رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
عدد خاص

محمود خير الله:الشعر يفي بوعده دائماً


حوار: إسراء النمر
3/30/2019 11:56:54 AM

في منتصف التسعينيات، كان محمود خير الله يستقل القطار يومياً حتي يأتي إلي القاهرة. كان يستقل القطار وهو لا يعرف ما الذي ينتظره: أي الوجوه سوف يُحدق فيها، أي الأكتاف سوف يصطدم بها. كان يستقل القطار وهو مستسلم تماماً. مستسلم للوقت الذي يمر ببطء، وللنوافذ التي تعبر سريعة. مستسلم للذباب، وللسباب. مستسلم للأذرع المبتورة، وللأرجل التي لا تعرف الطريق. مستسلم للغبار، وللباعة الذين يرفعون أصواتهم ويلوحون بأيديهم كأنهم يؤدون الرقصة الأخيرة. مستسلم للسعال الذي يستقر علي قميصه، ولدخان السجائر الرديئة. مستسلم للصوص ولمرضي الجذام ولأهالي المساجين. مستسلم للعاهرات وللعجائز وللفلاحات ذوات الجلاليب السوداء، والملوّنة كذلك. مستسلم لمحصل الأجرة.. الوحيد الذي لم يرو له حكايته. مستسلم للرجال الذين يتثائبون طيلة الوقت، وللرُضع الذي يصرخون لأن لا أم بإمكانها أن تمنحهم صدرها. مستسلم للجثث التي تلمع من بعيد، وللمقابر التي تخبره أن الموت نهاية أي شيء. مستسلم لنفسه.. نفسه التي لا تعرف أي جرم ارتكبته حتي تري كل ذلك.

كان يستقل القطار وهو يعي تماماً أن المصروف الذي أخذه من أمه لن يكفيه، وأن المسافة لن تُنسيه مرارة أنه ابن »زنجي»‬. ولولا أنه يريد من البداية أن يكون شاعراً حقيقياً، لأصبح واحداً من الضحايا الذين يخلفهم القطار وراءه. ولا أقصد بالضحايا هنا، الموتي والمصابين، إنما العاديون والبسطاء، فكل من ركب القطار صار ضحية بشكل أو بأخر.
يقول محمود خير الله إنه خلال الانتظار الممل في القطار، الذي قضي فيه قرابة الخمسمائة ساعة، تعلم كيف يقرأ البشر، وعرف أن هذا سوف يقربه أكثر من الشعر.
هكذا كان يتعايش، فلم يكن يستقل القطار أبداً لأجل أن يصل إلي المدينة، ولكن لأجل أن يصل إلي الشعر. ولم يكن الوصول سهلاً بالطبع. احتاج منه الأمر سنوات طويلة حتي يستطيع أن يكتب القصيدة التي يريد. وفي ديوانه الأحدث (الأيام حين تعبر خائفة)، الذي أعتبره ديوانه الأجمل، نجده يتعري أخيراً، لكنه وهو يفعل ذلك، عري العالم معه. العالم الذي يشبه ـ عنده ـ القطار كثيراً، فهو لا يريد سوي أن يمشي مختالاً بين »‬الشجر».
يعيش محمود خير الله الآن في مدينة فاخرة، في بيت هادئ، يطل علي حديقة صغيرة. ولا يستقل سوي سيارته الخاصة. يعيش ولا ينسي هذا »‬الكيان الضخم الذي يحمل أحلام الفقراء». لا ينسي صراخه وهو »‬يعبر متجهماً بين العشش والمساكن». لا ينسي شاربه الذي يحمل عليه رجال أشداء. لا ينسي »‬الآلام التي شربها فيه، والتي يسقي بها دوماً قصائده». وربما هذا ما علمه له القطار، أن لا ينساه أبداً، لأنه سوف يأتي يوم ويحمل له النهر جثة عدوه، خصوصاً النهر الذي يعبره هذا القطار.
هنا أحاور محمود خير الله الذي لا يزال يجري وراءه الرجل العجوز الذي خطف منه برتقالته، والذي لم تبق له الحياة شرفة علي حالها.

