رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

سليمان المعمرى: أستعين بصديقى عبدالعزيز الفارسى لإقناع أبى بدواء يرفضه


حسن عبدالموجود
6/1/2019 10:31:13 AM

صداقة الكاتبين العمانيين سليمان المعمرى وعبدالعزيز الفارسى فريدة وجميلة، وهى دليل على إمكانية أن تجمع الصداقة مهنتين لا علاقة بينهما، سليمان إعلامى، والفارسى طبيب، ليس هذا فقط، فتلك الصداقة انتقلت من الواقع إلى رواية مشتركة لهما هى «شهادة وفاة كلب» وبطلها كذلك إعلامى وطبيبة، ولا يمكن، بهذا الشكل، أن تكون صداقتهما عادية، فأنت لا تسمع كل يوم عن كاتبين صديقين أصدرا عملاً مشتركاً.
أعرف أن سليمان ساخر، سخريته بدت لى جلية فى مقابلة جمعتنا بالقاهرة، وكذلك تبدو فى كل كتاباته، بما فيها مقالاته و«‬بوستاته» على «‬فيسبوك» التى يلاحق فيها لصوص الأدب والصحافة، منتحلى أعمال غيرهم، مواجهاً تهديداتهم بمزيد من الضحك، وهو يقول إن الفارسى بدوره ساخر، ساخر فى نفسه، وفى كتابته، ثم إن أول لقاء جمع بين الاثنين يشكل فى حد ذاته قصة طريفة، كان يمكن أن تنتهى بشكل درامى، لكن لحسن الحظ أن الأمر برمته تحول إلى موقف ضاحك..   
هذا اللقاء الأول كان فى ملتقى أدبى شبابى فى مدينة «‬نزوى» عام 1998، كان الفارسى متحمساً، بينما بدا الفتور على ملامح المعمرى، لا ليس الفتور فقط، يقول المعمرى بسخرية ويضيف: «‬كنت تمثالاً بارداً فى تلك المقابلة، وعندما أنظر لصداقتنا اليوم أشبهها برواية جيدة ولكنْ بمفتتح ردىء، وقد أعدنا كتابة هذا المشهد الافتتاحى للرواية المشتركة بعد عامين من اللقاء الأول لتتوطد صداقتنا إلى اليوم». كان عمر المعمرى فى هذا اللقاء 24 عاماً وقد بدأ منذ عام ونصف وظيفته كمحرر أخبار بإذاعة سلطنة عُمان، أما الفارسى فيصغره بعامين، وكان وقتها طالباً بكلية الطب فى جامعة السلطان قابوس. كان هذا الملتقى الأدبى سنوياً ويتضمن مسابقة فى الشعر والقصة، ويُعقد كل عام فى مدينة عُمانية. عام 1997 عُقِد فى صحار وفازت فيه قصة المعمرى «‬الكلب الأبيض» بالمركز الأول. يقول عبدالعزيز إنه أُعجِب بتلك القصة بعد نشرها فى الصحافة العُمانية وتمنى التعرف على المعمرى، وكان فرِحاً بأنه سيلقاه فى نزوى.

