلما تحدث الكاتب مويان وقال إنه نسي أيضًا أن يأخذ حذره وهو يتحدث معه علي شاطي النهر.
 ومنذ يومها وقد اعتزمت علي اكتشاف هذا الكاتب، وكنت بالفعل أعرفه من قبل لأنه من كتاب الصف الأول في الصين، لكني رغبت في الغوص داخل عالمه الأدبي، فأنا لا أملك سوي هذه الأداة لاكتشاف كنوز الأدب. وانتويت كما سبح داخل عقلي ببراعة، أسبح أنا أيضًا داخل نصوصه وأتنقل من نص إلي آخر ومن قصيدة إلي أخري وأطالع قصة بعد قصة كي أفض أسرار عقله وقلبه في آن. وكنت علي يقين أنني سأجد ما يأسر عقلي ويسلب قلبي. وتتفتح أمامي نوافذ أدبية جديدة وأجوب عوالم خاصة وأعيش تجارب ذاتية وأستشعر معاناة جديدة وأحس آلاماً وأحزاناً تختبئ خلف الكلمات وأفراحاً وآمالاً تتقافز بين السطور. أبكي عند الفراق وأسعد عند لحظات اللقاء. أحيا حينما تدق ساعات الحياة وأموت حينما تسقط أوراق الخريف.. أستشعر أنات فؤاد مكلوم وأسمع همسات عاشق مجنون..
سبحت وحتي الآن لم أستطع أن أصل إلي الشاطئ ويبدو أنني كنت أسبح في بحر غريق. جبت واحات خضراء من أدب ذي طابع فريد، أدب يأخذك إلي مكان بعيد فتتحرر نفسك من قيودها الحديدية وينفك حصار إقامتك الجبرية وسط الحياة المادية بكل تفاصيلها الجامدة والفاترة والصاخبة، فيصفو ذهنك وتشعر أنك لم تعد هذا الشخص، فتروح وتبحث عن أصولك وجذورك التي تاهت وسط زحام الأيام. سيخف وزنك حتي تصبح ريشة تطير علي حدود السماوات، كنسمة صيف تنعش قلبا قد سأم انتظارا مريرا وتسكن عقلا تعب من تفكير طويل..
 وقد عدت إلي موطني حاملة معي ديوانه الأخير والذي يحمل عنوان »حياتي تقبع خلفي«.. تنقلت بين القصائد كفراشة تنتقل من زهرة إلي زهرة. نعم لم تكن قصائد عادية، بل كانت زهرات يانعات بألوان حلوة زاهية. كنت أجوب حديقة غناء تحوي أزهارا موسمية وغير موسمية.. سمعت همس الكلمات ورنين القوافي والأوزان.. لم يكن هذا بديوان شعري، بل كان روضة من الخيالات والتشبيهات والاستعارات. نعم كان دربًا من الخيال الجامح لرجل خلق ليكون شاعرًا وليس إلا.. رحت أفكر كم عاش هذا الرجل وماذا رأي وأين ذهب ليحمل داخله كل هذه المشاعر المذخورة والتجارب الحياتية. وكان أكثر ما وقفت عنده طويلًا هو فصل بعنوان «الفراق» وهو يتحدث عن فراق الأحبة وعن حب أسطوري لا يمكن أن يطويه النسيان. حينها شعرت أنني أكتشف معاني جديدة للحب لم أكن أعرفها وعذابات الفراق ولوعات الحب لم أكن أخالها أن أجد أحدًا يستشعر مثلها.. ويبدو أنني كنت جاهلة بثمة أشياء.
 يمتلك شيونغ يو تشون تجربة شعرية فريدة من نوعها فهو يري أن الشعر قد غير مسار حياته وحوله من مجرد طالب في كلية الهندسة إلي شاعر يتفرد بأسلوب خاص ويتمتع بخيال خصب ويؤكد علي ثراء حياته وتعدد التجارب الإنسانية التي عاشها. ولا عجب فهو رحالة متعدد الأسفار يهيم علي وجهه وينتقل من مكان إلي مكان، يجوب الصحراء ويتسلق الجبال والهضاب، ويرصد المشاهد من حوله ويراقب الأشياء عن قرب وينهل من الطبيعة قدر المستطاع ويختزن من الصور والمواقف وهو يفعلها دون قصد.. فهذه هي طبيعة الشعراء.
وكما أثبت موهبته العالية في الشعر، أثبت أيضًا أنه يمتلك جميع المقومات التي تؤهله  ليحجز مكانًا خاصًا في الإبداع النثري. فقد برعت مقالاته في تصوير التغييرات الطفيفة في تفاصيل الأشياء من خلال اللغة، وسبر أغوار الحياة مع المزيج بين التشبيهات والاستعارات. تتسم مقالات شيونغ يو تشون بشيء من الغموض وتكشف لغته النثرية عن الغريب في الرومانسية، ويختفي تصويره للمناظر الطبيعة عن تصوير الآخرين.
المقالات النثرية حقل ليس من السهل زراعته، فهي السهل الممتنع أمام أي كاتب وهذا إجماع العديد من الكتاب الذين يعملون في مجال النثر. وفي الوقت نفسه هو ليس نوعًا من الرياضات الصعبة التي لا يمكن تجاوزها أو أمر ميئوس منه، بل هو يحتاج إلي مشاعر حقيقية واهتمام خاص بالحياة وتجربة فردية وشخصية خاصة لصاحبه.
