رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

القاهرة وذكريات المدينة 4 - 4


شارع الشيخ الدرديري بالباطنية

شارع الشيخ الدرديري بالباطنية

شهاب طارق
6/1/2019 9:36:39 AM

عندما زرت منطقة الباطنية لأول مرة وتحديدًا شارع الشيخ الدرديري (يطلق عليه البعض اسم شارع الصالحين لكثرة قبور أولياء الله الصالحين داخله) كان الوقت يقترب من التاسعة مساءً، الأضواء خافتة للغاية باستثناء بعض الأماكن التي ينتشر فيها محلات البقالة، عدا ذلك فالمكان يبدو مخيفًا للغاية، ظننت في البداية أن تجارة المخدرات لم تعد قائمة داخل المنطقة بعد أن شنت قوات الأمن حملتها في السابق، حتي جاءني شاب وسألني إن كنت أبحث عن شيء هنا فأجبته نافيًا فقال لي إنه يستطيع أن يوفر لي ما أريده وعليَّ أن أتبعهُ لبضعة أمتار.
كان الأمر مخيفًا بالنسبة لي، ظننت نفسي لوهلة أنني أصبحت صحفي حوادث مهمتي هي الكشف عن أوكار المخدرات، حينها سحبني أخي الذي كان يتبعني في جولتي واعتذرت للشاب بكل أدب وقلت لهُ بأني دخلت المنطقة بالخطأ لأنني كنت أتمشي عند جامع الأزهر ويبدو أنني ضللت الطريق.
ابتسم الشاب وظل يصر علي رأيه بأن أتبعه قائلًا إن بضاعته أرخص من الشخص الذي سأذهب إليه، حينها أكدت له بأني لا أدخن وأخرجت جيبي وقلت لهُ »لا أملك حتي علبة سجائر»‬، عندها نظر لي نظرة تنم عن خبث كبير، ثم انسحب وتركني اذهب، حينها تركت المنطقة فورًا مع أخي وقررت ألا أعود إليها مرةً أخري.
كان هذا خطئًا بالطبع لأنني زرت هذه المنطقة ليلًا وكان المفترض زيارتها عند الصباح، لكن ذلك فتح لي آفاقًا جديدة خلال هذا التحقيق، بسبب رواج تجارة المخدرات التي لازالت موجودة حتي وقتنا هذا، فالباطنية هي أشهر أحياء الدرب الأحمر، ومن أقدم الأحياء في القاهرة، عمرها يزيد علي الألف عام، وقد كانت تسمي بـ»‬الباطلية» لأنه عندما وزع جوهر الصقلي الحارات علي سكان القاهرة نسي أن يوزع علي بعض السكان مكانًا يسكنون فيه فقالوا: »‬رُحنا في الباطل» فأعطاهم قطعة الأرض هذه وسميت حينها بالباطلية، كذلك يذكر المقريزي أنه »‬في سنة ٦٦٣هـ احترقت حارة الباطليّة عندما كثر الحريق في القاهرة ومصر وما زالت الباطلية خرابًا والناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا فيقولون: كأنّ في باطنه حريق الباطليّة».
الصوفية وانتشار الحشيش
ومع مرور الوقت ولفترة من الزمان كانت الباطنية قد تحولت لحي راقي لما بها من آثار ومنازل لعلية القوم كقصر زينب خاتون الذي ذكرناه في الحلقة الأولي، وقد قال عنها علي مبارك: »‬المنطقة في الماضي البعيد كانت مقرًا لشيوخ الأزهر وعلماؤه وطلبته المغتربين من كثير من بلدان العالم».
لكن وبمرور الزمن تحولت المنطقة إلي مقرًا لتجارة المخدرات وانقسمت الباطلية إلي منطقتين »‬الوسعاية الصغيرة» و»‬الوسعاية الكبيرة» والتي كانت المنطقة الأم لتجارة المخدرات، خاصةً وأنها كانت تقع في منتصف القاهرة تقريبًا، وكان يجلس المعلمين علي الموائد وداخل الخيم في هاتين الوسعاتين ويبيعون المخدرات.