دعنا نبدأ من عند ديوانك الأحدث (الأيام حين تعبر خائفة)، ومن عند القصيدة التي تتحدث فيها عن النافذة. شعرت أنكَ لا تريد أن تتعامل مع العالم كندٍ، وأن النافذة بالنسبة لكَ كانت محض ثقب، إطار، وأن لا وجه بإمكانه أن يطل منها سوي وجهكَ، كأنك تريد أن تقول إنكَ قضيت حياتك واقفاً، ومتفرجاً، أو كأنك تقول إن الذي كان متاحاً لكَ النافذة، وليس الباب مثلاً.
عليك إذن أن تعرفي الحكاية من أولها، ورغم أنها حكاية قديمة جداً، لكن يبدو أنني حملتها معي دون قصد. لقد قضيت سنوات طويلة من عمري أحلم أن أطل من نافذة، لن أقول لكِ أن تكون لي نافذتي الخاصة، لأنه كان حلماً لا أقدر عليه، فأنا من أسرة فقيرة.. ولدتُ في مدينة شبين القناطر، وهي ليست مدينة بالضبط، هي قرية، أناسها يرتدون الجلاليب، ومواشيها تسير طوال الوقت في الطريق، وكانت البيوت حينها تتكون من طابق أو اثنين بالكثير، ولم يكن في ذهني بالطبع أن أطل من نافذة من طابق علوي، فقط كنتُ أريد أي نافذة، لأن نوافذ بيتنا كان عددها ضئيل جداً، والنافذة الوحيدة التي كانت متاحة لي هي نافذة الغرفة التي أنام فيها. لا يذهب خيالك إلي بعيد. لم أكن أنام فيها وحدي، كان معي إخوتي الثلاث. وهي في الأساس غرفة أختنا الكبيرة والوحيدة. لذا لم يكن مسموحاً أن نفتح النافذة، لأننا نسكن في الطابق الأرضي، ومن السهل جداً أن يرانا الجيران والمارة.. والبهائم أيضاً. وعشت هذه الفترة من طفولتي أقف خلف النافذة، أنصت إلي الحكايات التي تتسرب منها، وإلي أنات العجائز، وعويل النساء، وكنتُ أحياناً أقضي الليل في عد الأرجل التي تمر من أمامها. لم يكن بإمكاني حينها أن أتعامل مع العالم كندٍ، لأنه كان عالماً مجهولاً وغامضاً، ولم يكن بيدي شيئا سوي أن أتلصص عليه. هذا التلصص فادني كثيراً، لأنه علمني مبكراً ألا أنتظر الحياة، وأن أذهب إليها بنفسي. وهذا يعني أنه لم يكن أمامي سوي الأبواب. لكن النافذة ظلت دائماً الغاية. وحين تزوجت أختي، شعرت بقليل من الحرية، لأنه صار مسموحاً أن نفتح النافذة، وأن نصير مثل الناس، نطل منها، ونتحدث إلي العابرين، ولن أخفي عليكِ، لقد اكتشفت عالماً آخر غير الذي في ذهني، فهناك أشياء لا يمكن أن تريها إلا عبر النافذة، مثل الحب.