يري شيونغ يو تشون حينما نتحدث عن النثر هل ما زلنا نعتبره نوعًا من الأدب؟ إذا كان لا فالأمر ليس في حاجة إلي جدال وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي وضع معايير معينة للجماليات وللسمات الخاصة به. وينبغي وضع تعريف خاص به يختلف عن تعريف الرواية والشعر، وإلا سيندثر النثر إلي الأبد.
ويستمر إبداعه ليصل إلي فن الرواية فكتب شيونغ يو تشون العديد من الروايات التي ترصد أسفاره ورحلاته وتجاربه الفردية ويعبر عن حالات بشرية معقدة. فقد اعتمد علي سمات أسلوبه في النثر ليدخل عالم الإبداع الروائي. وقد أشاد بأعماله الروائية الكثير من النقاد وترجمت أعماله إلي عدد من اللغات الأجنبية مثل الألمانية والإنجليزية والمجرية والروسية واليابانية وغيرها من اللغات الأخري. ومن أشهر أعماله «قرية ليان آر» و«سنوات المطر» و «انطباعات عن التبت» و «زيارات لا تنتهي إلي التبت».
ولد شيونغ يو تشون في عام 1962 في هونان. وتخرج في  جامعة  تونجي  للهندسة  قسم  الهندسة  المعمارية في عام 1983 وقد مارس العمل الهندسي بعد التخرج، ثم التحق  للعمل كمحرر في إحدي المجلات في عام 1989 ثم شغل منصب مدير التحرير. وفي عام 1992 نقل إلي مكتب الصحافة والنشر في مقاطعة هونان وشغل منصب نائب مدير وكالة التصوير الإخباري لمقاطعة هونان ورأس تحرير مجلة «أخبار الصور». وانتقل للعمل في الجريدة الصينية الشهيرة «يانغ تشنغ للأخبار المسائية» وشغل منصب كبير المحررين ومدير قسم الأدب والفنون. وفي مارس عام 2008 تم تعيينه كنائب رئيس معهد قواندونغ للأدب. وهو عضو في اتحاد الكتاب الصينيين ومن أدباء الصف الأول في الصين. والآن يشغل منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب في قوانغدونغ، وقد شغل منصب الأمين العام لاتحاد الكتاب في قوانغدونغ. نشرت أولي قصائده في عام 1987 وكانت بعنوان «الريح الخضراء»، وفي عام 1987 كتب أول نثر بعنوان «شاطئ نهر تان الرمادي». وله عدة مؤلفات في الشعر والنثر والرواية. حصل علي جائزة بينغ شين عن نثر «نافذة علي الحياة»  وحصل علي جائزة لوشون الأدبية عن نثر «أجداد علي الطريق»، وحصل أيضًا علي جائزة قوه مو روه في النثر، وتم اختياره كأحد صناع الأدب متعدد المواهب، وموهبة رائدة في الإبداع الصيني في مقاطعة قوانغدونغ، والأديب الصيني الذي يجمع بين الفن والأخلاق وغيرها من الجوائز الأدبية الهامة الأخري.
 وعلي الرغم من الحيوية المتدفقة من شيونغ يو تشون وروحه المنطلقة والمرحة، إلا أنك تستشعر في معظم كتاباته بمسحة من حزن عميق تتخلل الكلمات وتظهر جليًا في الوصف. وقد تحدث في معظم مقالاته عن النهايات وعن الفراق وعن الموت، فنجد مثلًا في نثر «نافذة علي الحياة» يصور مشهد مرض وموت الأم وحاله بعد الفراق وكيف يبحث عنها في كل الوجوه ودائمًا يحمل صورتها معه وكأنه يخشي أن ينسي ملامح وجهها. ومثال آخر في ديوانه الأخير حينما تحدث عن فراق العشاق ووصفه بأنه مثل حادث سير وغيرها من الأعمال الأخري التي تعبر عن الوعي الشديد بالموت وكأنه يبحث عنه! لكن يبدو أن كلاً منهما راح يبحث عن الآخر، فراح الموت هو أيضا يتعقب خطاه وكأنه يرغب في أن يقتنصه. فقد نجا الكاتب شيونغ يو تشون من موت محقق ست مرات أو أكثر. كانت المرة الأولي حينما كان يتجول في التبت ولقي ذئبًا وسط المروج، والثانية وهو يتسلق جبل إيفرست وواجه انهيارًا جبليًا وأرضيًا. والمرة الثالثة في وادي يارو تسانغبو في منطقة التبت وهو أكبر واد في العالم وقد واجه جرفًا طينيًا وانزلاقات طينية عميقة. والرابعة حينما سقطت شجرة يبلغ ارتفاعها أكثر من مائة متر علي الكوخ الذي كان يسكن به في التبت، وواجه حادث سيارة عدة مرات نجا منها بأعجوبة... وفي كل مرة كان  ينجو  من الموت كان يشعر بالدهشة أنه ما زال علي قيد الحياة ومازال في العمر بقية.