ورواج تجارة المخدرات في هذه المنطقة الآن ليس بالجديد، بل هي عادة توارثها أهل المنطقة لأنها كانت مليئة بالصوفية الذين كانوا يدخنون الحشيشة، فهذه المنطقة تقع خلف الجامع الأزهر والملاحظ اليوم أنها يكثر فيها الأضرحة الصوفية في شوارعها وحواريها، مما يدل علي أنها كانت عامرة بالكثير من الشيوخ ومريديهم، وأكثرهم من الصوفية. يورد المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه »‬المواعظ والاعتبار في ذكر الخِطَط والآثار»، حكاية لأحد مشايخ الصوفية الذي اكتشف أسرار الحشيش ونصح مريديه بتناوله ونشره بين الفقراء، قائلًا: »‬خرجنا إلي الصحراء، فأوقفنا علي النبات، فلما رأيناه قلنا هذا نبات يعرف بالقنب، فأمرنا أن نأخذ من ورقه ونأكله، ففعلنا، ثم عدنا إلي الزاوية فوجدنا في قلوبنا من السرور والفرح ما عجزنا عن كتمانه، فلما رآنا الشيخ علي الحالة التي وصفنا، أمرنا بصيانة هذا العقار، وأخذ علينا الإيمان أن لا يعلم به أحد من عوام الناس، وأوصانا أن لا نخفيه عن الفقراء».
كذلك حكي المقريزي أن إمام مسجد السلطان أبو العلا بالقاهرة، كان متجهم الوجه وفرّ إلي الصحراء وعاد مبتسمًا، فلما سُئل عن سبب انشراحه، أشار إلي نبات ينمو في الصحراء تناوله، فذهب العامة وتناولوا هذا النبات، وهو القنب.
وهناك من يروي أن أوروبا قد عرفت الحشيش من خلال مصر في القرن السابع عشر خلال الحملة الفرنسية، وقد نقل نابليون بونابرت وجنوده هذا المخدر إلي أوروبا عندما فشلت حملتهم علي مصر، ومن ثم عرفه المكسيسكيون الذين نقلوه إلي الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد مطلع القرن العشرين حينما نقله إليها العمال المكسيكيون الذين وفدوا إلي العمل داخل الولايات المتحدة.
لهذا لم يكن انتشار المخدرات بهذه المنطقة وليد الصدفة، بل إنها اكتسبت هذه التجارة بسبب انتشار الصوفية في هذه المنطقة، والذين لم يحرموه إطلاقًا.
رعاة الغنم والشيخ الدردير
وجدت أيضًا الكثير من مظاهر الحياة التي كانت في الماضي، حيث قرأت أن المنطقة كانت تضم سوقًا للغنم ولم يعد لهُ أي أثر، والذي ترجع إقامته داخل المنطقة للصوفيين أيضًا، لأنهم كانوا ينحرون الكثير من الذبائح علي روح مشايخهم، كما أن المنطقة كانت تضم سوقاً للغنم وتحديداً عند حارة بير المش وهذا السوق يرجع إلي العصر المملوكي، لكن عندما مشيت داخلها لاحظت أن تربية الأغنام لاتزال موجودة، وهذا يدل علي أنه صحيحًا أن المنطقة لم يعد بها سوقًا ثابتًا لكن لا يزال الكثير من سكانها يرعون الغنم ويبيعوه، خاصةً للصوفية والمريدين داخلها، وهذا ما أكد عليه أحد بائعي الأغنام، الذي ذكر لي أنه يوجد في هذه المنطقة أكثر من ٢٠ شخص يمتهن مهنة الرعي.
أثناء تجولي في الباطنية دخلت إلي مسجد وضريح الشيخ الدرديري، كان ذلك بعد صلاة الظهر تقريبًا، وجدت شيخ سبعيني ملامح الكهولة علي وجههِ، ويبدو أن التعب أنهكهُ وخار من قواه، وبملامحه التي يبدو عليها أنها عانت كثيرًا خلال رحلتها التي امتدت للسبعين، يقف هذا الشيخ مُتكئًا علي عصاه، يرفع يده اليمني لأعلي باكيًا، وقد انهمرت دموعه وسقطت علي ثنايا خدهِ المشقق، بدت وكأنها تجري ما بين ضفاف نهر داخل شقوق وجهه، يدعو الله داخل مقام شيخه الدرديري أن يحقق آماله المتبقية، عل بركة شيخه تصيبهُ.