إنه الألم الذي ينبع منه شعرك إذن. هناك ألم أخر لمسته في كل دواوينك مُتعلق بوالدكَ. وقد قرأت شهادة لكَ بعنوان (أنْ تكونَ ابن زنجي) تقول فيها إن العالم اختار لسبب ما أن يداعبك بلون أبيك، وأن هذا جعلك تبكي وأنت تكتب قصيدتكَ الأولي. إلي أي مدي كان والدكَ مؤثراً في حياتك خصوصاً أنه كان مُدرساً للغة العربية؟
أبي هو الألم الأعظم في حياتي. أبي كما قلتِ كان زنجياً، وكان مدرساً للغة العربية. شيئان متناقضان تماماً. شيئان طالما جعلاني أبكي، لأنني حين كنتُ أسير معه كنتُ أسمع ضحكات الأطفال وسبابهم لنا، وكان هذا يؤلمني، ويشعرني بالإهانة، ولم أكن أعرف ماذا عليّ أن أفعل، أحياناً كنتُ أشتمهم، وكثيراً ما كنتُ أستسلم للصمت. أبي كان رجلاً بسيطاً، وفي حاله. وكان هذا يغيظني لدرجة أنني حين قررت أن أنشر أول نص لي اخترت أن يكون اسمي محمود خيرالله، وليس محمود إسماعيل، وهذا أزعجه، لأنني كنتُ أخبره أن جدي يستحق أن يُلحق اسمه باسمي، لأنه كان رجلاً شجاعاً، فحين هجم عليه مجموعة من اللصوص دافع عن نفسه وقتلهم جميعاً. ربما أردتُ من أبي أن يقتل الناس الذين يسخرون منه، ربما أردتُ ألا نسير بجوار الحائط، وأن نرفع رؤوسنا في وجوه المارة. أعتقد أنه ليس هناك أسوأ من أن يقول لكَ الناس يا ابن الأسود، وأن يكتشفوا ذلك من دون أن تخبرهم. ففي يوم زارتنا زوجة نسيبي، وهي امرأة أمريكية تعرف جيداً في علم الأعراق، حين رأتني لأول مرة قالت إنني ابن أسود وامرأة بيضاء، ورغم أنني كنتُ ناضجاً وقتها بما يكفي، لكنني تألمت وتذكرت المرارات التي عشتها بسبب بشرة أبي، إذ ظللت فترة مراهقتي وشبابي أشعر بالاضطهاد، وبقسوة العالم، ولم يخفف من وطأة ذلك سوي سطر شعري لشاعر أمريكي، ترجمه صديقنا أحمد شافعي، وهو »‬كُلنا في الليل شعراء سود».  
-ولماذا كنتَ تبكي لكونه مُدرساً؟
أبي كان عاشقاً للغة، وكان يخصص جزءاً من وقته لتعليمي قواعد النحو، ولم يكن بالطبع يطيق أن أخطئ، لذا كان يضربني. أذكر أنه صفعني مرة بقوة، حين كنتُ في الصف الثاني الإعدادي، وسقطت مُغشياً عليّ، ولا أعرف هل كانت الصفعة قوية، أم أنني كنتُ هزيلاً بما يكفي، لكن ما أعرفه أن أبي تأثر وقرر ألا يضربني ثانية. أبي أيضاً كان عاشقاً للصحافة، وكان يقرأ يومياً مقالاً لمصطفي أمين، وكان يُلزم أخوتي بقراءته، ورغم أنه لم يكن يطلب مني ذلك، لأنني كنتُ صغيراً، إلا أنني كنتُ أقرأ حتي يرضي ويغفر لمن لم يقرأ من إخوتي. لقد كان مثقفاً، وكنتُ محظوظاَ أن في بيتنا مكتبة، لأن هذا ساعدني مبكراً علي الدخول في عالم الأدب. أشعر أحياناً أنني أكتب الشعر لأجل أبي الذي لم يستطع كتابة قصيدة واحدة. وبرغم ذلك، أشعر بالأسف لأنني عشت عمري ثائراً عليه، إذ كنتُ منساقاً وراء دعوات قتل الأب، وكراهيته، ولم تتوفر لي فرصة الحديث معه بشأن آلامه، إلا قبل أن يموت بعام واحد، إذ أصيب بالسرطان، وكان يأتي للقاهرة ليخضع للعلاج، ولأني الوحيد من إخوتي الذي يعيش هنا، فقد رافقته، ورأيته وهو ينتهي تماماً.