يحكى المعمرى: «‬تأخرتُ فى الوصول إلى نزوى عدة أيام بسبب ارتباطى بالوظيفة فى مسقط. خلال تلك الأيام التى تأخرتُ فيها ادعى أحد المشاركين فى الملتقى من زملائى السابقين فى الجامعة أنه صديقى، وشرع يلفق الحكايات الكاذبة عن صداقتنا المزعومة، فى حين أننى على النقيض من ذلك كنتُ لا أستلطفه منذ أيام الجامعة وأعتبره سمجاً واستعراضياً وثقيل دم. بمجرد وصولى إلى نزوى قابلنى عبدالعزيز بترحاب شديد وعرفنى بنفسه قائلاً: أنا عبدالعزيز الفارسى صديق صديقك فلان، وذكر اسم الرجل السمج الذى لا أطيقه. كانتْ هذه بداية غير موفقة من عبدالعزيز جعلتنى أنفر منه على الفور. فما دام صديقاً لسمِج فهو بالضرورة سمج مثله»، ويضيف: «‬المضحك أن عبدالعزيز اعترف لى، بعد ذلك اللقاء بسنوات، أنه لم يكن صديقه ولا يحزنون، وإنما أراد بذلك الادعاء تقريب المسافة إليّ فكانت النتيجة عكسية. بعدها بعام، أى عام 1999، التقينا فى ملتقى أدبى بمدينة صور الساحلية، وهو الملتقى الذى سيفوز فيه عبدالعزيز بالمركز الأول فى القصة. وفى الفترة ما بين العامين قرأتُ لعبدالعزيز قصة أخرى فازت بجائزة جامعة السلطان قابوس عنوانها (حتى إشعار آخر) فأعجبتنى كثيراً وكلمته عنها فى ملتقى صور، وساهم ذلك فى كسر بعض الجليد بيننا، ولكن ليس إلى درجة الصداقة، فما يزال شبح (صديقه) و(صديقى) المزعوم يقف حاجزاً بينى وبينه. الصداقة الحقيقية بعبدالعزيز بدأتْ عام 2000 عندما تم ترشيحنا هو وأنا والشاعر على الرواحى لتمثيل عُمان فى ملتقى أدبى شبابى عربى فى الشارقة. يقال إذا أردت أن تعرف صديقاً فجربه فى سفر. وهذا ما حصل لى مع عبدالعزيز، بل وعلى الرواحى أيضا. فقد شكلنا-بسبب هذا السفر إلى الشارقة الذى لم يتجاوز أسبوعا- ثلاثيَّ صداقة استمر لسنوات بعد ذلك. فى الطائرة جلسنا – عبدالعزيز وأنا- فى مقعدين متجاورين، كنتُ أنظر للنافذة وأشاهد جناح الطائرة وأقول له: تخيّل رجلاً معلقاً فى الجناح! كان شاهداً على ولادة واحدة من قصصى التى أحبها وفازت بجائزة بعد ذلك عن رجل معلق بجناح طائرة عنوانها (لماذا لأن). فى تلك الرحلة انكسرتْ كل الحواجز بيننا وتحدثنا كثيراً فى كل شىء تقريباً، وشَعَر كلانا أنه يعرف الآخر منذ فترة طويلة».

الصديق الجيد ليس فقط الذى يشبهك، بل أيضاً ذلك الذى يختلف عنك ويسمح لك بهذا الاختلاف

فى ذلك العام (2000) صدرت مجموعة المعمرى القصصية الأولى «‬ربما لأنه رجل مهزوم»، ولم يقرأها قبل النشر إلا عبدالعزيز الذى ستصدر مجموعته القصصية الأولى «‬جروح منفضة السجائر» سنة 2003 وكان المعمرى قد قرأها بدوره قبل النشر. يعلق: «‬باختصار، لم يصدر لى ولا لعبدالعزيز أى كتاب إبداعى سواء كان قصة أو رواية أو سيرة إلا وكنتُ قارئه الأول كمخطوطة، وكان هو قارئى الأول، حتى وإن كنا أضفنا فى السنوات الأخيرة قراء آخرين لأعمالنا الأدبية من باب استمزاج آراء متعددة حولها. ومن جميل المُصادفة أن عملينا اللذين يشكلان نقلة نوعية فى كتابة القصة لكلينا (وهما «‬الأشياء أقرب مما تبدو فى المرآة» لى، و»‬العابرون فوق شظاياهم» له) صدرا فى السنة ذاتها (2005) ومن نفس دار النشر (الانتشار العربى)، وكنا قد أرسلناهما معاً فى رسالة واحدة لتلك الدار، وقبلها كنا قد أرسلناهما معا فى رسالة واحدة لدار رياض الريس ولكن لم يعجبنا عرضها للنشر فقررنا النشر فى «‬الانتشار»).

عام 2010 سافر عبدالعزيز إلى كندا لإكمال دراساته العليا فى الطب، وكان طبيعياً أن يقل تواصلهما، ناهيك عن لقاءاتهما. ولكن صداقتهما مع ذلك لم تتأثر. يقول المعمرى: «‬يحدث ألا يكون بيننا تواصل لعدة أشهر، ثم بمجرد لقاء أو مكالمة هاتفية بيننا نبدو وكأننا نواصل حواراً بدأناه فى اليوم السابق، لا شىء تغيّر فى عمق الصداقة أو الثقة بيننا».