هنا يتجمع الكثير من سكان المنطقة حول مقام هذا الشيخ تحديدًا، حتي أنني لاحظت تهافت طلبة الأزهر الآسيويين علي قبره، الجميع هنا يترك كرامات لخدام المسجد عند المغادرة والجميع هنا يصمتون في حضرة شيخهم.
وقد لقب الدردير بشيخ أهل الإسلام وبركة الأنام لتفوقة في الفنون العقلية والنقلية، وقد كان صوفيًا زاهدًا، قوَّالا للحق كما تذكره المراجع.
ويقال أيضًا أنه كان لهُ العديد من المواقف التي تدل علي شجاعته وثبات موقفه، فعندما جاء أحد الولاة العثمانيين أراد أن يكون الأزهر هو أول مكان يزوره حتي يستميل المشايخ لعلمه بقدرتهم علي تحريك ثورة الجماهير في أي وقت شاءوا، فلما دخل ورأي الإمام الدردير جالسًا مادًا قدميه في الجامع الأزهر وهو يقرأ وردَهُ من القرآن غضب، لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به، وقام أحد حاشيته بتهدئة خاطره بأن قال له: إنه مسكين ضعيف العقل ولا يفهم إلا في كتبه يا مولانا الوالي. فأرسل إليه الوالي صرة نقود مع أحد الأرِقاء فرفض الشيخ الدردير قبولها وقال للعبد »‬قل لسيدك من مدَّ رجليه فلا يمكن له أن يَمُدَّ يديه».
الزوايا ومُصليات الموتي
بعد أن غادرت هذا المسجد وجدت الكثير من الأضرحة، والزوايا التي تخص أولياء الله الصالحين، واللافت للنظر أنها موجودة وسط الحارات؛ فمثلًا كان علي يميني مقام سيدي عبد الله الدسوقي الذي لا يتعدي المترين وقد كان مغلقًا تمامًا، إلا أن به شباك صغير تستطيع من خلاله مشاهدة ضريح الشيخ من الداخل والذي يبدو عليه ملامح الاهتمام من جانب خادمهِ، حيث تتراص أعواد البخور.
وكما ذكرت في الحلقة السابقة أن المسجد هو المكان الذي يصلي فيه الصلوات الخمس ولا تصلي فيه الجمعة وأن الجامع هو المكان الذي تقام فيه الجمعة وباقي الصلوات، كذلك فإن هناك فرقًا دقيقًا بين »‬الزاوية والمُصلي» فالزاوية في الأصل كانت المكان الذي يسكن فيه الشيخ ومريديه، ويدفن فيه، مثل زاوية رضوان بالخيامية (وهو رضوان بك الفقاري، عاش في العصر العثماني وتحديدًا في القرن ال١٧)، وزاوية عبد الرحمن كتخدا من القرن الـ١٨، ولعل انتشار الزاويات في الباطنية والدرب الأحمر يرجع إلي انتشار الصوفية كما ذكرنا سلفًا.
أما المُصليات فلم يعد لها أي أثر يذكر وقد كانت المنطقة تضم الكثير من المصليات للموتي (لم تكن الصلاة علي الموتي في المساجد لكنهم كانوا يصلون عليهم داخل مكان يسمي بالمصلي، والمصلي الوحيد الموجود حاليًا هو مصلي المؤمني) ومصلي المؤمني قد بناه الأمير سيف الدين بكتمر المؤمني الذي أنشأ سبيل ومصلي المؤمني، وكان هذا هو المصلي الرسمي للأموات في العصر المملوكي، يصلي فيه علي وجوه الناس والأمراء والشهيرات من النساء، وقد تعرض السبيل والمصلي للكثير من عوامل التخريب والتدمير أو الحريق ومن ثم كان يعاد تعميره من جديد، ويقال إن يشبك بن مهدي جدده سنة ٨٧٣هـ والناصر محمد بن قايتباي ثم عمره السلطان الغوري سنة ٩٠٩هـ وأنشأ إلي جانبه حوضًا وساقية وكان يوجد به مغسلين مهمتهم ترسيم الأموات من المسلمين من الرجال والنساء.
والغريب في الأمر أن منطقة الدرب الأحمر كانت تحتوي علي أكثر من ١٧ مصلي للموتي، ليس لهم أي أثر في وقتنا هذا.