هل مأساة والدك هي ما جعلتك تتبني قضايا الضعفاء والمُهمشين والمنبوذين وغير القادرين علي كتابة الشعر.. أم لأنك تحمل أيديولوجية معينة؟
لم تكن مأسأة أبي وحدها، كانت لديّ عمة تأثرت بها، وقد كتبت عنها قصيدة في ديواني (ظل شجرة في المقابر). هي أيضاً زنجية، وعاشت عمرها وحيدة، ولا يقترب منها أي رجل، وحين وصلت إلي الخمسين، تقدم لها رجل عجوز وكفيف، فوافقت، وتزوجته، لكنه لم يدخل بها، لأن أولاده اعتدوا عليه وأجبروه علي الطلاق، الأكثر من ذلك، أنها أُصيبت بمرض عقلي، وعاشت أواخر أيامها عبئاً علي الآخرين. لقد وجدتني من البداية مُتبنياً قضيتها، وقضايا الناس الذين عشت معهم. الكتابة عن عمتي مثلاً أهم عندي بكثير من الكتابة عن سهير القلماوي! لذا واجهتني مشكلة كبيرة مع بعض الذين يكتبون قصيدة النثر، لأنهم استبعدوا الناس، والقضايا الكبري منها، وفي رأيي القضايا الكبري لا تموت، لأن الفقر لا يموت، القهر لا يموت، الجهل لا يموت. بعد ذلك، بالتحديد حين دخلت الجامعة، تعرفت علي ماركسيين، ولم تعد تبني قضايا المهمشين والفقراء والذين لا خطاب لهم قناعة فطرية، بل قناعة موجهة، وأيديولوجية. في النهاية، هناك شيء أكيد، أن الشاعر هو السنوات العشر الأولي، وأنا من الذين عانوا، من الذين انطلقوا في الشوارع، وصنعوا طائرات ورقية. لذا ليس بإمكاني أن أغادر هذه الطفولة.. أن أغادر هؤلاء الناس.  
-كنتَ من الذين هاجموا شعراء جيلك لأنهم كانوا مهتمين بقصيدة الذات والجسد، رغم أنهم فعلوا ذلك للتمرد علي شعراء السبعينيات والثمانينيات.. هل يُعيب الشاعر أن يكتب عن ذاته التي تتماس في النهاية مع ذوات الآخرين؟ هل يُعيبه أن يكتب عن الجسد الذي هو طريقة لاكتشاف العالم؟
ليس عيباً بالطبع. العيب أن يكون هناك توجه لأن تصير قصيدة النثر هي قصيدة الذاتي والفردي والجسدي. العيب أن تكون هناك قاعدة يلتزم بها الجميع ويمشون في ركابها. أنا أتعجب من هؤلاء الذين يفرضون وصايا علي الشعر، ويعتبرون القصائد المتبنية للقضايا الكبري قصائد بالية، لأن هذا النوع من الدعايا ابن الفكر الرأسمالي، الراغب في تحييد أي شيء. الشعر لا يستطيع أن يكون محايداً، الشعر يجب أن يكون منحازاً، إما لذاته، أو لذوات الآخرين. كان أشهر الذين يكتبون هذا النوع من الشعر علي سبيل المثال أحمد يماني، وهو صديقي، وأحبه كثيراً، لكنني لم أري أن الاحتفاء بالذات والجسد في ديوانه (شوارع الأبيض والأسود) يمثلني، في المقابل كان هناك شعر عماد أبو صالح، الذي يحمل قضايا البشر، يقول في قصيدة: (حتي لو في البالوعات/ سيلتقي ماء حموم رجل وحيد/ بماء حموم امرأة وحيدة). أعتقد أن الشعر يجب أن ينبع من قضية، حتي يستطيع أن يكون شعراً حقيقياً، وصادقاً. من هنا جاء انحيازي المبالغ فيه للشاعر الفلسطيني طه محمد علي.
-هناك من يسخر من وصف الشعر الحقيقي والصادق. يقولون ما هو الحقيقي.. وما هو الصدق؟ ومن الذي يستطيع أن يحدد ذلك؟ فالقصيدة التي أتأثر بها، قد لا تتأثر بها أنت، كما أنه ليس من الضروري أن ينبع الشعر من الألم.