لم تمض مدة قصيرة على صداقته بعبدالعزيز حتى بات صديق العائلة أيضاً. وتحديداً أبوه، الذى كان يحبه كثيراً، وخاصة بعد أن أصبح طبيب العائلة كذلك، وكان المعمرى، كما يحكى، يستعين به أحياناً ليُقنع أباه بأهمية علاج ما أو دواء يرفضه. والمفارقة هنا أن الأب يثق بكل ما يقوله الطبيب عبدالعزيز، ولكنْ له رأى آخر فيما يكتبه الأديب عبدالعزيز: «‬كان أبى ولا يزال يؤمن أن القاص أو الروائى ليس سوى كاتب أكاذيب منمّقة. ولذلك كان يُطلق عليّ وعلى الفارسى وعلى صديقنا المشترك فى بداية الألفية –القاص المصرى عصام حسين عبدالرحمن الذى كان يعمل حينها طبيباً فى مستشفى صحار (شلة الكذابين)! كان أبى يستقبل الفارسى والدكتور عصام عندما كانا يزوراننا فى البيت مازحاً بهذا السؤال: بعدكم تكذبوا؟ [هل ما زلتم تكذبون؟]. أما ما يتعلق بالاستشارات الطبية فقد كان أبى يستجيب لها على الفور. مرة كان أبى بحاجة إلى عملية جراحية ضرورية من المفترض أن تُجرى له فى الهند، كان رافضاً بشدة، وكنتُ وأخى محمود نحاول جاهدين إقناعه بإجرائها بدون جدوى، وعندما يئست طلبتُ من عبدالعزيز إقناعه، ففعل ذلك ببراعة وأزال كل مخاوفه منها. وعندما أصيب عمّار ابن أختى بالسرطان قبل عدة سنوات كان أول شخص ألجأ له هو عبدالعزيز، الذى لم يكتف بالإجابة على أسئلتى المستفهِمة حول العلاج، بل كان موجوداً أيضاً مع عمّار فى المستشفى».

طوال أكثر من 20 عاماً ظلت صداقتهما صامدة لا يضايقها الابتعاد أو الانشغال الحياتى

كان عبدالعزيز الفارسى هو صاحب فكرة أن يكتبا عملاً مشتركاً، انطلاقاً من اختلافهما. يقول المعمرى إن هناك نقطة مهمة يجب التوقف عندها قليلاً: «‬نحن لا نختار أصدقاءنا وإن بدا أننا نفعل ذلك. ثمة ما يجذبنا فى إنسان ما فنقترب منه ونعتمده صديقاً. كثيرون يكون سبب انجذابهم لهذا الصديق أنه يشبههم فى طريقة التفكير وطرائق النظر للحياة، غير أن وجهة نظرى المتواضعة هى أن الصديق الجيد ليس فقط الذى يشبهك، بل أيضاً ذلك الذى يختلف عنك ويسمح لك بهذا الاختلاف دون أن يؤثر ذلك على صداقتكما. وأعتقد أن هذه نقطة مدهشة فى صداقتى لاثنين من أعز أصدقائى اليوم: عبدالعزيز الفارسى، وعبدالله حبيب. نختلف كثيراً فى عُمق إيماننا بأشياء كثيرة، وفى رؤيتنا تجاه الكون والخالق والوجود، ومع ذلك لم يؤثر هذا الاختلاف فى صداقتنا، بل على العكس أغناها، وسمح لكلّ منا بتعدد زوايا النظر فى الرؤية للموضوع الواحد».

يعود لتذكر ما يتعلق بالرواية المشتركة، حيث اتفقا أن يبدأَ أحدُهما الكتابة بدون أى خطة مُسبقة أو موضوع معين ولا يتوقف إلا عندما يشعر أنه لا يستطيع المواصلة: «‬بدأتُ أنا سنة 2008، ثم واصل هو، ثم أكملتُ أنا على ما كُتب، وهكذا، حتى تجاوزت الرواية أربعين ألف كلمة. بعد أن فرغنا منها عرضناها على ثلاثة قراء نثق فى رأيهم فكان رأيهم مخيباً لآمالنا، باختصار: لم تعجبهم الرواية، فكان أن أُحبِطنا وركنّاها جانباً، والتفتَ كلّ منا إلى مشاريعه الأخرى. كان ذلك إن لم تخنى الذاكرة سنة 2010. بعد ثلاث سنوات، أى 2013 عدنا لقراءة الرواية من جديد بعد أن نسينا تفاصيلها تماماً. توصّلنا إلى قناعة أن بها ما يمكن أن يجذب القراء لكنها تحتاج إلى إعادة اشتغال من جديد. أكثر ما كان بارزاً فيها طغيان الحسّ الساخر الذى هو أحد المشتركات بينى وبين عبدالعزيز فى الكتابة والحياة. أحيانا كان بارزاً بشكل غير فنى ويحتاج إلى (تشذيب)، كما كانت الرواية بحاجة إلى تعميق بعض الشخصيات الثانوية وتجاهل شخصيات وأحداث أخرى هى فائضة عن الحاجة. وضعنا خطة لهذه التعديلات التى استغرقت منا حوالى سنتين، فأنجزناها، ثم عرضنا الرواية على سبعة قراء ممن نثق فى آرائهم. خمسة منهم أعجبوا بها وشجعونا على نشرها، وهو ما حدث سنة 2016».