اكتشافات وفرص للبحث
وبالبحث الدقيق، بمساعدة الدكتور حسام إسماعيل أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة عين شمس، توصلت معه إلي نتائج أولية تفضي إلي أن هذه المصليات كانت بالقرب من أماكن دفن الشيوخ، حيث كانوا يُدفنون بجانبها كالشيخ خالد والباز  الأشهب، فهذه المصليات قد تكون بالقرب من هذه الأضرحة وبالتالي يمكن أن تكون تلك فرصة لعمل دراسة من جانب المختصين لتحديد أماكن هذه المصليات، كما أن شكلها غير معروف أيضًا ولم يذكره المؤرخون ولم يتكلم أحد عن هذه المصليات من قبل، وكل الأبحاث المنشورة تشير إلي مصلية المؤمني فقط، وحينما تساءلت »‬لماذا اختفت هذه المصليات ولم تختفي الجوامع في هذه المنطقة؟» وجدت أن الناس لم يهدموا المساجد أو المدارس نظرًا لقدسيتها وحرمتها، لكن هذه المصليات تهدمت لأنها لم يكن يقام فيها أي من الصلوات الخمس وبالتالي وجد الناس مخرجًا لكي يهدموها وربما يبنون فوقها بيوت، فالمنطقة من باب زويلة حتي القلعة انتشرت فيها المصليات بسبب انتشار الطاعون في بعض الفترات.
وأثناء زيارتي لمصلي المؤمني الذي يقع تحديدًا عند ميدان القلعة بشارع السوق، أمام بلية للأسماك يقع هذا المصلي، ذهبت إليه ووقفت أمام محل السمك فوجدت بابًا صغيرًا وبجانبهِ محل عصير، عندها سألت صاحب المحل عن مصلي المؤمني قال إنه لا يعلم أي شيء عن هذا المسمي فسألته عن اسم المسجد الذي بجانبه خاصةً لأنه لا يوجد عليه لوحة تشير إلي اسمه، فقال إنه مسجد السلطان الغوري، عندها أدركت أن هذا هو مصلي المؤمني وأن الناس قد أطلقوا عليه الآن اسم مسجد مرفق به اسم الغوري لأن الغوري هو من جدده، عندها ابتسمت له وقلت له إن هذا ما كنت أبحث عنه وبدأت أحكي له حكاية هذا المُصلي الذي يعد الأثر الوحيد المثبت لهذه المُصليات في الوقت الحاضر.
عندما دخلت لمصلي المؤمني وجدت أن هيئته لا يمكن أبدًا أن تكون مسجدًا، فهو غريب الشكل ولم أدخل خلال جولتي، التي تعدت أكثر من ٥٠ مسجد ومدرسة وجامع وزاوية، بناء بهذا الشكل المغطي من الداخل بقباب ضحلة.
كذلك وجدنا قبل ذلك رواق مفتوح علي الطريق بواجهة جامع الصالح طلائع، يبدو أنه كان يستخدم كمصلي للأموات، وسبب تدعيم هذه الأدلة أن هذا الشكل من المصليات ظهر في اليمن وكان هناك تأثيرات متبادلة للعناصر المعمارية في العصر الفاطمي بين مصر واليمن، وحتي وقت قريب كانت تقام فيه الصلوات وهو ملتصق بجامع الصالح طلائع.
هذه المصليات تحتاج إلي دراسات كثيرة من قبل المؤرخين والآثاريين المصريين الذين قد يجيبونا ويحددوا لنا أين كانت أماكنها بشكل دقيق، ققد ذكر كتاب »‬النجوم الزاهرة» أن في فترة اشتداد مرض الطاعون ظهرت هذه المصليات بكثرة، ونحن اليوم لدينا خريطة أرسلها لي دكتور حسام إسماعيل قد تساعد الباحثين لتحديد الشوارع والحواري التي كانت تضم هذه المُصليات.
كلمة أخيرة
حاولت خلال هذا التحقيق أن أكشف جوانب خفية عن القاهرة، قد تكون منسية أو ربما ظننا أنها اختفت، الحقيقة الوحيدة التي أردت أن أظهرها هي أن عيون سكان القاهرة القديمة لازالت تحمل بداخلها كنوز، فلازلت أؤمن بأن المدن تعكس قلوب سكانها فإن أظلمت هذة القلوب وفقدت إيمانها، فإن المدن تفقد بريقها وبهاءها.. وقد حدث ذلك لمدن كثيرة.