لا أستطيع أن أقول ما هو الشعر الحقيقي والصادق، لأن ليس هناك تعريف محدد له، لكن بإمكاني أن أحكي لك شيئاً، حين كنت في مدينة سيت في فرنسا، شاركت في ندوة أقيمت علي البحر، وكانت هناك امرأة بين الحضور تحتضن طفلتها، لاحظت وأنا ألقي قصائدي أنها تمرر يدها علي جسد الطفلة، وأن الطفلة في حالة هدوء تام، كأن ما أقوله، وما تفعله أمها، يخدرها تماماً. وفي منتصف قراءتي، وجدتُ الشاعر التونسي عبد الوهاب الملوّح يُحيني قائلاً: الله عليك، فأشارت له المرأة -التي لا تعرف اللغة العربية- لكي يسكت. ما أريد قوله، أن الشعر الحقيقي والصادق هو مايصل إلي الناس.. ما يعبر عنهم، ويكشف لهم المناطق الكامنة في ذواتهم. الشعر الحقيقي والصادق -في رأيي- يجب أن ينبع من ألم، وأعتقد أن كلنا لدينا آلام، فما الشاعر سوي مجموعة من الآلام المهضومة، المهم أن تكون هذه الآلام حقيقية، ولا تسأليني كيف تكون حقيقية!
-لن أسألك، أريد فقط أن أعرف هل غياب الألم ينفي الشعرية؟ وهل من الضروري أن يكون للشاعر تجربته الخاصة، وأن يحدد موقفه من الإنسان والعالم.. أم أن الموهبة وحدها قد تكفي؟
غياب الألم لا ينفي الشعرية، لكنه قد يجعل القصيدة لا تتحرك من مكانها. الذي ينفي الشعرية هو غياب القضية. وليس من الضروري أن تكون هذه القضية مرتبطة بفقراء ومهمشين، قد تكون مرتبطة بالذات، وأحبها. هناك تشارلز بوكوفسكي علي سبيل المثال، لم يكن يعنيه سوي أن يعيش حياته، وأن يكون سكراناً وبرفقة النساء، لكنه استطاع أن يصنع عالمه الخاص. هنري ميللر لم يكن له قضية كبري، وكان يكتب من منطلق ذاته، لكنه وصل إلي قلوب الملايين. أتصور أن من المهم أن يكون للشاعر تجربته الخاصة وحيواته المتعددة، وهو مايفسر لماذا ليس لدينا الكثير من الكاتبات، لأن المجتمع لا يسمح للمرأة أن تتنفس، وأن تأخذ حريتها، فالمرأة قد تصل إلي الثلاثين ولم تعش سوي تجربة حب واحدة، كما أنها لم تر العوالم الغريبة الموجودة في البارات والغرز والمقاهي الشعبية، المرأة أيضاً لا تعي خطورة هذا الفخ، سأحكي لكِ موقفاً، في يوم ذهبت لأحضر ندوة لإحدي الكاتبات، دخلت القاعة وأنا أهرول، وحين جلست بجوار واحدة من الحضور، تأففت وطلبت مني أن أبتعد عنها، نعم كانت رائحتي كريهة، لأن الشمس بالخارج كان قاسية، لكنني فكرت لوهلة ماذا لو جلبت معي نساء القرية ليحضرن الندوة؟! أنتن إذن تكتبن لمجموعة معينة من النساء. دعينا نعترف أن هناك خللاً كبيراً، وإن اعتمدت المرأة علي موهبتها فقط، سوف لن تصل لشيء، الرجل كذلك، لأن الموهبة وحدها لا تكفي، وهناك الكثير من الشعراء الموهوبين الذين بدأوا معنا، وتوقفوا، وإن سألتني عن الجحيم، سأقول لك إن الجحيم هو أن تتوقف عن كتابة الشعر. كما أتصور أنه يجب أن يحدد كل منّا موقفه من الإنسان والعالم. ولا أرمي إلي أن الشعر بإمكانه أن يغير العالم، الشعر بإمكانه فقط أن ينقذ الخيال، ويحافظ عليه.