ويضيف: «‬أما بالنسبة لشخصيتَى الطبيبة والممرضة من جهة، وشخصية المذيعة أوبرا وينفرى وبعض الشخصيات الصحفية من جهة أخرى، فقد يظن البعض أننا تعمدناها من واقع وظيفتينا ليكتب كلٌّ منا ما يعرفه أو يجيده، لكنها فى الحقيقة شخصيات جاءت بشكل غير مخطط له، على الأقل فى الجانب الواعى من الكتابة، بل إننى لا أتورع الآن عن الاعتراف أننى أنا أول من أدخل الطبيبة فى الرواية وليس عبدالعزيز، لكنه –بخبرة المهنة- أضفى عليها كثيراً من العمق بحيث جعلها شخصية مُصَدَّقة، والأمر نفسه ينطبق على بعض الشخصيات الإعلامية التى أرى أن حضورها كان جوهرياً فى الرواية، وليس فقط لأن أحد كاتبَيْها إعلامى».

نحن لا نختار أصدقاءنا وإن بدا أننا نفعل ذلك

 يقول المعمرى إنه طوال أكثر من عشرين عاماً ظلت صداقته بعبدالعزيز صامدة، لا يضايقها الابتعاد ولا الانشغال الحياتى أو الوظيفى، صداقة اثنين منسجمين يفهمان ما يريده أحدهما من الآخر. ولكن المفارقة أنه كل عدة سنوات يدخل بينهما صديق ثالث يشكّل معهما ثلاثياً منسجماً. فى الفترة  من 2000 إلى حوالى 2003 وربما 2004 كان ثالثهما الشاعر على الرواحى الذى بدأتْ صداقتهما به برحلة الشارقة واستمرت سنوات بعد ذلك. وتجمعهما به ذكريات طريفة لا تُنسى.

يحكى المعمرى: «‬من ضمن تلك الذكريات أننا كنا نلتقى بصفة شبه يومية فى مقهى نسميه (مقهى الحمقى)، ليس لأن مرتاديه حمقى، وإن كنتُ لا أستطيع الجزم بعكس ذلك أيضاً، بل لأن نادليه هم حمقى. فإذا أردتَ مثلا شاياً فعليك أن تطلب قهوة، وإذا أردت ساندويتش فلافل فعليك أن تطلب عصير رمان! وهكذا. فى إحدى الليالى، كنا، ثلاثتنا، خارجين من هذا المقهى فى سيارة عبدالعزيز، وكانت فيروز تصدح بأغنيتها: حبيبى بدو القمر. كنتُ أنا بجانب السائق عبدالعزيز، وكان الرواحى فى المقعد الخلفيّ يطلق تنظيراً ما عن أغنية فيروز وما تعنيه. أنا وعلى نشاهد سيارة تقتحم علينا الطريق من الجانب المعاكس لكننا لا نتكلم ظنّا منا أن عبدالعزيز منتبه لها. سنعرف بعد قليل من الضربة القوية التى رنّحتْ سيارتنا وجعلتها تدور حول نفسها أنه غير منتبه. لا أدرى أى شيطان ركبنى لحظتها فقررتُ معاقبة عبدالعزيز. كان الفارسى يسأل بعد أن توقفت سيارته عن الدوران : انتوا بخير يا جماعة؟ ورد الرواحى: أنا بخير ، وأنتم؟ أما أنا فتصنعتُ فقدان الذاكرة هاتفاً: أنا مين؟ أنا وين؟ أنا فقدتُ الذاكرة. كنت أمثل، ولأن المقام لم يكن مقام مزاح فقد انطلى ذلك على الفارسى والرواحى وأخذا يحاولان إنعاش ذاكرتى بما قلناه فى المقهى قبل قليل، وأنا أرد على كلام كل منهما مصطنعاً الدهشة: أنت مين؟ وبعد مرور نحو خمس دقائق فقط، وعندما لاحظتُ قلقهما الشديد اعترفتُ لهما بأننى أمثّل».