-رغم أنني أعرف أنكَ تراجعت عن البيان الشخصي الذي كتبته قبل 15 عاما، ونشرته في ديوانك (ظل شجرة في المقابر) إلا أنني أحتاج لأن أتوقف عنده قليلاً، لماذا كنت متحاملاً هكذا علي أنسي الحاج؟ إذ قلت إننا نخالف معتقداته وظنونه الشخصية والاعتباطية. ولماذا حين تجد شاعراً يحب أدونيس، أو متأثراً به تسخر منه؟ أنا نفسي مرة كتبت علي صفحتي الشخصية علي الفيسبوك أنني أشعر أن وديع السعادة كتب كل الشعر الذي من المفترض أن يُكتب، وشعرت أنك غضبت، إذ علقت قائلاً: لا طبعاً.. كل منّا بستاني في حديقته. هل بإمكاني أن أقول إنك »‬واخد موقف» من الشعراء الشوام؟
حسناً، نبدأ من عند أنسي الحاج، لقد كتبت اعتذاراً له بعد وفاته، ونُشر هنا في »‬أخبار الأدب»، وقلت إنني لم أكن أعي ـ قبل أن أكتب البيان الشخصي ـ ما يكتبه، وأنني قرأته بعناية بعد ذلك وأدركت المعاني العميقة والأساليب غير التقليدية التي يستخدمها. والذي دفعني للهجوم عليه أنه لم يكن هناك حينها نقد حيادي لأعماله، فإما أن تجدي تبجيلاً وتعظيماً له، وإما نيلاً منه، وفي الحالتين لم يكن هناك مبررات مقنعة، لذا كانت الرؤية لديّ مشوشة. ولا أحد ينكر أسبقية أنسي الحاج وغيره من الشعراء الشوام في قصيدة النثر، ولا أستطيع أن آخذ موقفاً منهم، أنا فقط ضد التعامل معهم علي اعتبار أنهم آلهة، وهو ما يجعلني أسخر من الشعراء المصريين حين أجدهم يفعلون ذلك، لأننا في النهاية بشر، ولنا أخطاؤنا الفادحة. وبالنسبة لوديع سعادة، أنا أحبه جداً، وقد تأثرت به في بداياتي، خصوصاً بديوانه (بسبب غيمة علي الأرجح)، لكنني أخالفك الرأي في أنه كتب كل الشعر الذي من المفترض أن يُكتب، لأنني أحسب أن الشعر كثير ومتعدد، فخلف كل عمود إنارة، وتحت كل حجر، قصيدة بانتظار أن يكتبها شاعر ما.
-قلت أيضاً إن »‬قصيدة النثر في مصر لا تزال عاجزة كأنها سقطت في فخ نفسها»، »‬ولو كان العمر امتد بصلاح عبد الصبور لما كان المشهد الشعري لينتهي إلي هذا المصير».. لماذا تري ذلك؟
لأننا لم نستطع أن نصل بقصيدة النثر في مصر إلي الوضع الذي يليق بها، فهناك تخريب يحدث للذائقة العامة، بسبب استبعادها من المؤسسات ذات الطابع الجماهيري، واستبعادها من مناهج التعليم والأزهر، فالدولة لا تقدم سوي نوع واحد من الشعر، والنتيجة أن الكثير من القراء العاديين لا يميلون إلي قراءة قصيدة النثر، ولا يفهمونها، عفواً ليس فقط القراء العاديين، بعض العاملين في الثقافة أيضاً، فلديّ تجربة مريرة مع مجلة شعر، إذ كنتُ أشغل فيها لفترة ما منصب مدير التحرير، وفي يوم ذهبت لرئيس التحرير بملف عن الشاعر الكردي الكبير شيركو بيكه س، نظر فيه وقال بتهكم »‬مين شيكو بيكو دا يا أستاذ محمود.. أنت كل شوية تجبلنا شاعر مانعرفهوش»، فقلت له أنت لا تصلح لهذا المكان، ولأنك لن تمشي، سأمشي أنا، وبالفعل قدمت استقالتي. هذا ما يحدث غالباً، أناس ليسوا علي دراية بالمشهد الشعري يتحكمون فينا، وفي الأماكن التي تهتم بالشعر. لذا كنت أتمني بالطبع أن يبقي صلاح عبد الصبور، وليس أحمد عبد المعطي حجازي، الذي ظللنا - علي مدار الستين عاماً الماضية - تحت رحمته، فهو من يحدد مسار الشعر وجوائزه.  ليس معقولاً مثلاً ألا يتم دعوتي أنا وكثير من شعراء قصيدة النثر لإلقاء قصيدة أو للمشاركة في فعالية ينظمها المجلس الأعلي للثقافة أو اتحاد الكتاب أو مؤتمر الأقاليم، ليس معقولاً أن أول دعوة حقيقية من مؤتمر شعري كبير تكون آتية من فرنسا، أريد أن أعرف مثلاً ما الدور الذي يقوم به بيت الشعر، ومن أين يأتي بالشعراء الذين لا نسمع عنهم، ولماذا لا يمنح جائزة مثلما منح بيت الشعر المغربي جائزة لوديع سعادة، صحيح قد يفسد شعراءنا بعد الجوائز، لكن الجائزة دليل احترام لهذا النوع من الشعر، للأسف بيت الشعر يدمر الشعر.
نعود ثانية إلي ديوانك الأحدث، أشعر أنه الأكثر نضجاً واكتمالاً في تجاربك، وأنك فيه تعرف ما الذي تريد قوله.. إن كنت تتفق معي في ذلك، ما الذي يحتاجه الشاعر كي يستطيع أن يقبض علي صوته الشعري؟
صحيح، لأنني كتبته في عشر سنوات تقريباً، وفي هذه المدة تغير ملامحه عشرات المرات، إذ كنتُ أمزق الكثير من القصائد التي أشعر أنها تشبه قصائدي القديمة، أو قصائد غيري، فأحياناً أقع في جمال عبارة، وأعمل عليها، فأنا مثل أي أحد قد أتأثر، وقد أشعر بالغيرة، أذكر مثلاً أنني حزنت جداً حين أصدر علي منصور ديوانه (الفقراء ينهزمون في تجربة العشق)، لأنني لم أكتب هذا العنوان، وظللت فترة طويلة أحاول أن أثبت من خلال قصائدي أن الفقراء لا ينهزمون، تحدياً للعنوان الجميل، لكن الواحد نضج مع الوقت، وصار حريصاً جداً علي ألا يُشبه أحداً، فالشاعر عليه أن يكون نفسه، وأنا أشعر أنني أشبه نفسي، خصوصاً في الديوان الأحدث، فهو كما قلتِ التجربة الأكثر نضجاً واكتمالاً، لأن فيه اختلف رؤيتي، فقد تحوّلت من الشاعر الذي يري أنه »‬مثلما يذوب السكر في مؤخرة الكوب/ يذوب في مؤخرة كل شهر شاعر من مصر» وهو نص من ديواني الأول، إلي الشاعر الذي يحلم أن يكون شجرة، ويتحول إلي جسر بين ضفتين، لتمر أحذية الفقراء علي رأسه، فديواني الأول كان يحمل صرختي الأولي وإحساسي بالفاجعة والمرارة، وكان فيه رغبة مُلحة للظهور، ولفت انتباه العالم، لكن صراخي صار يقل في دووايني التالية، حتي خفت تماماً في ديواني الأحدث، إذ صار لديّ خبرة في التعامل مع الحياة والمشاعر واللغة، وأعتقد أن بالوقت، وبالقراءة المستمرة، يكتسب الشاعر صوته، لأن الاعتماد علي الإلهام وحده قد لا يصل بك إلي شيء.
-ما الأفضل أن يقدم الشاعر صرخته الأولي كما هي، أم أن يصبر لحين يهدأ وتنضج مشاعره؟
وفق تجربتي، الأفضل أن يقدم صرخته الأولي، لأنه لن يتعرف علي صوته إلا بالخطأ والتجربة، صحيح أن الصرخة قد لا تفعل شيئاً للعالم، لكنها تفعل كثيراً للشاعر، يكفي أنها تجعله يعرف ما الذي يريده، وما الهم الذي سوف يتبناه، يكفي أنها الشيء الوحيد الذي سيبقي معه، وإن كانت صرخة حقيقية وصادقة، سوف تخلص له، وترد إليه ما قدمه للشعر.
-هل تشغل بالك بالقراء؟
لا أبداً. أنا مشغول فقط بالإنتاج، لأنني اكتشف بعد عودتي من فرنسا أن كتبي قليلة جداً، وهو ما جعلني أعكف علي كتابة سيرتي الذاتية. وعلي كل حال لقد عشت فترة طويلة من عمري بدون قراء، ولم يزعجني هذا، لأنني أؤمن أن الشعر سوف يفي بوعده في النهاية.