بعد ذلك ابتعد على الرواحى بدون مقدمات. لم يعودوا يلتقون كالسابق، وبحسب المعمرى يبدو أن الوظيفة ابتلعته، فقد ابتعد أيضاً عن الشعر. وإذا بشاب عُمانى متخرّج حديثاً من أمريكاً ويتصادف أيضاً أنه قاص موهوب يدخل حياة الاثنين، المعمرى وعبدالعزيز، ويُصبح صديقهما الحميم، كأنه بديل جاء فى الوقت المناسب ليسد فراغ الرواحى، وهو القاص مازن حبيب: «‬بدأنا التعرف عليه حوالى عام 2004 واستمرتْ صداقتنا به عدة سنوات، قرأنا نحن الثلاثة معاً أعمال تشيخوف وأحببناها وكتبنا عنها، وكذلك أحببنا رواية (حفلة القنبلة) لجراهام جرين وكتبنا عنها ثلاثتنا فى عدد واحد من ملحق شرفات الثقافى، لكن الكتاب الأكثر تأثيراً عليّ أنا وعبدالعزيز خلال مسيرتنا الكتابية، هو رواية «‬كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك» للروائى الجزائرى عمارة لخّوص. فقد أحببنا هذه الرواية كثيراً وأحببنا طريقة لخّوص فى السخرية وفى تعدد الشخصيات، وفى طرق موضوع جاد وهو معاناة المهاجرين العرب والأفارقة فى الدول الأوروبية بتناول ساخر يجعلك تضحك من عمق المأساة. وعندما أقرأ اليوم رواية (تبكى الأرض يضحك زحل) لعبدالعزيز الفارسى، أو روايتى (الذى لا يحب جمال عبدالناصر) أجد فيهما تأثراً ما بهذه الرواية».

لا شىء تغيّر فى عمق الصداقة أو الثقة بيننا

والحكاية الأخيرة يمكنها أن تلخص معنى الصداقة العظيمة التى تجمع الاثنين. ذات مرة نشبت فى حلق المعمرى شوكة سمك طويلة خلال وجبة دسمة فى أحد المطاعم، حاول إخراجها بالطرق التقليدية فلم يستطع. أحد النادلين أحضر له إصبع موز وطلب منه أكله قائلاً إنه سيزحلق الشوكة إلى معدتك. أكل الموز ولم تتزحلق الشوكة بل أعادت تموضعها فى مكان أكثر إيلاماً، فكان أن توجه إلى أقرب مستشفى. وهناك حاولوا إخراجها بالطرق التقليدية فلم يتمكنوا لأنه لم يستطع فتح فمه إلى آخره بدون أن تخزه الشوكة فى وريده، صوروا عنقه بالأشعة السينية لكن تعذرت رؤية الشوكة، وفى النهاية قرر الطبيب إخراجها بعملية منظار، ولأنه يرتعب من مجرد كلمة «‬عمليّة» كان أول أمر يفكّر فيه الاتصال بعبد العزيز. اتصل به ليسأله عن مدى سهولة أو صعوبة مثل هذه العمليات، فكان جوابه: «‬عشر دقائق وأكون معاك». وبالفعل لم تمض الدقائق العشر حتى كان معه، وساعد وجوده ليس فى طمأنته فحسب ولكن أيضاً فى الدخول معه فى غرفة العمليات عندما عرف الأطباء أنه طبيب، ولم يتركه إلا بعد أن أُجريتْ العملية ونجحتْ، بل وصوّر له الشوكة التى أُخرجت من بلعومه وأراه إياها بمجرد إفاقته من التخدير. يعلق المعمرى: «‬من هذه القصة أستطيع أن أعرّف الصديق أنه أول من يخطر فى بالك عندما تنشب فى حلقك شوكة سمك».